٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير

الاشتقاق الصغير لا يدخل في الأشياء الآتية:
في الأسماء الأعجمية التي عجمتها شخصية، مثل إسماعيل، ونحوه لأنها نقلت من لغة قوم ليس حكمها حكم هذه اللغة.

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


ومن أسماء الأجناس القليلة التي يمكن أن يكون منها مشتقًّا -كما ذكر ابن عصفور- لفظ غراب؛ فإنه يمكن أن يكون مأخوذا من الاغتراب؛ فإن العرب تتشاءم به، وتزعم أنه دال على الفراق، وكذلك لفظ: جرادة، هذا اللفظ يمكن أن يكون مشتقًا من الجرد؛ لأن الجرد واقع منها كثيرًا، والجرد هو القشر والإزالة. انظر (الممتع في التصريف) أيضًا لابن عصفور في الصفحتين الثامنة والأربعين، والتاسعة والأربعين.
ويجوز الاشتقاق من الحروف، وذلك إذا صارت أسماء، أما إذا لم تصر أسماء؛ فلا يشتق منها، وشاهدها على ذلك الحديث الآتي: ((إن طول الصلاة وقصر الخطبة مئِنة من فقه الرجل)) أخرجه مسلم في الجمعة في باب "تخفيف الصلاة والخطبة"
قال أبو عبيد في تفسير لفظ (مئنة) الوارد في هذا الحديث الشريف، قال أبو عبيد: قال أبو زيد: قوله: (مئنة) كقولك: مخلقة لذلك، مجدرة لذلك، محراة... ونحو ذلك. قال الأصمعي: قد سألني شعبة عن هذا فقلت: مئنة هي علامة لذلك، خليق بذلك. قال أبو عبيد: يعني أن هذا مما يعرف به فقه الرجل يستدل به عليه، وكذلك كل شيء دلك على شيء فهو مئنة له،

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


وقال الخطابي: والغلط أن أبا عبيد جعل مبنى مئنة من المأن على وزن الشأن، أي أن مئنة مشتقة من المأن، وقال: وزعم بعض أهل النظر أنها مبنية على أنية الشيء بمعنى الإثبات له، وتحرير أن يقال: إنه كذا.
وقد التقط ابن الأثير هذا الرأي الأخير، وزاده وضوحًا حين قال: وحقيقة المئنة أنها مَفْعِلَة من معنى "أن" أو "إن" التي للتحقيق والتأكيد غير مشتقة من لفظها؛ لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ضمنت حروفها دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل إنها اشتقت من لفظها بعد ما جعلت اسمًا؛ لكان قولًا.
انظر كتاب (النهاية) لابن الأثير الميم، والهمزة، والنون .
إذن الحروف لا يشتق منها إلا إذا صارت اسمًا، واستدلوا على ذلك بلفظ مئنة الوارد في حديث النبي الله -صلى الله عليه وسلم.

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


ما يدخل في الاشتقاق الصغير

يدخل في الاشتقاق الصغير مجموعة من الأمور أوجزها، ثم أفصل القول فيها: يدخل فيه المشتقات الصرفية والنحوية، ويدخل فيه أسماء الأعيان، ويدخل فيه المصادر الصناعية، ويدخل فيه ما يسمى بالاشتقاق اللغوي؛ فهذه أربعة أنواع تدخل في الاشتقاق الصغير.


المشتقات الصرفية والنحوية
وأبدأ بالمشتقات الصرفية والنحوية: لقد عرف الصرفيون الاشتقاق بأنه أخذ شيء من غيره ليدل على ذات وحدث، له ارتباط بتلك الذات. والمشتق بهذا التحديد يشمل اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان، واسم الآلة، ولكن نحْوِيّ البصرة عرفوا الاشتقاق بأنه: أخذ شيء من المصدر ليدل على حدث وصاحبه؛ فيشمل بهذا أربعة أنواع فقط: هي اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، أما أسماء الزمان، والمكان، والآلة؛ فهي عندهم من الجوامد.

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


ولم يخالف في قياسية هذا النوع من الاشتقاق إلا بعض قدامى اللغويين، ومنهم ابن فارس الذي رأى أنه لا قياس على كلام العرب في الاشتقاق، وإن كل كلام العرب توقيف، وهذا مبني على ما تقدم من قولنا في التوقيف؛ حيث يرى أن اللغة توقيف من الله وإلهام. يقول: فإن الذي وقفنا على أن الاجتنان الستر هو الذي وقفنا على أن الجن مشتق منه، وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه؛ لأن في ذلك فساد اللغة، وبطلان حقائقها، ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسًا نقيسه الآن نحن. انتهى قوله.
والحق في أن هذا القول غلو وإسراف في منع القياس على ما اشتقه العرب، علاوة على ما فيه من فساد الاعتقاد باشتقاق المعنوي من الحسي؛ فإن الاجتنان مأخوذ من الجن، وليس العكس.

أسماء الأعيان
النوع الثاني -من الأنواع التي تدخل في الاشتقاق الصغير-: أسماء الأعيان .
وقد اشتق العرب أفعالا ومصادر من أسماء الأعيان، فمنها ما يدل على عضو من أعضاء الإنسان، فمن الرأس اشتقوا رأسته رأسًا إذا ما أصبت رأسه، ومن البطن اشتقوا: بطنته إذا ما أصبت بطنه، إلى آخره.

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


ومنها ما يدل على أقارب الإنسان، فمن الابن اشتقوا التبني، تقول: تبنى فلان فلانا اتخذه ابنا، ومن الأب التأبي، يقال: تأبى فلانا اتخذه أبا ومن البعل البغال، والمباعلة، البعل هو الزوج والزوجة، وباعل مباعلة، وبعالًا اتخذ زوجًا، أو لاعب زوجته، وقالوا: باعل القوم قوما آخرين تزوج بعضهم من بعض، ومن الأخ آخى، وتأخَّى أي: اتخذ أخا.
ومنها ما يدل على أسماء الأمكنة؛ فمن الحرم اشتقوا: أحرم القوم إذا دخلوا في الحرم، وأيمن إذا أتوا اليمن، وقدسوا إذا أتوا بيت المقدس... إلى آخره.
ومنها ما يدل على أسماء الأزمنة؛ فقالوا: أخرفوا إذا دخلوا في الخريف، وأشتوا إذا دخلوا في الشتاء، وأربعوا إذا دخلوا في الربيع، وأصافوا إذا دخلوا في الصيف، وهكذا أفجروا، وأظهروا -أفجروا إذا دخلوا في الفجر، وأظهروا إذا دخلوا في الظهر- إلى آخره، وآصلوا، وابتكروا.
وقد أقر المجمع هذا النوع من الاشتقاق .

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


المصادر الصناعية
النوع الثالث من الأنواع التي تدخل في هذا الاشتقاق الصغير المصادر الصناعية، وهي التي تصاغ بإضافة ياء مشددة، وتاء تأنيث إلى اسم الجنس، نحو: الجاهلية، والألوهية، والحيوانية... إلى آخره، وقد أقره أيضًا مجمع اللغة العربية كذلك؛ حيث يُفيد هذا المصدر بالتعبير عن الهيئات، والأحوال الدقيقة التي تتصل بحقائق الأجناس.


الاشتقاق اللغوي
النوع الأخير -مما يدخل في الاشتقاق الصغير-: الاشتقاق اللغوي:

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه


إذا كان علماء الصرف والنحو ضيقوا مفهوم هذا الاشتقاق الصغير حين ضيقوا على أنواع معينة من المشتقات كما سبق؛ فإن اللغويين قد توسعوا فيه بحيث شمل الأنواع الثلاثة المتقدمة غيرها أي: يشمل جميع ما تصرف من المادة، والكشف عن العلاقة بين معانيها؛ فـ"العين، واللام، والميم" يصاغ منها الماضي، والمضارع، والأمر، واسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر الرباعي، كما يشتق منها صيغ أخرى كالإعلام، والتعليم، وغيرها، فوجهة كل من الصرفيين، واللغويين مختلفة، فالصرفيون يعتمدون في دراستهم للاشتقاق والكشف عن قواعده على وزن الكلمة وصورتها؛ فالقاعدة عندهم لاسم الفاعل مثلا: أنه يأتي من الفعل الثلاثي على زنة "فاعل" وعلى غير الثلاثي على زنة إبدال حرف المضارعة ميما مضمومة، وكسر ما قبل الآخر، مثل حامد، وشاكر، من حمد، وشكر، ومقبل، وأكرم، من أقبل، وأكرم.
أما اللغويين لا يعتمدون على الهيئة، والصورة، ولا ينظرون إلى الحركات، والسكنات، وإنما إلى عملية توليد لفظ من آخر، مع وجود صلة معنوية للدلالة على المعنى الجديد؛ فالجيم، والفاء، والنون مثلًا أصل، أو جذر يدل معناه حول الستر، والغطاء، واشتق منه الجفن -جفن العين- وغمد السيف، والشجر الطيب الرائحة، والجفنة الرجل الكريم، إلى آخر تلك الألفاظ التي يجمع بينها على الرغم من اختلاف صورتها، ومعناها علاقة معنوية، أو قدر مشترك من المعنى العام، وهو الغطاء والستر.

٤.٢ ما لا يدخل في الاشتقاق الصغير وما يدخل فيه