١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به


النحت في لغة العرب واصطلاح العلماء

أما النحت في اللغة فهو النشر والقشر، يقال: نحت النجار الخشب ينحت نحتًا، ونحت أي: برى، وقال ابن فارس: النون والحاء والتاء كلمة تدل على نجر شيء وتسويته بحديدة.
وأما النحت في اصطلاح العلماء فهو: أخذ كلمة من كلمتين أو أكثر، مع المناسبة في اللفظ والمعنى معًا، أما أخذ كلمة من كلمتين فنحو: "عبشم" من عبد شمس، وأما أخذ كلمة من أكثر من كلمتين فنحو: قولك "دمعز" من أدام الله عزك، وأما المناسبة في المعنى فواضحة، فالمعنى الذي تؤديه الكلمتان أو الكلمات هو نفسه الذي تؤديه الكلمة المنحوتة.
وأما المناسبة في اللفظ فالذي حدث فيه هو حذف بعض الحروف وأخذ حروف معينة بحيث تكون ممثلة لكل كلمة من المنحوت منه.
لقد عني بالنحت نفر من علماء العربية في القديم والحديث، وأبرز من أشار إليه من القدماء الخليل بن أحمد، وابن السكيت، وابن دريد، والجوهري، وأحمد بن فارس، وأبو منصور الثعالبي، والظهير النعماني، وابن مالك، وأبو حيان، والسيوطي، وغيرهم.

١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به


أما الخليل بن أحمد فقد ذكره في أول حديثه عن المضعّف من باب العين، وقال: إن العين لا تأتلف مع الحاء في كلمة واحدة لقرب مخرجيهما، إلا أن يشتق فعل من جمع بين كلمتين، مثل "حيعل" كقول الشاعر:
ألا رب طيف منك بات معانقي         إلى أن دعا داع الفلاح فحيعلا
يريد قال: حي على الفلاح.
قال الخليل: فهذه كلمة جمعت من "حي" ومن "على" فتقول منه "حيعل يحيعل حيعلة" وقد أكثرت من الحيعلة، أي من قولك حي على، وهذا يشبه قولهم: تعبشم الرجل، وتعقس، ورجل عبشمي وعبقسي إذا كان من عبد شمس أو من عبد قيس، فأخذوا من كلمتين متعاقبتين كلمة.
أما ابن السكيت: فقد ذكر بعض أمثلة النحت في كتابه (إصلاح المنطق) مما يدل على اهتمامه به، مثل: السبحلة، والهيللة، والحولقة، والحوقلة، والحمدلة، والجعفدة، والبسملة.
وكذلك صنع ابن دريد في (الجمهرة) وكذا صنع الجوهري في (صحاحه) وكذلك صنع ابن دحية في )التنوير) وخطّأ بعض الكلمات المنحوتة وصوّب بعضها، فقد خطأ الحوقلة بتقديم القاف فهي مشية الشيخ الضعيف، وصوّب الحولقة من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله" وخطّأ الجعفلة باللام، وصوّب الجعفدة بالدل من "جعلت فداك".

١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به


وأما ابن فارس فقد ذكره في كتابيه (الصاحبي) و(المقاييس) أما في كتابه (الصاحبي) فقد ذكره بصورة مجملة في باب قصير سماه "باب النحت" قال فيه: العرب تنحت من كلمتين كلمة واحدة، وهو جنس من الاختصار، وذلك: رجل عبشمي، منسوب إلى اسمين .
يقول ابن فارس وقد ذكرنا ذلك بوجوهه في كتاب (مقاييس) اللغة.
وبالفعل فسر ابن فارس في (مقاييس اللغة) ما أجمله في (الصاحبي) إذ يقول في(مقاييسه): اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبًا في القياس يستنبطه النظر الدقيق، وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت، ومعنى النحت: أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعًا بحظ.
وقوله "وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت" يدل على أنه رأى أصولًا رباعية وخماسية غير منحوتة، ولذلك نص على أن الأصول الرباعية والخماسية على ضربين، أحدهما: منحوت، والآخر: موضوع وضعًا.
ومن أمثلة المنحوت عنده من تلك الأصول: البحتر، وهو القصير المجتمع الخلق.
يقول ابن فارس: فهذا منحوت من كلمتين، من الباء والتاء والراء، وهو من: بترته فبتر، كأنه حرم الطول فبتر خلقه، والكلمة الثانية الحاء والتاء والراء، وهو من حترت وأحترت، وذلك ألا تفضل على أحد، يقال: أحتر على نفسه وعياله، أي: ضيق عليهم، يقول ابن فارس أيضًا: فقد صار هذا المعنى في القصير؛ لأنه لم يعط ما أعطيه الطويل.

١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به


وقد تأثر الدكتور رمضان عبد التواب بفكرة ابن فارس هذه، وذهب إلى أبعد مما ذكره ابن فارس، فقد رأى: أن العربية تعرف النحت في كلماتها الثلاثية أيضًا، ومثّل لذلك بكلمة "أسمر" قال: فهي منحوتة -عنده- من أسود وأحمر.
ولكن الدكتور لم يدعم رأيه بأمثلة أخرى تمكن الباحث من رسم منهج في النحت الثلاثي، فإن المثال الواحد لا يغني غناء الأمثلة المئات التي قدمها ابن فارس في رسم منهج النحت مما زاد على ثلاثة أحرف.
وذهب الدكتور أيضًا إلى القول بأن ثمة وسائل أخرى لخلق الرباعي في العربية غير ما ذكره ابن فارس، منها: وسيلة المخالفة الصوتية، مثل "تقرصع" بمعنى ساد في مشيته، فأصلها كما يقول "تقصع" خولفت فيها الصاد الأولى وجعلت راءً.
ومنها أي من الوسائل أيضًا: استعمال وزن "افعألّ" في الشعر بإقحام همزة فيه، مثل: "اطمأن" فقد تقلب عينًا كما في لهجة تميم، وحينئذ يتولد عندنا أمثال "اقشعر"، كما تخفف الهمزة فتصير هاءً في مثل "اكفهر" و"ازمهر".
إن نظرة ابن فارس هذه تعد نقلة هائلة في النحت، تجعل من هذه الظاهرة المحدودة في العربية ظاهرة عامة، تتسع لما هو كثير جدًا من الكلمات، سواء كانت أسماءً أو صفاتٍ أو أفعالًا.

١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به


وعلى الرغم من عدم العثور على من يأخذ على ابن فارس من المتقدمين أهل الشأن غلوًا أو تعسفًا في منهجه النحتي ظهر في عصرنا مؤاخذون عليه، مثل الدكتور علي عبد الواحد وافي والدكتور مصطفى جواد.
وقد دافع عن مذهب ابن فارس النحتي نفر من العلماء، منهم الدكتور صبحي الصالح وغيره.
ومن الذين تكلموا عن النحت الثعالبي في كتابه فقه اللغة ، والسيوطي في كتابه المزهر.

١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به



١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به



١.٤ النحت في اللغة والاصطلاح ، واهتمام العلماء به