![]() |
لقد أجاب عن هذا ابن فارس في أول باب عقده في كتابه (الصاحبي) بعنوان: باب القول على لغة العرب أتوقيف أم اصطلاح. |
![]() |
وقال: إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله جل ثناؤه: -((وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا))- ]البقرة: من الآية: ٣١[ ، ثم فسر المقصود بالأسماء قائلًا: كان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وسهل وجبل... وأشباه ذلك من الأمم وغيرها، ونقل عن بعض العلماء عن مجاهد قوله: علمه اسم كل شيء، ونقل أيضًا عن آخرين: إنما علمه أسماء الملائكة، ونقل عن غيرهم أيضًا: علمه أسماء ذريته أجمعين، ولكنه ذهب إلى ما ذهب إليه ابن عباس. |
![]() |
ثم ذكر دليلين آخرين على توقيفية العربية: |
![]() |
الأول: إجماع العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفونه فيه أو يتفقون عليه، ثم احتجاجهم بأشعارهم، ولو كانت مواضعة واصطلاحًا لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم في أولى منا بالاحتجاج بنا لو اصطلحنا على لغة اليوم ولا فرق. |
![]() |
الدليل الآخر: لم يبلغنا -كما يقول- أن قومًا من العرب في زمان يقارب زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مصطلحين عليه، فكنا نستدل بذلك على اصطلاح قد كان قبلهم، وقد كان في الصحابة -رضي الله عنهم- وهم البلغاء والفصحاء من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاء به وما علمناه مصطلح على اختراع لغتهم أو إحداث لفظة لم تتقدمهم، ومعلوم أن حوادث العالم لا تنقضي إلا بانقضائه، ولا تزول إلا بزواله، وفي كل هذا -كما يقول ابن فارس-: دليل على صحة ما ذهبنا إليه من هذا الباب. |
![]() |
ثم يرى أن العربية لم تنشأ دفعة واحدة، وإنما بدأت توقيفًا في عهد آدم واكتملت في عهد محمد -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: ولعل ظانًّا يظن أن اللغة التي دللنا على أنها توقيف إنما جاءت جملة واحدة وفي زمان واحد، وليس الأمر كذلك، بل وقف الله -جل وعز- آدم -عليه السلام- على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، وانتشر من ذلك ما شاء الله، ثم علّم بعد آدم -عليه السلام- من عرب الأنبياء -صلوات الله عليهم- نبيًا نبيًا ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- فأتاه الله -جل وعز- من ذلك ما لم يأته أحد قبله تمامًا على ما أحسنه من اللغة المتقدمة، ثم قر الأمر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت. |
![]() |
وقال بالتوقيف أيضًا في الخط العربي وفي علوم العربية، والذي دفع ابن فارس إلى القول بالتوقيف -كما يقول أحد الباحثين المعاصرين-: ميله إلى التشيع وإلى المنهج الكوفي في الدرس اللغوي، فالمتشيع يرى في الإمام مصدرًا للمعرفة، والمدرسة الكوفية اعتمدت على الرواية، أي: على النقل أكثر من اعتمادها على النظر العقلي، وكلا المذهبين جدير بأن يدفع ابن فارس إلى القول بالتوقيف. |
![]() |
ثم يبرز لنا سؤال: هل نظرة التوقيف هذه اقتصرت على العربية؟ أم اتسعت لتشمل لغات البشر عامة؟ |
![]() |
أقول: لقد اتسعت تلك النظرة على ما ذكره ابن جني عن أصحابه، حيث قال: قيل بأن الله -سبحانه وتعالى- علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات: بالعربية، والفارسية، والسريانية، والعبرانية، والرومية، ... وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواه لبعد عهدهم بها. |
![]() |
ولابن جني رأي في تخصيص الأسماء وحدها، غير ما ذكرناه عن ابن فارس آنفًا، حيث قال: اعتمد على ذلك من حيث كانت الأسماء أقوى القبل الثلاثة، ولا بد لكل كلام مفيد من الاسم، وقد تستغني الجملة المستقلة عن كل واحد من الحرف والفعل، فلما كانت الأسماء من القوى والأولوية في النفس والرتبة على ما لا خفاء له جاز أن يكتفي بها مما هو تالٍ ومحمود في الحاجة إليه عليها. |
![]() |
ولم يسلّم بهذه النظرية التوقيفية علماء كثيرون قدماء ومحدثون؛ إذ نرى بعضهم يدلل على أن الإنسان هو مصدر اللغة، وهو واضعها وصانعها ووصل إليها بالاصطلاح والمواضعة، ونرى: آخرون يدللون على أن الإنسان هو صانع اللغة، ولكنه وصل إليها بالمحاكاة والتقليد لكل ما وقع على سمعه من أصوات الطبيعة والحيوانات والطيور والأحداث، وقد استدلوا بلغة الطفل، واللغات البدائية، حيث تعتمد هذه اللغات على المحاكاة والتقليد، والاستعانة بالإشارات الجسمية واليدوية. |
![]() |
وقد اعترض عليهم: بأن الطفل أمامه لغة كاملة وما عليه إلا أن يتقنها، أما الإنسان الأول فهو أمام اختراع تام لوسيلة يتفاهم بها، وأن بعض الشعوب البدائية يتكلمون لغة تكاد تخلو من مثل هذه الكلمات التي تشبه أصواتها ما تدل عليه. |
![]() |
وأرى أنه: من الخطأ الإصرار على رأي بعينه، والتعصب له، فلا ننحاز كلية إلى الرأي القائل بأن اللغة نشأت توقيفًا، أو إلى الرأي القائل بأن اللغة نشأت اصطلاحًا ومواضعة، أو نشأة محاكاة وتقليدًا... إلى غير ذلك من الآراء؛ إذ لا يستبعد أن تكون اللغة قد نشأت عن تلك الروافد المتعددة والنظريات المختلفة، فيجوز أن يكون بعضها قد نشأ توقيفًا من الله، وبعضها نشأ اصطلاحًا ومواضعة من البشر، وبعضها نشأت تقليدًا ومحاكاة للأصوات. |
![]() |
هل العربية خير اللغات؟ |
![]() |
أقول: إن مسألة تفضيل العربية على غيرها من اللغات قول يكاد يجمع الباحثون عليه من علماء العربية، لقد قال به الإمام الشافعي المتوفى في العام الرابع بعد المائتين للهجرة، والجاحظ المتوفى على رأس المائتين، والفارابي المتوفى على رأس الثلاثمائة، وابن جني، وابن فارس، وأبو منصور الثعالبي، والسيوطي. |
![]() |
ولك أن تقرأ بعض ما ذكره ابن فارس في باب القول في أن لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها في كتابه الصاحبي إذ يقول في هذا الباب: وإن أردت أن سائر اللغة تبين إبانة اللغة العربية فهذا غلط؛ لأنا لو احتجنا إلى أن نعبر عن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرة، وكذلك الأسد والفرس وغيرهما من الأشياء المسماة بالأسماء المترادفة، فأين هذا من ذاك؟ وأين لسائر اللغات من السعة ما للغة العرب؟ |
![]() |
ثم أقول: ولا نكاد نجد إنكارًا لهذه الفكرة عند القدماء كما نعرف إلا عند الفقيه الأندلسي أبي محمد بن حزم، ورأى: أن الله أخبرنا أنه لم يرسل رسولًا إلا بلسان قومه، فبكل لغة نزل كلام الله ووحيه. |
![]() |
قد رضي الشيخ أمين الخولي كلام ابن حزم، وعدّ القول بكمال العربية وتفضيلها خطرًا يمنع التقدم اللغوي، ورأى أن هذا التفضيل نابع من تعصب علماء العربية تعصبًا قوميًا ودينيًا |
![]() |
والحق أن تفضيل العربية لم يقم على أساس قومي أو ديني فقط كما زعم الشيخ أمين الخولي، وإنما قام على أساس فكري ولغوي، مثل ما فعل ابن جني وغيره في القديم، وعباس العقاد وغيره في الحديث. |
![]() |
أما علماء الدرس اللغوي الحديث في الغرب فإن معظمهم يرفض القول بأفضلية لغة من اللغات أو بأفضلية لغة على سائر اللغات. |
![]() |
على أننا لا نعدم من يتحدث من الأوربيين عن فضل مجموعة من اللغات، كما فعل شليجل حين صنف لغات البشر إلى ثلاث مجموعات، وضمن المجموعة الأولى: العربية، ومجموعة من اللغات الأوروبية وسماها لغات متصرفة أو تحليلية؛ لأنها بلغت من التطور والنمو ما لم تبلغه أي لغة أخرى؛ لأمرين: |
![]() |
الأول: أن معاني كلماتها تتغير عن طريق التغير والتصرف في أبنيتها. |
![]() |
أما الآخر: فهو أن أجزاء الجمل ترتبط عن طريق أدوات وروابط مستقلة تدل على مختلف العلاقات. |