١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام


حاول ابن فارس أن يؤكد الفكرة الدلالية المرتبطة بالاشتقاق الصغير حين تعود تصاريف المادة اللغوية إلى معنى مشترك يربط بينها, والحق أن ابن فارس أول من طبق هذه الفكرة على مواد كثيرة وأفرد لها معجمًا سماه (المقاييس) أما الفكرة نفسها فقد سبقه إليها نفر من اللغويين المتقدمين, من أمثال: الخليل بن أحمد, وابن دريد, والزجاج, وأبي بكر بن السراج... وغيرهم, إذا كان الخليل وابن دريد وغيرهما من جامعي اللغة ومصنفي المعاجم قد نظروا إلى الجذور أو المواد اللغوية نظرتهم إلى العائلات وأبنائها المفردات، فوضعوا ألفاظ كل عائلة لغوية في مكان واحد من المعجم, فإن ابن فارس قد نظر في المعاني الخاصة لتلك الألفاظ, وحاول أن يتصيد من مجموعها معنًى عامًّا تدور في فلكه, ولكنه في بعض المواد لم يستطع أن يردَّ ألفاظًا إلى معنًى عامٍّ واحد فردها إلى اثنين أحيانًا وإلى ثلاثة وإلى أربعة

١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام


ومن أمثلة النوع الأول حيث استطاع ابن فارس أن يرد ألفاظه إلى معنى عام واحد: تركيب الجيم والعين والدال, أدار ابن فارس كلمات هذا الجذر حول تقبض في الشيء, وجعل منه الشعر الجعد, وهو خلاف السبْط, أو السبِط, بسكون الباء وكسرها, وجعل منه أيضًا النبات الجعد, وأيضًا الرجل الجعد الأصابع, كناية عن البخل, وجعل منه أيضًا أبا جعدة للذئب كناية بذلك عن بخله, وجعل أيضًا من ذلك الجعدة لنبات, قال: ولعله نبت جعدًا

١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام


وقد رأى ابن فارس أن المعاني أو الأصول المتعددة قد تتقارب أحيانًا وتعود إلى أصل ومعنى عام, إذ قال: في الظاء والفاء والراء: الظاء والفاء والراء أصلان صحيحان يدل أحدهما على القهر والفوز والغلبة, والآخر على قوة الشيء, ولعل الأصلان يتقاربان.
معنى هذا أن ابن فارس يحاول قدر طاقته أن يرجع ما تعدد من معان عامة أو أصول متنوعة إلى معنى عام واحد.
ولم يرق للدكتور صبحي الصالح صنيع ابن فارس في إرجاع التصاريف إلى أكثر من معنى عام, فقال: قول ابن فارس بتعدد الأصل لا يبدو لنا إلا لونًا من الترف العقلي أو التزيد العلمي, وإنما أراد به ذلك العلامة الجليل أن يظهر قوة ساعده في تلمس الفروق الدقيقة بين المفردات التي يرجح البحث العلمي المنهجي أنها تفرعت من أصل واحد لا من أصول متفرقة.
وقد تعقب الدكتور صبحي العلامةَ ابن فارس في مادة العين والراء والفاء, ورأى أنها تعود إلى أصل واحد وهو انكشاف الشيء وظهوره, ورأى أن هذه الدلالة الحسية الحقيقية هي التي ينشأ عنها الدلالة المعنوية المجازية وهي السكون والطمأنينة, ويعود إلى تلك الدلالة أيضًا ما سماه ابن فارس بتتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض, والمتصفح لهذا الجذر -أعني العين والراء والفاء- عند ابن فارس يرى أنه قد استشهد على السكون والطمأنينة بنحو عشر كلمات, منها: المعرفة, والعرفان؛ لأن من أنكر شيئًا توحش منه ونبا عنه, والعَرف, وهي الرائحة الطيبة؛ لأن النفس تسكن إليه, وتعريف الضالة واللقطة؛ ليعرف صاحبها, والاعتراف بالشيء كأنه معروف له وإقرار به.

١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام


واستشهد ابن فارس على المعنى الآخر وهو تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض بعرف الفرس الذي سمي بذلك؛ لتتابع الشعر في عنقه, وفي مجيء القطا عرفًا عرفًا بعضها خلف بعض, ورد إلى عرف الفرس المعرفة وهي الأرض المنقادة المرتفعة بين سهلين.
على أية حال إن هذه الفكرة -أعني فكرة المقاييس, أو فكرة رد معاني المواد إلى معانٍ كلية قد تأثر بها بعض العلماء الذين أتوا بعد ابن فارس منهم: الصاغاني في(العباب) والزبيدي في (تاج العروس) والمعجميون في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في(المعجم الكبير) الذي صدرت منه مجموعة من الأجزاء.

١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام



١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام



١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام



١.٣ فكرة ابن فارس ومن تأثر بها في ربط المادة بمعنى عام