ومن أمثلة النوع الأول حيث استطاع ابن فارس أن يرد ألفاظه إلى معنى عام واحد: تركيب الجيم والعين والدال, أدار ابن فارس كلمات هذا الجذر حول تقبض في الشيء, وجعل منه الشعر الجعد, وهو خلاف السبْط, أو السبِط, بسكون الباء وكسرها, وجعل منه أيضًا النبات الجعد, وأيضًا الرجل الجعد الأصابع, كناية عن البخل, وجعل منه أيضًا أبا جعدة للذئب كناية بذلك عن بخله, وجعل أيضًا من ذلك الجعدة لنبات, قال: ولعله نبت جعدًا
ومن أمثلة النوع الثاني الذي لم يستطع ابن فارس إلا أن يرد كلمات جذره إلى نوعين من المعاني: الباء والدال والعين, فقد أدار كلمات هذا الجذر حول معنيين: الأول ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال, والآخر الانقطاع, وجعل من المعنى الأول قولهم: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا, وجعل منه أيضًا البديع وهو اسم من أسماء الله الحسنى, وجعل منه أيضًا البدعة, مثل قوله تعالى: ((مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ)) [الأحقاف: من الآية : ٩] أي: ما كنت أولًا, وجعل من المعنى الثاني قول العرب: أبدعت الراحلة إذا كلَّت وعطبت.
ومن أمثلة النوع الثالث الذي لم يستطع ابن فارس أن يرد معاني الكلمات في مواده إلا إلى ثلاثة معان: الخاء والراء والسين, فقد أداره حول جنس من الآنية, وعدم النطق, ونوع من الطعام, فمن كلمات المعنى الأول: الخرس, وهو الدنُّ الذي هو وعاء ضخم كان يتخذ للخمر ونحوها, ويقال لصانعه: الخراس, ومن كلمات المعنى الثاني: الخرَس, وهو ذهاب النطق, ومن كلمات المعنى الثالث الخرْس والخُرْسة, وهو طعام يتخذ للنفساء من النساء, ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الشريف في صفة التمر ((هو صمتة الصبي وخرسة مريم)) صمتة الصبي, أي: ما يلهى به ليسكت, وخرسة مريم, أي: الطعام الذي كانت تتخذه حينما جاءها المخاض .
ومن أمثلة النوع الرابع الذي لم يستطع ابن فارس أن يرد معاني الكلمات فيه إلا إلى أربعة: الباء والراء والميم, فقد أداره حول إحكام الشيء, والضجر والضيق به, واختلاف اللونين, وجنس من النبات, وجعل من المعنى الأول: إبرام الأمر, والمبرم أي: المغزل, ومن المعنى الثاني قولك: برمت بالأمر, أي: عييت به, ومن المعنى الثالث: البريم, وهو اسم للصبح أول ما يبدو لاختلاط بياضه بسواد الليل, ومن المعنى الأخير: البرم الذي يطلق على حبوب العنب في بدء ظهورها.