٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


اختلاف معالجة البلاغيين القدامى للأساليب السابقة عن بنية للتكرار
الواقع أن البلاغيين العرب القدامى قد تعرضوا للأساليب السابقة، باعتبارها وسائل فنية مستقلة عن بنية التكرار بالمعنى الذي حدوده لكل منها، ومن هنا اتجهوا إلى بنية التكرار ذاتها، وتناولوها في دراسة منفردة بأقسامها التي شققوها، وأشكالها التي رصدوها، وقد كانت الاهتمامات البلاغية منوطة في هذا البحث بالمحاور الدلالية، التي يأتي فيها التكرار، ويؤدي دوره في إنتاج المعنى أحيانًا، أو في تشكيله على نحو معين أحيانًا أخرى.
لكن على ما يبدو أن المنطلق البلاغي في هذا المجال كان قائمًا على اعتبار وجود فائض تعبيري يمكن حذفه دون إخلال بالغرض لعام؛ ومن هنا كان الكلام على التكرار في اللفظ والمعنى، أو التكرار في المعنى فقط، وكيف أن كلًا منهما يكون مفيدًا أو غير مفيد، وهي أمور استدعت وجودها طبيعة النماذج الفنية التي تعامل معها البلاغيون، واستخلصوا منها الخواص الشكلية للعبارة.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


تعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار في شكلها المطلق
الملاحظ: أن شعراء الحداثة ظل تعاملهم قائمًا مع بنية التكرار في شكلها المطلق، أي الذي لا تقيده مواصفات ترديدية، أو تجاورية، أو نحو ذلك مما ينحرف بالتكرار إلى أشكال أخرى -عرضناها فيما سبق.
والملاحظ كذلك: أن تعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار ظل في نطاق التأسيس أو التقرير؛ لكنه تحرك بينهما صانعًا لنفسه أشكالًا جديدة في وظيفتها الفنية، بمعنى: أنَّ الشكل السطحي يتصل اتصالًا وثيقًا بإنتاج الدلالة، بل كان هو وحده منتجها على النحو الذي جاءت عليه، وغالبية أشكال التكرار جاءت في صورة رأسية، بحيث تتردد لفظة معينة، أو جملة معينة في مطلع عدة أسطر؛ لتكون نقطة الثقل الذي ينطلق منها المعنى، فيغطي امتداد السطر، ثم تتواصل الدلالة؛ اعتمادًا على هذه الركيزة التعبيرية.
على هذا النمط يتعامل "أحمد عبد المعطي حجازي" مع أسطره الشعرية في قصيدة "بغداد والموت" حيث يقول:
               من قاع حفرتي
               رأيت الشمس تأتي كل يوم
               تأتي ولا ترحم نائمًا سعيدًا طي حلم
               تأتي ولو لم يدعوها كف ولم يصل فم

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


تنطلق بنية التكرار لتحقق أهدافها الدلالية من قاعدة ثنائية تجمع بين الذات والموضوع على صعيد التقابل؛ حيث تستقر الذات في حفرتها، ويتجلى الموضوع في عليائه، وهو الشمس، وهذا التقابل على النحو الذي جاء عليه يترك الذات وحيدة في رؤيتها الحزينة للعالم الثوري في بغداد، بينما يترك للموضوع أن يؤدي دوره التأثيري في تعديل الرؤية، بتعديل ما تقع عليه، فالموضوع هنا له دور كشفي مؤثر، بمعنى: أن تجلي الشمس كما يؤدي إلى كشف العالم يؤدي أيضًا إلى تحريكه؛ لتغيير واقعه على النحو الذي ترجوه الذات، أو تحلم به. والفعل "تأتي" في السطر الأول يلعب دورًا تمهيديًّا بالنسبة لبنية التكرار، إذ هو يمثل عملية الظهور للموضوع، لكنه ظهور تكراري أيضًا، حيث اتصل بلفظ العموم "كل" بعلاقة الظرفية، من خلال إضافة لفظ العموم إلى "يوم" فالتعليق في هذه الجملة يصنع ناتجًا تكراريًّا لظهور الموضوع، وهو بذلك يمهد -كما قلنا- لبنية التكرار الأساسية في الأسطر التالية. ويتردد الفعل "تأتي" ثلاثة مرات بعد ذلك، يختلف فيها عن دوره في السطر الأول، إذ هو في الأول كان خالصًا لإظهار الموضوع وتجليه، بينما هو في الأسطر الثالثة التالية كان خالصًا لتجلي آثر الموضوع في الواقع البغدادي، فالإتيان في السطر الثاني كان منوطًا بعوامل التحريك والإيقاف، وهو بذلك يستدعي مقابله -أي: حالة النوم والخمود- ومن ثم كانت اختيارات الصياغة واقعة على تقابل ضدي بين النوم السعيد مع الأحلام، وعدم الرحمة في إحداث اليقظة، أو بعبارة أخرى نقول: إن تنظيف الجرح يحتاج إلى الحفر فيه عن عوامل فساده، والقضاء عليها، أو التخلص منها بأية وسائل ممكنة.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


هذا الناتج الدلالي لا يمكنه تأتيه تعبيريًّا إلا بالاعتماد على الفعل في أول السطر، والذي يستمد قوته التأثيرية من نفس الفعل السابق عليه في السطر الأول، ويتردد الفعل في مطلع السطر الثالث؛ ليكون ظهور الموضوع مسألة حتمية، لا سبيل لإيقافها، ففاعلية الموضوع ترتبط بالواقع المرضي ارتباطَ السبب بالمسبب، فكل ظروف الواقع السياسي في بغداد كانت داعيًا إلى ظهور الموضوع، ومن ثم داعيًا إلى إحداث أثره، حتى ولو لم يكن هناك تحرك حقيقي لأفراد الواقع البغدادي، فالذات هنا تعلن عن إيمان بحتمية التغير، أو التحول إلى الأفضل، تبعًا لسنة كونية لا تتخلف. ويتردد الفعل "تأتي" في السطر الأخير؛ ليتعلق بالمرور الزمني الذي تفرزه الصياغة من خلال مشي الأطفال، ثم الوصول إلى الهرم، وما يتبع ذلك من فناء وموت، وكأن هذا الموت هو باعث الحياة ومجددها عن طريق إشراق الشمس؛ فالتطور الحتمي يتحقق بتحقق شروطه، وهي: وجود المجتمع المستوفي لأركانه السياسية، ووجود عوامل التغير الكاملة بالقوة أو الظاهرة بالفعل، ثم استمرارية زمنية تسمح للتطور أن يحدث أثره التدريجي، وصولًا إلى واقع صحي يعيش في نور حقيقي.
والملاحظ: أن التكرار هنا قد تحقق على المستوى الظاهر في تردد الفعل "يأتي" أو "تأتي" لكنه تحقق أيضًا على المستوى الباطني عندما نجبر البنية في الأسطر الثالثة الأخيرة بإظهار المضمر فيها وهو فاعل "تأتي" وهذا الجبر يؤدي بالضرورة إلى ترديد الموضوع "الشمس" ثلاث مرات؛ ليكون التكامل بين الإظهار والإضمار ممثلًا لبنية التكرار في كليتها، ومحققًا لأثرها في إنتاج الدلالة.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


كما يلاحظ أيضًا: أن التكرار هنا كان تأسيسيًّا، بمعنى: أن الفعل "تأتي" في كل سطر ليس هو في السطر السابق عليه، بل هو حدث جديد لزمن جديد، وإنما كان التكرار في الشكل الصياغي فحسب، أي أننا أمام بنية شبيهة بعملية الجمع الحسابية، التي يكون التعلق بين مفرداتها بعلامة "+" أي أن كل طرف يضاف إلى ما قبله ويرتبط بما بعده بعلاقة متوازنة، دون كثافة، كما في علاقة الضرب مثلًا.
ولا شك أن هذا الشكل الرأسي للتكرار يجعل من نقطة الارتكاز شيئًا ذا كثافة عالية من حيث الإيقاع؛ أو من حيث الإلحاح على دال بعينه يشد المتلقي إليه، ويقوي عنده حاسة التوقع، أو بعبارة أصح: يشبعها على المستوى الشكلي أو على المستوى المضموني.
وقد تتحول نقطة الارتكاز في هذا الشكل من البداية إلى النهاية، أي: أنها تقع في نهاية الأسطر، فتكون بمثابة قفل للمعنى، يتيح للعملية الشعرية أن تتحرك في حرية مع البداية؛ لينتهي بها الأمر إلى إلزام تعبيري نمطي.                وعلى هذا النحو يقول "القاسم حداد" في قصيدته "يا أيها الإنسان":
               يا أيها الإنسان!
               نحن نعيش عالمًا مزيف الإحساس
               الحب في ضميره المسلوم مستعار

٢.٩ دلالة الخبر المعرف بالألف واللام


تبدأ الأسطر بحرف النداء "يا" الذي يمثل صرخة عالية موجهة للذات والموضوع على صعيد واحد؛ فالذات واحدة من مفردات الإنسان، فكأن النداء هنا يمثل الصوت والصدى في آن واحد، وإيقاع الاختيار على الإنسان المعرف بأل الجنسية لاستغراق الأفراد عملية مقصودة، وذلك على الرغم من احتياج هذا النمط التعبيري إلى تشكيل لغوي خاص، من حيث مجيء وسيلة تصل بين النداء والمنادى على الحقيقة، فوعي الشاعر بحقيقة موقفه ساقه إلى هذا النمط التعبيري في السطر الأول.
التوحد بين الذات والموضوع جاء في السطر الأول بطريق غير مباشر، إذ إن الذات فرد من أفراد الموضوع، وقد عدل الشاعر عن هذا النمط إلى التعبير المباشر في السطر الثاني، باستعمال ضمير المتكلمين "نحن" ثم أتبعه بالفعل "نعيش" المضمر فاعله لزومًا، وهو إضمار يحقق هدفًا دلاليًّا بالغ الأهمية، إذ هو يشير إلى غياب صفة الإنسانية المتحققة على سبيل الشيوع في السطر الأول، ومع غياب الصفة يظهر العالم على حقيقته الزائفة.
قد جاءت الصياغة بنمط تعبيري آخر يحقق هدفًا مزدوجًا، وذلك عن طريق زرع الصفة "مزيف" بين موصوفين "عالمًا" و"الإحساس" وهذا النمط وما أطلق عليه النحاة النعت السببي فهو يتعلق بما قبله عن طريق ارتباطه بما يتصل به بعده، وهذا التعميم هو الممهد التعبيري لبنية التكرار في الأسطر الثالثة الأخيرة.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


الحقل التعبيري لهذه الأسطر يتعلق بعدة مفردات تنتمي إلى عالم الإنسان في السطر الأول؛ وهي: الحب، الضمير، الصدق، الألم العميق، لكن مع ربطها ببنية التكرار تتحول إلى مفردات دخيلة على الطبيعة الإنسانية، ومن ثم جاءت البنية في نهاية السطر كركيزة تَصْرِفُ ما قبلها إلى حقيقته البعيدة عن الموضوع في السطر الأول. والتكرار هنا أيضًا تأسيسي، بمعنى: أنه يتصل في كل مرة بمواصفات تختلف بعضها عن بعض، كان الزيف المتمثل في "مستعار" ختامًا لثلاث حلقات إنسانية آلت إلى غير إنساني، لكن ترديد اللفظ على هذا النحو حقق إيقاعًا دلاليًّا متراكمًا، يكاد ينسحب على تلك الصفات المذكورة، وعلى غيرها من الصفات الغائبة، أي: أن المنادى الحقيقي في السطر الأول قد سلب أهم مواصفاته البشرية بالإلحاح على دال بعينه يقع في نهاية كل سطر، وهذا الإلحاح يهيئ لعملية التوقع -كما في النموذج السابق- أن تلعب دورها في إيجاد المشاركة الإبداعية بين طرفي العملية الإبداعية: المنشأ، والمتلقي.
يلعب الإسناد دورا مؤثرًا في إنتاج الدلالة، وذلك عن طريق ربط بداية كل سطر من أسطر بنية التكرار بنهايتها، ذلك أن هذا الربط يوحد بين الطرفين، من خلال مقولة النحاة عن كون الخبر هو المبتدأ في المعنى، وعلى هذا يصبح "الحب" و"مستعار" و"الصدق" و"مستعار" و"الألم" و"مستعار" كيانات ثلاثة متلاحمة، فالحقل الدلالي هنا تتوزعه عوامل زائفة تفرغه من مضمون الإنسانية. فالشكل الخارجي لبنية التكرار في النص الشعري السابق -وإن أوحى بالتغاير بين المفردات- يشير عند النظر في...

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


...البنية التحتية إلى أن التكرار حقيقي في جوهره، جاءت به الصياغة كنمط تعبيري يحقق أهدافه الدلالية في تراكم معنى معين حرص عليه الشاعر شكلًا -أي: النمط الرأسي- ومضمونًا بالإلحاح على تفريغ العالم من جوهره الإنساني.
وقد يبنى هذا النمط الرأسي على أساس من ترديد أداة محددة، تؤدي دورها الوظيفي من خلال اتصالها بعملية التكرار، أي: أن وظيفتها تأخذ طبيعة مستمرة، حتى لكأن الأدوات المتعددة تئول في النهاية إلى أداة واحدة، وهو وإن تشابه مع النموذجين السابقين في الرأسية يفارقهما من حيث اختيار وسيلة تعبيرية، لا تنفرد بالدلالة. و"ياء" حرف النداء من أكثر الأدوات التي تَعامل معها شعراء الحداثة في بنية التكرار، سواء باعتبار دلالاتها على بعد المنادى، أو بتفريغها من هذه الدلالة، وتوسيع دورها للدلالة أحيانًا على القريب. يقول الشاعر "خليفة الوقيان" في قصيدته "رسالة إلى مخبر بدوي":
               يا صديقي يا ابن قطان
               ويا صرحًا تسلم
               يا بقايا صفحة بيضاء
               يا أنشودة الحداة محزونًا
               ويا جرحًا تورم
               يا أريجًا من عرار الأرض مسفوحًا

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


نية التكرار هنا ممتدة، تكاد تغطي عدة حقول دلالية في آن واحد، وهي بهذا الامتداد والتنوع تعبر عن طبيعة الموضوع، وتناقضاته الداخلية والخارجية، وموقف الذات مع الموضوع يمثل تقابلًا داخليًّا نلحظه بداية من السطر الأول في الجمع بين أداة النداء "ياء" بما تضفيه من دلالة على البعد، والإضافة إلى ياء المتكلم "صديقي" بما تقدمه من دلالة على القرب، أي: أن أساس العلاقة بين الطرفين هي التقارب والتنافر على صعيد واحد، فإذا كانت "يا" قد زرعت مسافة مكانية بين الذات والموضوع، فإن الإضافة بين "الصديق" و"ياء" المتكلم قد صنعت تلاصقًا بينهما، وهذا الناتج غير المنطقي يمثل على نحو من الأنحاء طبيعة العلاقة بين أفراد المجتمع، وخاصة بين الأفراد العاديين، وأفراد السلطة في أدنى مستوياتها.
مع تكرار أداة النداء تتجاور المسافة المكانية مع لازم دلالي آخر، نابع من الأداء هو التنبيه، وتجاور الأمرين يحدد طبيعة الموضوع، من حيث كونه علامة منفرة في المجتمع، ومن ثم يجب أن يكون لها اهتمام خاص، أو احتياط خاص، ذلك أن النفور منه لا يسقط عنه كونه فردًا من هذا المجتمع، له كافة مواصفاته البشرية، وله كافة الصلاحيات للمواطنة.
تتعلق أداة النداء بمجموعة مفردات أو مركبات، يجمعها حقل موسع يحتوي على التقابلات الآتية: "صرحًا" - "تسلم" "صفحة" "بيضاء" - "بقايا" "أنشودة" - "محزونًا" "أريج" - "مسفوح" "طفل" - "تجهم" "عز" - "تهدم". وهذه التقابلات في جملتها تتردد في مجمل الأسطر؛ لتصنع توترًا يزداد ارتفاعًا، مع تكرار أداة النداء في مطلع كل سطر، وكأن كل تقابل يحتاج إلى منبه خاص...

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


...يشير إليه، أي: أن بنية التكرار تفرض نفسها على الصياغة؛ لتحقيق شاعريتها من ناحية، وتحقق لها ناتجًا دلاليًّا معينًا من ناحية أخرى.
بما أن أداة النداء تحتمل في بنيتها الداخلية وجود الفعل "أدعو" فإن ذلك يجعل اختيار الأداة وسيلة لتقريب الذات من الموضوع، إدراكًا منها لطبيعة الوظيفة التي تؤديها، وإدراكًا منها لدواعي قيامه بها، فمحاولة التقرب منه أو دعوته للقرب هي في نفس الوقت دعوة لتعديل خواص هذه الطبيعة، وشدها إلى جانب المجتمع، وطيها ضمن مفرداته.
مع تعلق أداة النداء بما بعدها، يبدو أن دورها كان تأسيسيًّا عل المستوى الشكلي، بينما النظر في المستوى الأعمق يدل على أن تكرار الأداة يبدو تراكميًّا، بمعنى: أن مسافة البعد كانت تشتد بفعل توالي الأداء، كما أن التنبيه كان يتكثف لنفس السبب، ثم يتلاحم الأمران، ويأخذان صورة عميقة غاية العمق، بفعل الشكل الرأسي الذي جاءت فيه الأداة، وبفعل تصدرها للأسطر، وجذب مركز الثقل إليها.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


قد يأخذ التكرار شكلًا أفقيًّا، فيعمل على تراكم الدلالة على نحو يجمع بين التأسيس والتقرير. وعلى هذا النمط، يقول "صلاح عبد الصبور" في قصيدته "إلى أول جندي رفع العلم في سيناء":
               تحولت إلى معنى كمعنى الحب
               معنى الخير
               معنى النور
               معنى القدرة الأسمى
والحقل الدلالي لبنية التكرار هنا يغطي مساحة واسعة من عالم المُثل، التي انضاف إليها أول جندي رفع علم مصر في سيناء، أي: أن هذا الجندي تحول من عالم البشر الفانِين إلى عالم المعاني والرموز الخالدة، وهذا التحول قد صاحبه تحول على مستوى الصياغة، نابع من دلالة الفعل في بداية السطر الأول، وهذا الفعل برغم مضيه صيغة، قد انسلخ من مضيه؛ ليعبر عن استمرارية لا توقفها حواجز الزمان والمكان.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


التحول يتم من المادي إلى المعنوي، ومن المحدود إلى غير المحدود، ويمكن تصور هذا التحول في تكرارية على النحو التالي:
               الجندي...
               معنى الحب
               مهجة القلب
الحدث والزمن: نفي الكره، الصداقة، الإخاء، الألفة والملازمة، الفاعلية والمفعولية. ويستمر التكرار الرأسي، فتأتي كلمة "الجندي" ثم .... معنى الخير
نفي الشر، الاختيار، العطاء، التضحية والإيثار، الكمال، الكرم والشرف، والأصالة الجندي...
معنى النور: نفي الظلم، الضوء، العلم، الانكشاف، الاكتمال، الحسن، البرهان. الجندي...
معنى القدرة الأسمى: القوة، التمكن، السيادة، العلو، النصر.
فالتكرار هنا جاء على مستويات متداخلة، بعضها يأتي من تكرار اللفظ ذاته، وبعضها من إشعاعات اللفظ وانتشارها فيما حولها من صيغ أخرى، بحيث تتحول الصياغة الشعرية إلى حقل تتراكم فيه المعاني والدلالات، طبقات بعضها على المستوى الظاهري كما في ترديد كلمة "معنى" وعلى المستوى الباطني كما في ترديد "الجندي" المشار إليها بتاء المخاطب تحولت، ثم ترديده في المستوى الباطني مع ترديد معنى في خط مستقيم...

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


...مع غيره من الخطوط الأخرى. ومن اللافت أن هذا التكرار الأفقي قد يتعاكس في خطوطه، بمعنى: أنه قد يتحرك نموًّا إلى الأمام، وقد يتراجع تنازليًّا إلى الوراء، لكنه في هذا وذاك يظل داخل إطار بنية التكرار أيضًا.
النمو إلى الأمام يمكن ملاحظته عند "فاروق جويدة" في قصيدته من "ليالي الغربة" ثم يقول:
               قد أخطئ فهم الأشياء
               لكني أعرف عينيك
               في الحزن سأعرف عينيك
               في الموت سأعرف عينيك
تبدأ بنية التكرار بالمعرفة المطلقة، أي: ما يمكن اعتباره نقطة الصفر في المعرفة، ذلك أن السطر الأول يقدم معلومة أولية عن إمكانية الخطأ على وجه العموم، ثم يعدد السطر الثاني من احتمالات الخطأ عن طريق "لكن" التي تأتي بعدها معرفة يقينية لحقيقة العينين، ثم تتوالي بنية التكرار في تصاعدٍ يحدد إطارات المعرفة، وتبدو الحركة الأفقية للصياغة مسيطرة في الأسطر الثلاثة الأخيرة، من خلال تقديم الجار والمجرور في الحزن، في الخوف، في الموت، وهذه الحركة تؤكد أبعاد الدلالة، وأنها نابعة من حالات شعورية تغطي مساحة الذات والموضوع معًا، أي: أن تحقق المعرفة يكون في حالات شعورية ووجودية للذات، كما هي للموضوع تمامًا.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


تتصاعد هذه الحالات من الحزن في السطر الثالث إلى الموت في السطر الأخير، وبينهم يقع الخوف كهمزة وصل بين الحزن كحالة شعورية والموت كطبيعة وجودية؛ إذ الخوف نفسه يحمل جرثومة الحالتين، من حيث كان محققًا لجوانب داخلية تهز الذات هزًّا عنيفًا، ومن حيث كان محققًا لجوانب وجودية، تجعل حضور الخائف كلا حضور. وفوق هذه الحالات الثلاث تتوالى بنية التكرار في عملية تقريرية، تتواصل زمنيًّا مع بداية المعرفة في السطر الثاني، فعلى حين جاء الفعل في السطر الثاني خاليًا من السين؛ ليعلن عن استقراره في زمن الحضور، جاء الفعل نفسه في الأسطر التالية مقترنًا بالسين، ليعلن امتداد الزمن إلى الآتي، فالامتداد هنا يأتي على مستوى الحدث النفسي، وعلى مستوى الحدث الواقعي، وعلى مستوى الزمن، وهذه البنية التكريرية تتحرك تصاعديًّا؛ لتستحيل إلى تقدم أمامي إلى منطقة لا يصلح بعدها المسير، وهي منطقة الموت.
وقد يأخذ التكرار شكلًا ورائيًّا على معنى أن امتداده يأخذ خطًّا معاكسًا للصياغة، فإذا كانت البنية السابقة تصعد بالدلالة إلى قمتها، فإن البنية هنا تبدأ من القمة نزولًا إلى القاع، لكنه ليس تحركًا من أعلى إلى أسفل، وإنما تحرك في خط أفقي تبعًا للشكل الصياغي. وعلى هذا النحو يقول "فاروق شوشة" في قصيدته "من فدائي إلى صديقته":
               سأراك غدًا إن جاء الغد
               ما أبعدنا يا صبح الغد

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


النمو التراجعي يبدأ من الجملة الأولى "سأراك غدًا" باعتبار الرؤية حقيقة واقعة في لحظة زمنية بعينها "غدًا" ومن هذا اللحظة تتولد بنية التكرار، وذلك برغم اختلاف العلاقات النحوية التي تربط اللفظة بغيرها من الألفاظ في السطرين اللذين معنا، فقد وقعت اللفظة مفعولًا في الجملة الأولى، فحصلت حدث الرؤية المؤكد بالسين في زمنها دون سواه، ثم وقعت فاعلًا في الجملة الثانية، لكنه فاعل تعجز قواه عن تحقيق وقوعه، بمعنى: وجود شكوك حول إمكانية مجيئه.
هذه الشكوك تنبع من عملية التبادل الصياغي التي تمت باستبعاد السين الملازمة للجملة الأولى، وإحلال "إن" محلها في الجملة الثانية؛ لما تحويه من إمكانات دلالية، تنشر حولها نوعًا من الشك والاستبعاد، وذلك كله على الرغم من التحول لطبيعة الغد من كونه محطًّا للحدث، إلى كونه فاعل الحدث، أي: أن تكرار الغد قد نزل بدرجة التوقع من اليقين إلى الشك، وهنا تأتي الجملة الثالثة في السطر الثاني؛ لتنزل بالشك إلى مرحلة أخرى، يصبح فيها الوقوع أمرًا بعيدًا، إن لم نقل: إنه ممتنع. ويتم هذا بتحويل العلاقة النحوية من الفاعلية إلى التضايف "صبح الغد" حيث مهدت الصياغة لهذه الحقيقة السالبة، باستخدام صيغة التعجب التي تؤدي دورها بالنسبة لواقع يستدعي وجودها، ثم اتباعها بصيغة النداء "يا" لتزيد من مسافة البعد بين الأمل والواقع، ثم ربط الأمل ببداية الغد وهو الصباح، وكأن مجيء الغد أصبح على هذا النحو شيئًا مفترضَ العدم.

٢.٨ معالجة البلاغيين القدامى للأساليب، وتعامل شعراء الحداثة مع بنية التكرار


على هذا تكون البنية قد وصلت إلى القاع الذي بدأ من تيقن الرؤية، ثم التراجع من اليقين إلى الشك، ثم التراجع من الشك إلى يقين مخالف لليقين الأول؛ لأنه يقضي على أمل الرؤية نهائيًّا، ويترك الذات في معتركها، وحيدة في زمن لا يتغير، ليس له غد على أي حال من الأحوال.
الواقع أن استقصاء بنية التكرار في شعر الحداثة يمكن أن يقدم لنا أشكالًا متعددة، لكنها تعود إلى بنية وحيدة ذات خواص متمايزة، لكنها قد تتداخل أحيانًا مع غيرها من البنى التكرارية الأخرى، وهنا يكون الفارق ضئيلًَا للغاية، يحتاج إلى معاودة نظر، وإعمال فكر؛ حتى تتكشف الحدود الفاصلة بين هذه وتلك.