لقد مر التأليف في فقه اللغة عند علماء العربية بمراحل، يمكن إجمالها فيما يلي:
وقد بدأت بوضع بذور لعلوم العربية التي اختلطت ولم تستوِ على سوقها قبل القرن الثالث الهجري، والمتأمل في مؤلفات هذه الحقبة يلحظ كثيرًا من المبادئ والقضايا التي تعد أساسًا للكثير من مباحث فقه اللغة، نلمح هذا في كتب الخليل بن أحمد المتوفى في مائة وخمس وسبعين هجرية، وأبي عبيدة المتوفى في مائتين وتسعة، والأخفش الأوسط المتوفى في مائتين وعشرة، وأبي زيد الأنصاري المتوفى في مائتين وخمس عشرة، والأصمعي المتوفى في مائتين وست عشرة، وابن السراج المتوفى في نفس سنة وفاة الأصمعي أيضًا، وأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى في مائتين وأربع وعشرين، وابن السكيت المتوفى في مائتين وأربع وأربعين... وغيرهم.
وهي مرحلة ذات مستوى رفيع في الدراسات اللغوية، وتبدو واضحة في نهاية القرن الرابع الهجري على يد العبقريين المتعاصرين: أبي الفتح عثمان بن جني المتوفى في ثلاثمائة واثنين وتسعين، وأحمد بن فارس المتوفى في ثلاثمائة وخمس وتسعين، وقد اتضحت لديهما معالم فقه اللغة بالمعنى الحديث في كتابيهما (الخصائص) وهو لابن جني و(الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها) وهو لأحمد بن فارس.
وتمثل عودة فقه اللغة بعد كتابي ابن جني وابن فارس إلى سابق عهده، فتنافرت قضاياه في كتاب الثعالبي المتوفى في أربعمائة وخمس وعشرين (فقه اللغة وسر العربية) فإنه لم يضمنه إلا بعض المباحث القليلة التي يمكن أن تتعلق بهذا العلم، كما تناثرت قضاياه كذلك في كتاب ابن سيده المتوفى في أربعمائة وثمان وخمسين المخصص.
كما تشتمل تلك المرحلة أيضًا على كتب تختص بموضوع الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية، مثل كتاب الجواليقي المتوفى في خمسمائة وتسع وعشرين (المعرّب) والذي أكمله البشبيشي المتوفى في ثماني مائة وعشرين في كتابه (التنزيل والتكميل لما استعمل من اللفظ الدخيل) وكتاب شهاب الدين الخفاجي في القرن الحادي عشر الهجري (شفاء الغليل فيما ورد في كلام العرب من الدخيل) .
كما تشتمل تلك المرحلة أيضًا على كتاب السيوطي المتوفى في العام الحادي عشر بعد التسعمائة (المزهر في علوم اللغة وأنواعها) ويتسم هذا الكتاب بطابع الجمع وحسن الترتيب، وقد اعتبره بعض الدارسين من ألصق المؤلفات بفقه اللغة علمًا مستقلًا قائمًا بذاته، إلا أن الباحث لم يجد فيه فكرة جديدة أو قضية لم يتناولها البحث من قبل.
وتمثل النهضة اللغوية الحديثة التي قدم لها أحمد فارس الشدياق بكتابيه (الجاسوس على القاموس) و(سر الليال في القلب والإبدال) وقد أثمرت هذه المرحلة جهودًا رائعة في خدمة العربية والدراسة اللغوية بشكل عام.
وقد ساعدها عدة عوامل، منها: إنشاء المجامع اللغوية العربية، وإيفاد البعثات إلى أوربا وأمريكا، والتعرف على لغات كثيرة قديمة وحديثة، فأتاح للعلماء فرصة الدراسة والمقارنة لكثير منها، ودعوة المستشرقين لتدريس المناهج الحديثة في الجامعات المصرية والعربية، ومن العوامل أيضًا: معطيات العلوم ذات الصلة باللغة ومنها علما الاجتماع والنفس.