![]() |
إن طبيعة بنية المجاورة تقوم على التجاور بين الألفاظ المكررة؛ أي: أن النطق فيها يتلازم مع حركة الفكر في أهدافه التوكيدية، أو التقريرية، وتختلف هذه البنية عن سابقتها من حيث إسقاط المسافة التي كانت بين الألفاظ المرددة، ومن حيث لزوم التكرار في بناء الدلالة الكلية، بحيث يكون إسقاط أحد مفردات التكرير أو التكرار مضيعًا لعملية التجاور، سواء أكان التجاور ثنائيا أم ثلاثيا، أم أكثر من ذلك. |
![]() |
هذه البنية تتميز بمنطلق دلالي: هو أن يكون التكرار عملية تأسيسية، وإن تعامل شعراء الحداثة مع هذه البنية، لم يختلف عن تعامل القدامى معها، إلا من حيث توسيع الدائرة التعبيرية، التي تزرع فيها، ومن حيث توظيفها لإنتاج دلالات جديدة، تتوافق مع طبيعة عصرهم من ناحية، وتتوافق مع طبيعة شعر الحداثة البنائية من ناحية أخرى، ويبدو أن امتداد الدلالة، كان أهم النواتج لهذه البنية في شعر الحداثة، وبخاصة عندما يتصل هذا الامتداد بالزمان والمكان، منفردين أو متداخلين. | |
![]() |
وقد يكون امتداد بنية التجاور متصلًا بالمكان، لكنه في هذا الاتصال، يظل محصورا داخل الممكن، أو ما يمكن أن نعتبره مألوفا، على معنى أن توالي مفردات البنية يكون موافقا لمنطق الرؤية، ومحدوديتها على عكس الامتداد الزمني، الذي يتصل بكل أبعاد الزمن في خطوطه المختلفة. | |
![]() |
وبعيدًا عن الزمان والمكان، قد تحول بنية التجاور امتداد الدلالة إلى خط عكسي، على معنى أن الناتج الدلالي يكون نفيا لا إثباتا. |
![]() |
إن بنية التجاور كانت تأتي بعد تمهيد تعبيري يهيئ لها دورًا دلاليا على نحو من الأنحاء، لكن الملاحظ أيضًا: أن بعض شعراء الحداثة قد تعاملوا مع هذه البنية على نحو آخر، حيث يجعلون منها مفتتحًا لمعانيها، على معنى أنها تمثل تمهيدًا تعبيريًّا لما يتلوها من صياغة، ومن ثم يكون دور الصياغة تابعًا وليس متبوعًا، أو بعبارة أخرى: تصبح بنية التجاور مفجر الدلالة في النص. | |
![]() |
قد تأتي بنية التجاور معتمدة على تكرار الحروف، وهنا يؤدي التجاور إلى عملية تأكيد للسياق المنفي، أو المثبت، أو المستفهم عنه، على حسب الدلالة التي تزرعها الأداة في السياق. |
![]() |
إن البلاغيين العرب القدامى قد تعرضوا للأساليب السابقة، باعتبارها وسائل فنية مستقلة عن بنية التكرار بالمعنى الذي حدوده لكل منها، ومن هنا اتجهوا إلى بنية التكرار ذاتها، وتناولوها في دراسة منفردة بأقسامها التي شققوها، وأشكالها التي رصدوها، وقد كانت الاهتمامات البلاغية منوطة في هذا البحث بالمحاور الدلالية، التي يأتي فيها التكرار، ويؤدي دوره في إنتاج المعنى أحيانًا، أو في تشكيله على نحو معين أحيانًا أخرى. |
![]() |
إن شعراء الحداثة ظل تعاملهم قائمًا مع بنية التكرار في شكلها المطلق، أي الذي لا تقيده مواصفات ترديدية، أو تجاورية، أو نحو ذلك مما ينحرف بالتكرار إلى أشكال أخرى، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار ظل في نطاق التأسيس أو التقرير؛ لكنه تحرك بينهما صانعًا لنفسه أشكالًا جديدة في وظيفتها الفنية، بمعنى: أنَّ الشكل السطحي يتصل اتصالًا وثيقًا بإنتاج الدلالة، |
| بل كان هو وحده منتجها على النحو الذي جاءت عليه، وغالبية أشكال التكرار جاءت في صورة رأسية، بحيث تتردد لفظة معينة، أو جملة معينة في مطلع عدة أسطر؛ لتكون نقطة الثقل الذي ينطلق منها المعنى، فيغطي امتداد السطر، ثم تتواصل الدلالة؛ اعتمادًا على هذه الركيزة التعبيرية. | ||
![]() |
وقد يأخذ التكرار شكلًا أفقيًّا، فيعمل على تراكم الدلالة على نحو يجمع بين التأسيس والتقرير. |