![]() |
أترك أبا القاسم بن عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفى سنة ٣٤٠ من الهجرة يحدثنا عن موقف العلماء من الاشتقاق حين قال في كتابه (اشتقاق أسماء الله) : اعلم أن للناس في الاشتقاق ثلاثة أقوال، أما الخليل وسيبويه، وأبو عمرو بن العلاء، وأبو الخطاب، وعيسى بن عمر، والأصمعي، وأبو زيد، وأبو عبيدة، والجرمي، وقطرب، والمزاني، والمبرد، والزجاج، وسائر من لم نسمعه من البصريين من أهل اللغة؛ فإنهم يقولون: بعض الكلام مشتق، وكذلك من الكوفيين الكسائي، والفراء، وأبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي، وثعلب، ومن تابعهم يقولون بهذه المقالة؛ لأنه محال أن يكون كله مشتقًا، إذا كان لا بد للمشتق من أصل ينتهي إليه غير مشتق؛ لأنه لو كان كل مشتق له أصل آخر اشتق منه إلى ما لا نهاية؛ لوجب من ذلك وجود ما لا يتناهى موقوفا عند آخره بوجود الكلمة التي يقال إنها مشتقة. |
![]() |
وواضح من عبارته أنه ذكر رأي الجمهور في الاشتقاق، وهو أن بعض الكلام مشتق، وبعضه أصل، وواضح أيضًا أنه ذكر رأيًا ثانيًا، وهو أن كل كلام العرب مشتق، وقد رد عليه كما ذكر. |
![]() |
أما الرأي الثالث الذي ذكره فأتركه أيضًا يوضحه حين قال: وذهب قوم من أهل النظر إلى أن الكلام كله أصل، وليس منه شيء اشتق من غيره. ثم يقول: واستدلوا على بطلان الاشتقاق بأن قالوا بأن العرب تتكلم بطباعها، ولم تعرف الاشتقاق، ولا الإعراب، ولو كان العربي يشتق الكلام، ويستعمل الإعراب مستغلًا، ومستنبطًا لاحتاج إلى موقف على ذلك، واحتاج الذي قبله إلى آخر، إلى ما لا نهاية، وهذا محال؛ فكل واحد منهم إنما يتكلم بطبعه، ولولا ذلك ما كان حجة يلزم قبول قوله؛ فهذه حجة من دفع الاشتقاق وأنكره. انتهى كلام الزجاجي. |
![]() |
ولكنه لم ينس أن يرد على هذا الفريق، وذكر في ثنايا رده أن العرب لم تكن تعرف اشتقاقًا، ولا قواعد إعراب، ثم قال: ولكنا نقول: إن المتكلمين بلغة العرب على ثلاثة أصناف: فصنف منهم يتكلمونها غير عارفين بأوضاعها وأسبابها وحكمتها سوى النطق بها عادة فقط. وآخرون أضافوا إلى النطق بها ومشاركة الأولين في اعتياد النطق بها ضربًا من العلم به والفحص، والكشف عنها، وحفظ غرائبها وشاذها. وصنف ثالث ممن تكلم بهذه اللغة تعليمًا وأخذًا، وإتباعًا للأولين، طلبوا مقاييسها؛ لأنهم لم يمكنهم ضبطها، وحصرها حفظًا، ثم يقول: وهذه الطائفة هم علماء هذه اللغة الذين عنوا بحفظها وجمعها، ونقلها، وتتبعها، والفحص عن أسرارها فصاروا أئمة في هذا العلم قدوة يحتج بقولهم، كما كان يحتج به من الأولين المطبوعين. |
![]() |
ثم ذكر أن هؤلاء العلماء ميزوا بين بعض الكلام وبعض، فقالوا: إن منه أصولًا أسماء للأشخاص والأعيان الأول، واقعة أولًا للفصل بين بعضها وبعض نحو: رجل، وفرس، وثوب، وعين، وقدر... وما شابه ذلك، ومنها أسماء وضعت أعلامًا باتفاق، يدل كل اسم منها على شخص بعينه، نحو زيد، وجعفر، وبكر... وما أشبه ذلك، ومنها أسماء مبهمة، ومضمرة، ومنها أسماء مشتقة مأخوذة من الأفعال نحو أسماء الفاعلين، والمفعولين، مثل ضارب، ومضروب. |
![]() |
ولقد أوضح الزجاجي أيضًا أنه لا بد لمن نظر في العربية من معرفة الاشتقاق، والقول به ضرورة فيما ينصرف، وما لا ينصرف، وفي التصاريف، والجموع، والمصادر، ولقد ساق هذا الشيخ أدلةً على أن بعض العرب قد عرف الاشتقاق، وتعلمه، وجاء في أشعارهم، وفي هذا رد على ما ذكره من أهل النظر الذين يزعمون أن العرب لم تعرف الاشتقاق، ولا الإعراب. |
![]() |
ساق الزجاجي شعرًا يرد به على هؤلاء من ذلك قول حسان بن ثابت الأنصاري في النبي -صلى الله عليه وسلم: شَقَّ لَهُ مِنِ اسمِهِ كَي يُجِلَّهُ فَذو العَرشِ مَحمودٌ وَهَذا مُحَمَّدُ نَبِيٌّ أَتانا بَعدَ يَأسٍ وَفَترَةٍ مِنَ الرُسلِ وَالأَوثانِ في الأَرضِ تُعبَدُ فَأَرْسَلَهُ فِينَا سِرَاجًا وَهَادِيًا يَلُوحُ كَمَا لَاحَ الْحُسَامُ الْمُهَنَّدُ |
![]() |
يقول الزجاجي: فقال حسان: شق له من اسمه محمدًا؛ فأخبر أن اسما مشتقًا من آخر، وصرح به، وأنشده النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أفصح العرب والصحابة؛ فلم ينكره النبي -عليه السلام- ولا قال له أحد: ما معنى الاشتقاق؟ فإنا لا نعرفه، ولا نفعله، بل تلقوه بالقبول. |
![]() |
ويزيد الزجاجي أمثلة يثبت أن العرب ما كانت تجهل الاشتقاق، يقول: ومن ذلك أيضًا تسمية أبي بكر بالصديق، وعمر بالفاروق، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا غير مشتق؛ لأن أبا بكر الصديق سمي بهذا لكثرة تصديقه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وفِعِّيل من أبنية المبالغ، ثم يقول: وعمر سمي بالفاروق؛ لأنه فرق الله بإسلامه بين الكفر والإسلام، وكان الإسلام قبل إسلامه ضعيفًا، والمسلمون يعبدون الله سرًّا؛ فقال عمر: لا يعبد الله سرًّا، وجاهرَ المشركين بذلك. |
![]() |
لقد حظي هذا الموضوع بعناية كثير من علماء العربية منذ القرن الثاني الهجري، إلى الآن، ولقد عالجه العلماء في مؤلفاتهم اللغوية عبر العصور، مثل ابن جني في كتابه الشهير (الخصائص) وابن فارس في كتابه الشهير أيضًا (الصاحبي) والسيوطي كذلك في(المزهر) إلى العصر الحديث، ومن أبرز علمائه الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه (من أسرار اللغة) والدكتور صبحي الصالح في كتابه (دراسات في فقه اللغة) والأستاذ عبد الله العلايلي في كتابه المعروف بـ(مقدمة لدراسة لغة العرب) وغيرهم كثير. |
![]() |
كما عالجه العلماء في مؤلفات أفردوها لهذا العامل المهم، وقد أتت عوادي الزمن على كثير مما ألفه علماؤنا القدماء، ولم يبق لنا منه إلا القليل، وقد كتب الدكتوررمضان عبد التواب، وصلاح الدين الهادي مقدمة لكتاب (اشتقاق الأسماء) للأصمعي حوت مجموعة من التراث الاشتقاقي ، ومن أبرز الكتب التي خصصها علماء العرب للاشتقاق، وذكرها الدكتوران في تلك المقدمة كتاب(الاشتقاق) لأبي علي محمد بن المستنير بن أحمد المعروف بقطرب المتوفى سنة مائتين وست من الهجرة، وكتاب (الاشتقاق) لأبي الحسن سعيد بن مسعده المعروف بالأخفش الأوسط المتوفى سنة مائتين وخمسة عشرة، وكتاب (الاشتقاق) لأبي سعيد عبد الملك الأصمعي المتوفى سنة مائتين، وستة عشرة، وهو مطبوع في القاهرة سنة ألف وأربعمائة من الهجرة، وأيضًا كتاب (اشتقاق الأسماء) لأبي نصر أحمد بن حاتم الباهلي المتوفى سنة مائتين وإحدى وثلاثين من الهجرة، |