![]() |
أقول: لقد درس العرب لغتهم على أساس المنهج الوصفي في الغالب، يظهر هذا جليًّا في المستويات الصوتية والصرفية والدلالية والمعجمية. |
![]() |
وقد يؤخذ عليهم مآخذ، منها: أنهم ابتعدوا عن هذا المنهج في دراستهم الصرفية والنحوية، واقتربوا بصورة كبيرة من المناهج الفلسفية والمنطقية التي وفدت إليهم مع تراث اليونان. |
![]() |
ومن المآخذ أيضًا: أن الناحية المعيارية اتضحت عندهم، فهم لا يصفون واقع النظام اللغوي، وإنما يعرضون بعض القواعد، فإذا ما وجدوها غير سارية في بعض نصوص اللغة لجأوا إلى التقدير والتأويل، فإذا لم يجدوا طلبهم منه وصفوا تلك النصوص بالشذوذ والخروج عن النظام العام، وكانت هذه النصوص أصدق وأصح ما ينسب إلى العربية. |
![]() |
كما يؤخذ عليهم أيضًا: أنهم خلطوا في المستويات اللغوية التي استنبطوا منها قواعدهم، فهم يأخذون عن أكثر من قبيلة، ويلتقطون الشواهد من كل مستوى، ولا شك أن هذا قد جعل معظم القواعد التي هدوا إليها مضطربة في وضعها. |
![]() |
ومما يؤخذ عليهم أيضًا: أنهم اقتصروا في عملية الجمع اللغوي على مستوى لغوي معين، هو مستوى اللغة الفصحى، والتي كان من أهم مصادرها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكلام الفصحاء من قبائل معينة حصروها في المناطق البادية من شبه الجزيرة العربية، معللين ذلك: بأن الحواضر وأطراف الجزيرة لا تمثل لغتها لغة العرب تمثيلًا صحيحًا؛ لتعرضها لمؤثرات أجنبية، فأخذ اللسان العربي من: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ لا من قبيلة لخم ولا من جذام؛ لأنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد؛ لأنهم كانوا مجاورين لأهل الشام وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا من النمر؛ لأنهم كانوا مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا مجاورين للبحرين مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم الهند ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم سكان الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين بدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم. |
![]() |
وعلى قدر ما كان لاختيار الفصحى من أهمية في الدلالة على إدراكهم لاختلاف المستويات اللغة في هذه الفترة المتقدمة من الزمن فإن الاقتصار على تلك اللغة في هذه الأماكن أضاع علينا كثيرًا من مظاهر اللهجات الأخرى، ورصد التغيير الذي طرأ عليها عبر العصور. |
![]() |
وما رآه بعض اللغويين عيبًا أو مأخذًا يؤخذ على علمائنا القدماء فإن فريقًا آخر من الباحثين يرى أن جهد المتقدمين في هذا التحديد المكاني في جمع المادة اللغوية وتصنيفها يمثل المنهج الوصفي الواقعي التقريري البعيد عن المناهج المنطقية الفلسفية، ويقترب في جوهرها من كثير من المنهج الوصفي الحديث. |
![]() |
ويؤكد أن الدرس اللغوي تأثر بالفقه وعلم الكلام عند المسلمين، ومن مصادر إسلامية تختلف عن الفلسفة اليونانية والمنطقية الأرسطي اختلافًا جوهريًا. |
![]() |
ويرى آخرون: أن العلماء القدماء لم يقتصروا في جمع المادة على البدو، كما ظهر من نص السيوطي في (الاقتراح) وإنما أخذوا عن أقوام لم تكن لهم بالبادية أي صلة، ويذكرون من هؤلاء عمر بن أبي ربيعة، وجرير، والفرزدق، وبشار، ورؤبة، والعجاج. |
![]() |
ويرجع الباحثون أنفسهم قلة اهتمام القدماء باللهجات وعدم اعتمادها مصدرا أساسيًا من مصادر التقعيد والاحتجاج وإن كان لها واقع ملموس في أعمالهم على جميع المستويات؛ للاستئناس والاستشهاد إلى أمرين: |
![]() |
الأول: وضع قواعد معيارية مطردة، ولا يكون ذلك بالطبع إلا بالأخذ من لغة موحدة. |
![]() |
والآخر: الحفاظ على كتاب الله ولغته الموحدة، والقضاء على القابلية التي قد ينميها منح اللهجات البيئية الخاصة نوعًا من الامتياز عن طريق الاعتداد بها، بحسبانها كيانًا خاصًا يعتمد عليه عند تقنين ضوابط العربية. |
![]() |
على أية حال: فإن الثابت المقرر أن منهجهم الوصفي على المستويين -المعجمي والدلالي- قد اتسم بدقة التحري في أخذ اللغة وروايتها، مهما أخذ عليهم تأثرهم بالمناهج الفلسفية في دراسة بعض البحوث مثل نشأة اللغة والعلاقة بين اللفظ والمعنى، وانتهاجهم المنهج المعياري والتحكمي عند الحديث عن بعض الموضوعات، مثل الحديث عن سلائق العرب، وعن أن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله بعده، وأيضًا: انتهاجهم المنهج الذاتي في علاج بعض القضايا مثل الحديث عن أفضلية العربية دون بحث و مقارنة بينها وبين غيرها من اللغات. |
![]() |
أما بالنسبة لما عرف حديثًا المنهج التاريخي: فإن علماءنا العرب القدماء لم يدرسوا اللغة العربية على أساسه، وقصروا درسهم على فترة زمنية معينة حيث أوقفوا الاستشهاد في علوم اللغة لمنتصف القرن الثاني الهجري تقريبًا. |
![]() |
وهل درس علماؤنا العرب القدماء لغتهم على أساس المنهجين المقارن والتقابلي؟ |
![]() |
أقول: إن علماءنا القدماء لم يدرسوا لغتهم على أساس هذين المنهجين، فلم يدرسوا العربية في ضوء الساميات مع أن بعضهم كان يعرف بعضها إلى جانب العربية، خاصة العبرية التي كان يتقنها يهود الأندلس، ومنهم من اشتغل بالبحث في العربية، وكذلك السريانية واليمنية والحبشية. |
![]() |
والسبب يرجع إلى: حبهم الشديد للعربية إلى حد التعصب، ونظرتهم إليها بوصف كونها أفضل مما سواها؛ ولذا لا نجد في كثير من كتبهم -مثل كتب اللغة، أو التجويد، والقراءات، وغريب الحديث والأثر- إلا إشارة طفيفة إلى لغات أجنبية. |