![]() |
طريقة النحت: النحت لا يسير على نظام ثابت، أو قاعدة مطردة؛ فبعض أمثلته تقوم على أخذ الفاء، والعين من الكلمتين المنحوت منهما، وإسقاط بعض حروفهما، ومن قال بهذا: ابن السِّكيت، والجوهري في (الصحاح)، وابن مالك في (التسهيل) فقد قال ابن مالك: يبنى من جزأي المركب "فَعْلَلَ" بفاء كل منهما، وعينه؛ فإن اعتلت عين الثاني؛ كمل البناء بلامه، أو بلام الأول، ونسب إليه. |
![]() |
وقد استدرك عليه البدر الدماميني بقوله: ولم يتكلم -أي: ابن مالك- على اعتلال عين الأول، وقد وقع. |
![]() |
ومن أمثلة هذا النظام عبشم، أخذت العين، والباء من عبد، والشين والميم من شمس، وينسب إلى الكلمة؛ فيقال: عبشمي، أو عبشمية، ومن أمثلة هذا النظام أيضًا: جعفد بأخذ الجيم والعين من جعلت، والفاء والدال من فداك، ومن أمثلة ما اعتلت فيه عين الثاني عبد قيس فيقال: عبقسي بأخذ الفاء والعين من الأول، والفاء واللام من الثاني كما يقال: عبقدي بأخذ فاء الأول وعينه كذلك، وفاء الثاني ولام الأول. |
![]() |
ومثال ما استدركه الدماميني على ابن مالك دار البطيخ؛ حيث قالت: العرب في النسبة إليهما: دربخي بأخذ فاء الأول ولامه، وحذف عينه على غير قياس تلك المسألة، وأخذ فاء الثاني ولامه، وحذف عينه على غير قياس؛ فكأنهم أجروا على الثاني الحكم الثابت للأول فأتبعوه له في الحكم. |
![]() |
وهنالك نظام آخر؛ حيث نجد أمثلة يقوم النحت فيها على أخذ الكلمة الأولى مضافًا إليها الحرف الأول من الكلمة الثانية نحو: بسمل فهي مأخوذة من بسم مضافًا إليها اللام من لفظ الجلالة، ونحو سبحل من سبحان الله وحسبل من حسبي الله، وحمدل من الحمد لله، وتيمل من تيم الله. ومثل هذا ما قد يقع عند النسبة إلى المركب المزجي، مثل قولهم حضرمي من حضرموت. |
![]() |
وبعض أمثلة النحت تقوم على نظام ثالث تقوم على أخذ الكلمة الثلاثية الأولى مضافًا إليها لام الكلمة الثانية، ومثال ذلك ضِبَطْر المأخوذة -كما يقول ابن فارس- من ضبط، وضبر أخذت لام الكلمة الثانية، وأضيفت إلى الكلمة الأولى. |
![]() |
ومن الأمثلة أيضًا التي تسير على هذا النظام الذي ذكره ابن فارس: الصلدم ، وصلد يصلد صلدًا، وصلودا إذا صلب، وصدم الشيء إذا صكه ودفعه. |
![]() |
وهذا القدر من طرق البحث يعطينا فكرة عن عدم وجود نظام ثابت له، وعلى الرغم من أنه لون من ألوان الاشتقاق في العربية لم يكن يسير على صوغ قاعدة تنتظم أحواله كسائر المشتقات في هذه، وليس أمامنا في مباحث أئمة العربية إشارة أقوى من إشارة ابن مالك القائلة بإمكان أن يبنى من المركبات كلمات ينحت كل منها من فاء الجزء الأول من المركب وعينه، ثم ما يناظرها من الجزء الثاني على ما تقدم بيانه. |
![]() |
وهذا الذي يقوله ابن مالك إنما ينحصر في وزن فعلل، وعلاوة على ذلك؛ فإن ما ينحت من الجملة إنما يكون على "فعلل" أيضًا، وإن ما ينحت من الأصول المستقلة، وفيها معظم أمثلة ابن فارس، إنما يعود إلى هذا الوزن أيضًا؛ فإن أريد مصدر؛ فهو "فعللة" وإن كان مضعفًا فالمصدر "فِعلال" وإن أريد الفعل اللازم من فعل؛ فهو "تَفعلل" ومصدره "تَفَعْلُل". |
![]() |
يقول ابن جني: وجميع ذلك إلى القوة والاجتماع، وذكر أمثلة لهذه التقليبات المستعملة، منها: القسوة، وهي تعود إلى التقليب الأول؛ يقول: القسوة هي شدة القلب واجتماعه؛ |
![]() |
ومنها: القوس، وهذا مثال مردّه إلى التقليب الثاني "وهو القاف والواو والسين". |
![]() |
يقول ابن جني: ومنها القوس لشدتها واجتماع طرفيها، والمعروف أن القوس آلة على هيئة هلال ترمى بها السهام؛ تذكر وتؤنث، وتجمع على أقواس وقِسِيّ. |
![]() |
يقول ابن جني: ومنها الوقس وهو راجع إلى التقليب الثالث "وهو الواو والقاف والسين" يقول: ومنها الوقس لابتداء الجرب، وذلك لأنه يجمع الجلد ويُقْحِلُه -أي: يجعله قحلًا يابسًا- |
![]() |
يقول ابن جني: ومنها الوسق، وهو راجعٌ إلى التقليب الرابع -أعني: الواو والسين والقاف- يقول: ومنها الوسق للحمل، وذلك لاجتماعه وشدته ومنه استوسق الأمر -أي: اجتمع . |
![]() |
ثم ذكر ابن جني لفظ "السوق" وهو عائد إلى التقليب الخامس -أعني السين والواو والقاف- يقول: ومنها السوق، وذلك لأنه استحسان، وجمع للمسوق بعضه إلى بعض . |
![]() |
وقد ذكر الن جني من هذه الأمثلة مادة س ل م ، وقلبه إلى ستة تقليبات وقال إن المعنى الشامل لهذه المادة هو الإصحاب والملاينة . |
![]() |
وهذه الفكرة قد شغلت ابن جني، وذكر لها أمثلة أخرى في كتابه الخصائص؛ ثم يدعونا ابن جني إلى الملاطفة في استخراج المعنى العام الذي تتجمعُ حوله تقاليب الأصل . |
![]() |
وإن كان ابن جني قد أخذ فكرة هذا الاشتقاق من أستاذه أبي علي الفارسي فليس بعيدًا أن تكون فكرة تقليبات المادة قد اقتُبِسَتْ من الخليل بن أحمد، ثم زيد عليها محاولة الربط بين دلالتها؛ لتدور حول معنًى عام واحد. |
![]() |
وأكثر الأمثلة التي قُلِّبَتْ هذا القلب اللغوي على طريقة الاشتقاق الكبير ثلاثية الأحرف، ذلك أن الثنائي يعطي تقليبًا واحدًا بجانب الأصل، والثلاثي يعطي ستة، والرباعي يُعطي أربعة وعشرين، والخماسي يُعطي مائة وعشرين، والقليل منها مستعمل، والكثير مهمل، كما ذكر الخليل وابن جني. |