١.٨ بنية "المجاورة"


ننتقل الآن إلى البنية الثالثة في محور التكرار، كما يرى الدكتور محمد عبد المطلب، وهي بنية التجاور أو المجاورة، وقد رصدها البلاغيون كما سبق أن ذكرنا، وكانت شكلا تعبيريًّا تعامل معه المبدعون شعرا ونثرًا، ووظفوه في إنتاج دلالتهم على نحو يحقق لهم أهدافهم الفنية.
إن طبيعة هذه البنية تقوم على التجاور بين الألفاظ المكررة أي: أن النطق فيها يتلازم مع حركة الفكر في أهدافه التوكيدية، أو التقريرية، وتختلف هذه البنية عن سابقتها من حيث إسقاط المسافة التي كانت بين الألفاظ المرددة، ومن حيث لزوم التكرار في بناء الدلالة الكلية، بحيث يكون إسقاط أحد مفردات التكرير أو التكرار مضيعا لعملية التجاور، سواء أكان التجاور ثنائيا أم ثلاثيا، أم أكثر من ذلك.
كما أن هذه البنية تتميز بمنطلق دلالي: هو أن يكون التكرار عملية تأسيسية، كما يقول الزركشي تعمل على إنتاج معنى جديد، يضاف إلى ما سبقه من معاني الآخر، يكون فيها التكرار ذا طابع إضافي، بمعنى أنه يقوم بعملية ترديد للدلالة الأولى دون إضافة تأسيسية؛ لأن المفهوم عند القدماء أن تكرار اللفظ لغير تقرير المعنى السابق لا يعد تكرارًا بالمفهوم الفني، وإنما عملية تأسيس خالصة.
الحقيقة أن تعامل شعراء الحداثة مع هذه البنية، لم يختلف عن تعامل القدامى معها، إلا من حيث توسيع الدائرة التعبيرية، التي تزرع فيها، ومن حيث توظيفها لإنتاج دلالات جديدة، تتوافق مع طبيعة عصرهم من ناحية، وتتوافق مع طبيعة شعر الحداثة البنائية من ناحية أخرى، ويبدو أن امتداد الدلالة، كان أهم النواتج لهذه البنية في شعر الحداثة، وبخاصة عندما يتصل هذا الامتداد بالزمان والمكان، منفردين أو متداخلين. أو يتصل بعملية التجدد المستمرة الملازمة لواقع العالم، وليس من المحتم أن يكون هذا التجدد في حركة إلى الأمام دائما، بل هو تجدد تتسع حركته؛ لتغطي مساحة الممكن، وقد تتجاوزه إلى غير الممكن.

١.٨ بنية "المجاورة"


امتداد بنية التجاور للاتصال بالمكان
امتداد الدلالة زمانيا، قد يكون في الزمن المطلق، بمعنى أن الحركة ليس لها حدود تقف عندها، وليس لها موعد مؤقت تتقيد به. وإنما تسير في خطوات تتسع باتساع الزمن نفسه، وهنا يكون لبنية التجاور دورها الوظيفي في نقل الحركة، وتوسيع دائرتها، وفي قصيدة غزلية للشاعر: محمد إبراهيم أبو سنة نلحظ هذا النمط الدلالي عندما يحمل أحزانه في صحراء حياته، ويناجي موضوعه قائلا:
               فإني أحمل الأحزان                من دهر إلى دهر
هنا تظهر الذات في مطلع السطر، مغلفة بطبيعة توكيدية، وذلك نتيجة لاتصال ياء المتكلم، بـ"إن" ثم الإخبار عن الذات باسم الفاعل حامل، الذي يهيئ الصياغة لتقبل موقف يميل إلى الصعاب، كما إنه في الوقت نفسه يفرغ الصياغة من بعد الزمن المحدد، بحيث تصبح خالصة للحدث. ومن ثم جاءت الصياغة قائمة على علاقة التضايف بين اسم الفاعل حامل، وصيغة الجمع الأحزان؛ ليكون التقابل بين الإفراد و الجمع علامة دالة على مأساوية الموقف الشعري في جملته.
تتهيأ الصياغة للتعامل مع بنية التجاور، باستخدام من التي تشد الأحزان من طبيعتها الوصفية إلى تشكيلها بطابع زمني، حيث تزرع دلالة الابتداء التي تتكامل مع إلى في دلالتها على انتهاء الغاية الزمانية. وهذا التشكيل الزمني يتعلق بالدال دهر الذي تردد مرتين، ليكون البدء في الزمن والانتهاء فيه، فبنية التجاور حققت اتساعا زمنيا مطلقا، ولكنه مع إطلاقه يكاد يحيط بالذات وحدها، ويجعلها تعيش زمنا أسطوريًّا، شبيها بزمن سيزيف الأبدي الذي لا تستطيع منه خلاصا.

١.٨ بنية "المجاورة"


قد تأتي بنية التجاور، بمد الزمن في الماضي، وهو مد من طرفين أحدهما ينسحب إلى الماضي، ويوغل فيه، والآخر يتصل بالحاضر ويتوقف عنده، وعلى هذا النحو، تتجاور الدوال في قصيدة "الشعر والرماد" لصلاح عبد الصبور يقول:
               ومفكرتي مثل نفير سفينتي
               ملاحي الزمن الماضي
               تدعوني كي أجمع أيامي
               المنفرطة يوما يوما
والإيغال في الماضي يبدأ مع أول دال في السطر الأول مفكرتي وهو إن انطلق من الحاضر ظل صوب اتجاه الماضي من خلال الصورة التشبيهية المتحركة فيه، ومع تنحية الصورة التشبيهية جانبا، تصبح المفكرة هي العامل المحرك للذات، في انطلاقها إلى الوراء للملمة محتويات الماضي المادية والمعنوية. ويتحول التشبيه إلى جملة اعتراضية، رامزة إلى الرحيل من عالم الحاضر إلى عالم الماضي، وتكون للمفارقة دورها في إنتاج الدلالة، من حيث كان المشبه جامعا للسكون الدال على الحركة، بينما كان المشبه به حركة خالصة في زمنها الخاص بها. وتأتي بنية التجاور في السطر الأخير؛ لتمد الماضي إلى أعماق زمنية متصلة، وأهمية التجاور هنا تتأكد عند إسقاط طرف من طرفيه، إذ يتحول الناتج الدلالي إلى شيء آخر بعيد عن الامتداد الزمني، الذي رصدناه.إذ يصبح المعنى شيئا آخر، يدل على أن جمع الذكريات، سيتم في يوم ما، وهنا ترتبط البنية الجديدة بالحاضر لا بالماضي.

١.٨ بنية "المجاورة"


قد تعمل بنية التجاور على امتداد الزمن في الحاضر، وامتداد الحاضر يكون بتعميقه إلى أبعد آماده، أي: أنه لا يمتد إلى الوراء، ولا إلى الأمام. وإنما يتحرك في نقطة بعينها، تشد الصياغة إليها، وتلح عليها بالتجاور، ويمكن متابعة هذه البنية في قصيدة/ محمد مهران التي عنوانها خطاب مفتوح إلى: السدنة.
               تسألني فأجيب
               حتى لا نرفع ثانية فوق صليب
               أن يزحف جيش الشعراء الجرار
               الآن الآن الآن الآن
النص في مجمله يدور حول مهمة الشعر والشعراء، وانحرافها أحيانا ثم اعتدالها المطلوب. والأسطر التي معنا تعتمد على محاورة داخلية بين الذات والموضوع، وإن كان الموضوع في الحقيقة طرفا منتزعًا من الذات، ومن هنا كانت المحاورة من طرف واحد، تجمع بين السؤال والجواب.
واتساع مساحة الحاضر لا تقدمه بنية التجاور وحدها، وإنما تتعاون عناصر الصياغة على إنتاجه بشكل مكثف، يبدأ مع استخدام الفاء في السطر الأول التي تشير إلى وجود فاصل زمني بين السؤال والجواب، ومن الواضح أنه فاصل قصير، لكنه يتسع...

١.٨ بنية "المجاورة"


...تدريجيا مع التقدم في عملية البناء اللغوي. حيث تأتي لفظة ثانية في السطر الثاني؛ لتعلن عن وجود فاصل زمني أكثر اتساعا بين الرفع الأول الواقع بالفعل، والرفع الثاني الواقع بالاحتمال، ويستخدم الشاعر وسائل الطباعة أحيانا أي: النقط المتجاورة للمساعدة في إيجاد الفواصل الزمنية التي تتجمع كلها تحت عنوان كلي هو: الحاضر. وفي نهاية السطر الثاني، تبدأ بنية التجاور في التدفق ملحة على لحظة بعينها، وكأن هناك تخوفا من فواتها، ومن ثم يكون الضياع النهائي، ويبدو أن التشكيل الكتابي كان مقصودا، بحيث يكون هناك نمو في الدلالة بتراكم المفردات على معنى واحد.
ثم توزيع المفردات بشكل متدرج، يجعل للآن امتدادًا أفقيًا، بجانب امتداده العمقي، وقد حرص الشاعر طباعيا على إيجاد سكتات بين دوال بنية التجاور، تسمح بالتقاط النفس فحسب، وعندها قد يتهيأ المتلقي لتقبل امتداد جديد للدلالة، لكنه يفاجأ بإعادة الدال الأول مرة أخرى. وهكذا تتوالى المفاجآت، ويتوالى معها ردود الفعل التي توحد بين المبدع والمتلقي على صعيد النص الشعري، وهذا التوحد تصنعه العلاقة الجدلية بينهما كلامًا أو صمتًا.

١.٨ بنية "المجاورة"


وقد تتعلق بنية التجاور بالزمن الآتي، فتفسح فيه مكانا للذات؛ لتحقق وجودها أو عدمها، وبما أن الوجود في الزمن الآتي غير متحقق، كان العدم محض الحركة التعبيرية غالبا، يقول بدر شاكر السياب في قصيدته "حفار القبور":
               وعلام تنعب هذه الغربان
               والكون الرهيب باق يدور
               يعج بالأحياء مرضى جائعين
               بيض الشعور كأعظم الأموات
               لكن خالدين
               لا يهلكون
               علام تنعب
               إن عزرائيل مات
               وغدا أموت
               غدا أموت

١.٨ بنية "المجاورة"


والأسطر في مجملها، تقوم على اتساع الحقل الدلالي الذي تتحرك فيه، ومن ثم كان لاختيار منصبا على صيغة الجمع "الغربان" "الأحياء" "جائعين" "بيض الشعور" "الأموات" "خالدين" "يهلكون" كما كان الاختيار منصبا على صيغة الإفراد أحيانا، لكن صيغتها تميل إلى الاتساع، بحكم المواضعة "الكون" "الرحيب" "يدور" "يعج". وداخل في هذا الإطار الموسع تدخل بنية التجاور في السطر الأخير، في خط أفقي يتحرك في الزمن الآتي، لكنه تحرك محكوم بنهاية محددة، وإن كانت مجهولة، ومن ثم تتابعت المفردات؛ لتعلن عن موقف الذات من هذا العالم، أو يمكن القول إننا داخل الأسطر، أصبحنا نواجه الجمع، والإفراد، وامتداد المفرد داخل الجمع يعبر عن الضياع أولا، ثم النهاية الحتمية ثانيا.

امتداد بنية التجاور للاتصال بالمكان
قد يكون امتداد بنية التجاور متصلًا بالمكان، لكنه في هذا الاتصال، يظل محصورا داخل الممكن، أو ما يمكن أن نعتبره مألوفا، على معنى أن توالي مفردات البنية يكون موافقا لمنطق الرؤية، ومحدوديتها على عكس الامتداد الزمني، الذي يتصل بكل أبعاد الزمن في خطوطه المختلفة. وهذا الشكل المألوف لامتداد المكان يمكن متابعته في تجاور مفردات تتناول الموطن بعد الموطن، أو عاصمة بعد عاصمة، أو الانتقال من تقاطع إلى تقاطع، أو من قرية لقرية.

١.٨ بنية "المجاورة"


قد يتسع هذا الإطار المكاني لتجاور طويل طويل، أو تيه لتيه، أو بعيد بعيد، إلى غير ذلك من أنماط التجاور الذي يحمل بذرة البعد المكاني، وعلى هذا النحو يختم عبد العزيز المقالح الفقرة الأولى من قصيدته "الجلاء والشهداء" حيث يعبر عن خلود يوم من أيام أمجاد الأمة العربية، ويحول هذا الخلود من بعده الزمني إلى بعد مكاني:
               لكي تظل في حياتنا أغنية انتصار
               تحملها الجدات في غد
               حفية التذكار
               من دار لدار
وطبيعة الاستمرار تسيطر على اختيارات الصياغة، من حيث مثلت في جملتها عملية امتداد للدلالة زمنيا في السطرين الأول والثاني، ومكانيا في السطر الثالث، فكتابة قصة الجلاء تمهيد تعبيري لعملية الاستمرار التي وصلت إلى قمتها مع أداة التعليل "كي" ثم منها يأتي المضارع تظل؛ ليتابع هذا الاستمرار داخل الحياة. ثم تتابع عملية الاستمرار في السطر الثاني، من خلال الدال الجدات بإيحاءاته الزمنية الممتدة، ثم ربط الجدات بـ"غد" حيث جاءت نكرة توسيعا لمداها الزمني، ثم تأتي بنية التجاور في السطر الأخير؛ لتجعل الامتداد مكانيا ابتداء وانتهاء، بالاعتماد على من واللام، لكن التجاور بين دار ودار، جعل البنية مفتوحة لتوالي نفس الدال تقديرا، وكأن المعنى من دار لدار، ومن دار لدار، وهكذا.

١.٨ بنية "المجاورة"


وإذا كان الامتداد الزمني مهيئا للامتداد المكاني في البنية السابقة، فإنه قد يحدث بين الزمان والمكان تداخل من خلال التجاور أيضا، بحيث يصعب تخليص كل بعد منهما ببنية خاصة به، وعلى هذا النحو تتوالى بنية التجاور عند الشاعر بدر توفيق في قصيدته "حبيبتي تسألني":
               أعبر كالليل من القرى إلى القرى
               أعبر كالنهار من مدينة إلى مدينة
               أعبر كالصيف من الحقول للحقول
كما هو المألوف في بنية التجاور، يبدو الامتداد مسيطرا على الصياغة وناتجها الدلالي، فالسطر الأول يبدأ بفعل الحركة أعبر، الذي يهيئ لعملية الاتساع والانتشار، ثم تتحول الذات إلى بعد زمني من خلال الصورة التشبيهية كالليل، ثم يتداخل هذا البعد الزمني بالمكان من خلال التجاور القرى القرى مع إيقاع الاختيار على صيغة الجمع؛ لتجعل الاتساع ذا طبيعة أفقية، ليتداخل مع الزمان ذي الطبيعة الرأسية، فهذه القرى بمكانيتها لا يمكن أن تنفصل عن الليل بزمانيته.
ثم يتابع السطر الثاني عملية التداخل، على نفس النمط السابق مع تحول في الإطار الذي يتسع للزمان والمكان، إذ كان الليل في السطر الأول موائما لحياة القرية، حيث لم يعد للمدينة ليل بمعناه الحقيقي، بل تحول فيها الليل إلى نهار، بل أصبح الليل أكثر...

١.٨ بنية "المجاورة"


...صخبا وحياة من النهار. ومن هنا كان السطر الثاني جامعا على التقابل مع السطر الأول، بين النهار والمدينة، ويبدو أن الواقع المكاني للقرية والمدينة، وهو الذي استدعى مجيء القرى على صيغة الجمع تعويضا لمحدوديتها المكانية، بينما لم يكن هناك احتياج لهذه الصيغة مع عالم المدينة، إذ هي بطبيعة التكوين قائمة على الاتساع والشمول.
ويأتي السطر الثالث على نفس النمط السابق أيضا؛ ليتداخل المكان و الزمان من خلال التجاور، مع تحويل العبور إلى امتداد زمني أكثر اتساعا بربطه بالصيف، ثم توسيع الدائرة المكانية، بإعادة صيغة الجمع إلى الحقول، وبهذا كله تصبح الذات في حركتها موازية لعالم الطبيعة في تغيره، أو بمعنى آخر، تتوحد الذات بعالمها، وتصبح عنصرا من عناصره الممتدة على كافة المستويات، ولا يغيب عنا دور التكرار الرأسي في بداية الأسطر، وكيف أنه كان ذا أثر بالغ في عملية الامتداد السابقة.


تحويل بنية التجاور امتداد الدلالة إلى خط عكسي
بعيدًا عن الزمان والمكان، قد تحول بنية التجاور امتداد الدلالة إلى خط عكسي، على معنى أن الناتج الدلالي يكون نفيا لا إثباتا، كما نلاحظه في قصيدة "هيولا" لملك عبد العزيز تقول:

١.٨ بنية "المجاورة"


               تختلط الأشياء
               تخرق الأشواك أحشاء الزهور
               تسقط النجوم في قرار الطين
               تبكي تستغيث
               صوتها المخنوق يوأد لا مغيث
               لا مغيث لا مغيث
               لا مغيث لا مغيث
تتحرك الأسطر داخل إطار من الكثرة، والتعدد بفعل التعامل مع صيغة الجمع المتصلة بعناصر الاشتباك، و"الاختلاط" "الأشياء" "الأشواك" "أحشاء" "الزهور" "النجوم" وبجانب الكثرة يأتي التداخل بالتعامل مع أفعال من حقله، تختلط تخترق، ثم تتحول الكثرة، والتداخل إلى عالم الإحباط السالب "المخنوق" "يوأد" "لا مغيث".
هذه الحقول الدلالية التي تغطي مساحة الصياغة في الأسطر، تتشابك على نحو يؤول بالتقابل إلى التوحد، فتتداخل الأشواك والزهور، وتتماسك النجوم والطين، مما يعود بالوجود إلى صورته الأولى، وطبيعة البناء التعبيري جعل التجاور ممتدا في خط عكسي، يتسلط فيه النفي على ما بعده "مغيث".

١.٨ بنية "المجاورة"


ثم تتكرر الصورة التعبيرية خمس مرات، تعود في كل مرة منها خطوة سالبة إلى الوراء؛ ليكون الناتج النهائي، ضياع الذات في عالمها، فقدان العنصر الإيجابي فيه، ومن ثم افتقاد ركيزة الخلاص، والانعتاق.
وقد يكون التحرك الدلالي مركزا في نقطة بعينها، ويتم الإلحاح عليها من خلال التجاور الذي يعمل على التعمق الرأسي، أو ما يمكن أن نسميه تحركًا للداخل، ولا يمكن الوصول إلى هذا العمق الداخلي إلا بوسيلة حسية، كما هو بين عند الشاعرة ملك عبد العزيز أيضا في قصيدتها "أن ألمس قلب الأشياء" تقول:
               حين نجود بسر القلب
               حين نجود بفيض الحب
               تتداعى الجدران وتنهد
               عندئذ نلمس قلب الأشياء
               نلمس قلب الأشياء
               نلمس قلب الأشياء

١.٨ بنية "المجاورة"


في النص الشعري السابق، نرى السطر الأول والثاني يعبران عن تدفق من الداخل للخارج، لكنه تدفق فطري مغلف بوعي، وقصد، والنمط التعبيري يتسلط عليه نوع من الشرطية التي تؤدي إلى تماسك البنية، وتعلق أولها بثانيها، وكأن زوال الحواجز والسدود في السطر الثالث، مشروط بفاعلية الجود في السطرين الأول والثاني، وعند تمام البنية الشرطية تتهيأ بنية التجاور لتلعب دورها في عقد المفارقة، حيث تعود الدلالة إلى الداخل عن طريق وسيلة حسية هي اللمس؛ وصولا إلى قلب الأشياء. فالعمق هنا يأتي كناتج دلالي للفظة "قلب" من ناحية ثم تكراره تجاوريًّا من ناحية أخرى، وامتداد التجاور يتمثل في طول الصياغة من حيث كان التكرار لجمل متكاملة، مما يجعل الارتداد الداخلي ذا كثافة عالية، تبعا لعملية الإيقاع النابعة من تماثل مفردات التراكيب تماثلًا مطلقًا.
تبعًا لحركة التعلق النحوي التي جمعت الفاعل، وفعله في دال واحد هو نلمس، ثم سلطت الدال على قلب المرتبط بالإضافة مع الأشياء، وكلاهما بعد التضايف غير قابل لتحقق المعنى الصادر من الفعل. أي: أن هناك مسافة بين الرمز اللغوي ومرموزه، ينقل الصياغة من طبيعتها المألوفة إلى طبيعة شعرية خالصة، وعلى هذا النحو يكون التجاور محققا لنمو صياغيٍّ شعري، ولكنه كما قلنا نمو للداخل في مواجهة النمو الخارجي في بداية النص المقتبس.

١.٨ بنية "المجاورة"


تكاثر في الناتج الدلالي، وقد يؤدي إلى تقليل هذا الناتج، وربما لا يكون هذا ولا ذاك، وإنما يتساوى الدال والمدلول، أو يتطابقان بحيث نكون أمام عملية تعبيرية شبيهة بالقسمة الرياضية أحيانا، وبالجمع أحيانا أخرى. وهذا ما سوف نعرض له فيما يأتي، وطبيعة الجمع الرياضي يمكن أن نلاحظها عند صلاح عبد الصبور في قصيدته "شنق زهران" يقول:
               كان ياما كان
               أن زفت لزهران جميلة
               كان ياما كان
               أن أنجب زهران غلامًا
               وغلاما
فالقص عن زهران يقدم تلخيصا لتجربة الزواج، والإنجاب، وبدلًا من أن يأتي الدال المألوف في نهاية السطر الثاني قائلا: أنجب زهران غلامين، جاءت بنية التجاور لتعبر عن الثنائية بتكرار الدال، غلامًا مرتين.
على هذا النحو تتحقق ناحية مهمة في المعنى، إذ تكون الثنائية على التوالي لا التزاوج، مع ملاحظة أن هذا التوالي لا يحقق الكثرة أو الامتداد والاتساع، كما لاحظنا في النماذج السابقة، وإنما يحتفظ الناتج بقدر من التوافق بين الدال والمدلول، وكأن الصياغة هنا عملية جمع حقيقية على النحو التالي:

١.٨ بنية "المجاورة"


               أنجب زهران غلاما ثم + وبعدها غلاما = غلامين.
وعلى هذا يكون حرف العطف الواو على غير بابه في الجمع بين سابقه، ولاحقه على صعيد واحد، بل إنه هنا يتحمل معنى الفاء، أو ثم، وربما لهذا جاءت الصياغة متعاملة مع وسيلة طباعية تساعد على زرع المسافة الزمنية بين الطرفين، وهي النقطتان.
وقد يأخذ التجاور شكلا رياضيا آخر، يقل فيه الناتج على نحو شبيه بالقسمة كما في قول الشاعر محمود درويش في رباعياته:
               وطني لم يعطني حبي لك
               غير أخشاب صليب
               وطني يا وطني
               ما أجملك
التمهيد لبنية التجاور يتحقق مع بداية السطر الأول في تلاصق الذات بالموضوع عن طريق إضمار أداة النداء، وذكر المنادى وطني المتصل بضمير الذات، وكأن الترابط الصياغي هو مؤشر الترابط الواقعي، ويتم التوقف تعبيريا عند حدود النداء بسكتة تعجبية مشحونة بكل التوترات التي تثيرها كلمة الوطن.

١.٨ بنية "المجاورة"


ثم تنطلق الذات في مخاطبة الموضوع بعد استحضاره بالنداء؛ لتقصر العلاقة بينهما على التبادل غير المتكافئ، إذ يكون العذاب بالصلب في مقابل الحب، وهنا يكون عدم التكافؤ مؤشرا على انعكاس الأوضاع في الوطن، أي: الموضوع مما جعل الموقف كله موقفا مأساويا من الطراز الأول.
وتزداد المفارقة حدة مع السطر الأخير، إذ يترتب على الصلب والعذاب التمسك بحب الوطن، وزيادة الارتباط به، بل وتجلي رؤيته جماليا في عين الذات، وهنا تلعب بنية التجاور دورًا مزدوجًا، إذ أنها من ناحية أكدت توحد الذات والموضوع على المستوى التعبيري، ومن ناحية أخرى جعلت الموضوع يحتل مساحة واسعة من الصياغة في السطر الأخير.
بل يمكن القول إن كل مفردات الصياغة فيه تنتمي إليه على نحو من الأنحاء، لكن برغم هذا الامتداد الصياغي، فإن الناتج التعبيري يعود إلى التركيز والكثافة، على معنى أن التكرار هنا لا يؤدي إلى الكثرة أو التعدد، وإنما إلى الإفراد كما في الشكل الرياضي ١/١= ١ وطن على وطن يساوي وطنا واحدا. فأداة النداء هنا لعبت دور علامة القسمة الرياضية، مما جعل الشكل النهائي بسيطا في نتيجته.

١.٨ بنية "المجاورة"


ورود بنية "التجاور" في شعر الحداثة في مطلع القصيدة أحيانًا
قد يزداد الناتج ضآلة تبعًا للعلاقة بين أطراف التجاور التي تتماثل مع علامة الطرح الرياضية، كما في قول أحمد كمال زكي في مجموعة رسائل:
إني رأيت الشعب يستخف بالردى
يعانق الجميل
وكان شامخا
كنخل واثقا وثوق بحر
فدمر الطاغوت
وانهارت حصون حلمه
سدى سدى
إن الأسطر في جملتها تقوم على التقابل بين الصمود والانهيار، وإذا كان الصمود قد تحقق بمفردات تنتمي إلى حقل العظمة والثبات في الأسطر الثالثة الأولى؛ فإن الانهيار قد تحقق بفعل دوال تنتمي إليه أيضًا: انهارت، لكن هذا الانهيار يأخذ طابعًا عدميًّا مع بنية...

١.٨ بنية "المجاورة"


...التجاور التي أحلت الحصون والأحلام إلى التلاشي والزوال المحقق؛ وكأن مفردات التجاور كانت تنتقص من الناتج الدلالي شيئًا فشيئًا، لتحقق الطبيعة التدميرية، ويكون الشكل الرياضي لهذه البنية على النحو التالي:
               ١ - ١ = ٠
لكن الطرح هنا لا يتم بين طرفي التجاور، وإنما يتم بين بنية التجاور في جملتها، وبين الناتج الدلالي السابق عليها، بحيث يئول الناتج الكلي إلى لا شيء، كما رأينا.
الملاحظ في النماذج السابقة: أن بنية التجاور كانت تأتي بعد تمهيد تعبيري يهيأ لها دورًا دلاليًّا على نحو من الأنحاء، لكن الملاحظ أيضًا: أن بعض شعراء الحداثة قد تعاملوا مع هذه البنية على نحو آخر، حيث يجعلون منها مفتتحًا لمعانيها، على معنى أنها تمثل تمهيدًا تعبيريًّا لما يتلوها من صياغة، ومن ثم يكون دور الصياغة تابعًا وليس متبوعًا، أو بعبارة أخرى: تصبح بنية التجاور مفجر الدلالة في النص، وعلى هذا النحو يأتي التجاور عند الشاعر "محمد الفايز" في قصيدة "الغجر" و"مدينة البحار" يبدأ النص هكذا:
               "غجر" وعلامة تأثر "!"
               "غجر" في السطر الثاني وعلامة تأثر "!"
               "قوافل الغجر" السطر الثالث.
               السطر الرابع: "قد دخلت مدينتي لتخطف القمر"

١.٨ بنية "المجاورة"


               السطر الخامس: "وتسرق الرحيق من براعم الزهر"
               السطر السادس: "مدينتي يسرقها الغجر".
التكرار في المطلع يعبر عن كثرةٍ داخلية وخارجية، داخلية من حيث طبيعة الدالِّي في التعبير عن الغربة والتشرد، وخارجية من حيث الصيغة والمجاورة، حققت مع الكسرة تتابعًا وتدفقًا بفعل التنكير الذي تردد مرتين. ويتابع السطر الثالث تنمية الكثرة والتدفق بإضافة القوافل إلى الغجر، وهنا نلحظ تحولًا من النكرة في السطرين الأول والثاني إلى المعرفة في السطر الثالث، فقد تحددت ملامح الغرباء، وتحددت هويتهم، ومع هذا التحديد تتضح الأهداف والغايات، وهذا ما تنتجه الصياغة في السطرين الرابع والخامس، فالخطف والسرقة عملان أساسيان، يتصلان ببنية التجاور، وينبثقان منها، فحقل الدلالة في الأسطر يتسع ويمتد، لكنه يتعلق أوله بآخره على نحو شبيه بعملية الإسناد، فالسطر الأول والثاني يمثلان المسند إليه، والأسطر التالية تمثل المسند، فهو إسناد يحقق الترابط الدلالي الكلي، ويجعل الثاني ناتجًا للأول، فتعلقه به تعلق لازم لا انفكاك منه.

١.٨ بنية "المجاورة"


أهمية المعرفة بالشعر لإدراك بلاغة النظم القرآني
قد تأتي بنية التجاور معتمدة على تكرار الحروف، وهنا يؤدي التجاور إلى عملية تأكيد للسياق المنفي، أو المثبت، أو المستفهم عنه، على حسب الدلالة التي تزرعها الأداة في السياق، وهذا النمط من التجاور نلاحظه عند الشاعر "على السبتي" في ختام قصيدته "رباب" حيث ترد على تساؤلاته عن تغير قلبها، وتحوله إلى غيره، يقول:
               وأتى الجواب
               همسات شاعرةٍ
               تهوم في الخيال
               لا لا تصدق ما يقال
               أنا لم أبع قلبي وهل قلبٌ يباع؟!
               كل الكلام إشاعة
               لا لا تصدق ما يشاع

١.٨ بنية "المجاورة"


هنا نفتقد الكثرة أو الامتداد اللذين لاحظناهما فيما رصدناه من النماذج السابقة، ذلك أن بنية التجاور في الحروف تميل إلى التوكيد لا التأسيس، والتحرك وراء المفردات بداية يعتمد على نمط تعبيري تكريري أيضًا، إذ يمثل السطر الأول لونًا من الإجمال، ثم تتلوه الأسطر تفصل وتفسر طبيعة الجواب في السطر الأول، وتبعًا لهذا النمط يكون الفعل الماضي "أتى" هو منطلق الدلالة، وبرغم مضيه من حيث الصيغة نجد أن الدلالة النابعة منه تشد زمنه من الماضي إلى الحاضر، فهو فعل يتحمل زمنين في آن واحد، زمن الماضي بكل ذكرياته، وزمن الحاضر بكل شكوكه، ويكون الفاعل هنا مزدوج الدلالة أيضًا، إذ هو جواب عن حقيقة المشاعر الماضية، وتصوير لطبيعة المشاعر الحاضرة.
يتوالى التفصيل أو تحويل الجواب إلى واقع تعبيري بداية من السطر الثاني، بالتعامل مع حقل دلالي، مفعم بالشاعرية في تأرجحها بين الواقع والخيال؛ فالهمسات تنضاف إلى شاعره، لتكتسب منها كثيرًا من الرقة والنعومة، ثم توصف بالتهويم نقلًا لها إلى عالم المثال، تمهيدًا لزرعها في عالم الخيال.
هذا الحقل الدلالي ذو الشفافية يكاد يكون تمهيدًا تعبيريًّا لبنية التجاور في السطر الثالث، من حيث عقد المقارنة بين الحلم والواقع، فتكرار أداة النهي في السطر الثالث يعمل على تأكيد النهي بالنسبة للمفعول "ما" حيث جاء على صيغة العموم؛ ليكون تعلق النهي به قاطعًا لكل الأقاويل، أي أن بنية التجاور تأكيدية بالدرجة الأولى، وافتقادها يحول الصياغة إلى مستوى مألوف...

١.٨ بنية "المجاورة"


...لا يتوافر له كثير من طبيعة الصياغة الشعرية، ويكمل السطر الرابع عملية التفسير، إذ يتحدد المفعول به "ما" من خلال جملة: "أبع قلبي".
وتتوافق بنية التجاور مع النفي في السطر الرابع، ثم مع الاستفهام فيه أيضًا؛ لتعمل جميعًا على الاتصال بنفس بنية التجاور في السطر الأخير، مع تعديل في المفعول، بنقله من المقال الذي يحتمل الصدق والكذب إلى الإشاعة التي تنصرف إلى الكذب الخالص. وفي التجاور الثاني أيضًا لا يمكن الانتقاص من بنيته بإسقاط طرف من طرفيه؛ لأن هذا الإسقاط -كما في الأول- يحيل الصياغة إلى لون من المباشرة غير الشعرية.
يتضح من كل هذا: أن تعامل شعراء الحادثة مع بنية التجاور قد ساعد على تأكيد شاعرية الصياغة من ناحية، كما أنه ساعد على إنتاج دلالات مميزة من ناحية أخرى، كما أن التعامل مع هذه البنية لم يقتصر على شاعر دون آخر، بل تعامل معها الجميع بوعي أو بدون وعي، بقيمتها الفنية، وأفادوا منها في الكشف عن حركة العقل الداخلية، وكيف تتحول إلى مستوًى صوتي يصل بين المبدع والمتلقي.