![]() |
البنية الثانية: التي تأخذ شكلا تكراريًا، هي بنية "الترديد" وهي في شكلها القديم، الذي أومأنا إليه سابقًا، يمكن أن تشد إليها شكلًا بديعيًّا آخر، هو تشابه الأطراف. |
![]() |
فالنمط التعبيري يتم تواصله فيها بالارتكاز على ترديد لفظة من التركيب الأول في الثاني، ومن الثاني في الثالث، فهي عملية توالٍ تجمع بين الحضور، والغياب أي: حضور دال، أو أكثر في الجملة الأولى، ثم غيابه في الثانية، ثم أخذ دال من الأولى، وترديده في الثانية ومع الحضور والغياب، يتم إنتاج الدلالة في أشكال متعددة، قد تتسع، وقد تضيق، وقد تتوقف، وقد تمتد لكنها تتشكل في كل ذلك بطبيعة الترديد. |
![]() |
النظر إلى المستوى السطحي في بنية الترديد، يقدم لنا نمطًا تكراريًّا من الطراز الأول، في حين أن النظر إلى البنية التحتية ينفي هذه التكرارية، ويقدم بدلًا منها علاقة تأسيس تتولد من توالي الجمل في شكل مجدول، أو في شكل سلسلة تترابط حلقاتها ترابطًا محكمًا، وقد تعامل شعراء الحداثة مع هذه البنية، ووظفوها توظيفًا مبهرًا وفاعلًا في تحويل الصياغة إلى طابعها الشعري، وإثراء ناتجها الدلالي، وربطه بحالة العقل حين يدرك العلاقات بين مفردات الوجود، ثم وصوله إلى المظهر الكلي، الذي يسيطر على هذه العلاقات.وبعبارة أخرى نقول: إن بنية الترديد بنية ذهنية لها طابعها الشعري، ومن ثم كان تعامل الشعراء معها مرتبطا بمحاور محددة، كالتواصل والتكميل والتعديل، والتضمين والسببية والتحليل، إلى غير ذلك من المحاور، التي تعمل بنية الترديد في نطاقها. |
![]() |
ويمكن متابعة العلاقة الترابطية، التي تتحرك فيها بنية الترديد في مطولة أحمد عبد المعطي حجازي "أوراس" وفيها يعرض لأفواه المستعمر القادمة من بلاد الخمرة إلى أرض المغرب العربي: أفواها مظلمة قذرة جاءت من أقطار الخمرة حيث تباع الخمرة للباكي ويباع الباكي للساقي ويباع الساقي للكرمة والكرمة تملك كل الناس فعلاقة الترابط يمكن رصدها على النحو التالي: أقطار الخمرة زائد إنتاج الخمرة والباكي، زائد استهلاك الباكي والساقي، زائد منفعة، الساقي والكرمة زائد احتكار الكرمة، والناس يساوي سيطرة رأس المال. |
![]() |
فالترابط ناتج دلالي لبنية الترديد، يقود إلى ناتج أكبر يقول: إن الاستعمار هو الابن الشرعي للرأس مالية الغربية، وتحول العلاقات داخل بنية الترديد، يأتي من تحول العلاقات النحوية ذاتها، فأقطار الخمرة في السطر الثاني، كانت مركز انطلاق الأفواه القذرة، ثم حدث تحول جعل من فاعلية الخمرة مفعولية في السطر الثالث، على معنى أن المنتج قد أصبح وسيلة تعامل بين الأفراد، وفي هذه المرحلة من... |
| ...التحول يدخل المستهلك أي: الباكي، كطرف في عملية التبادل، وهذا الدخول هو الذي يهيئ لبنية الترديد فاعليتها الترابطية، ويدخل طرف جديد يرمز إلى عملية الاستغلال أي: الساقي، والتحول النحوي يجعل الباكي سلعة تصلح للبيع، والشراء، ويجعل الساقي رمز الاستغلال صاحب القدرة الفاعلة في التعامل، مع هذه السلعة.
ثم يتم تحول آخر في السطر الخامس، بتحول المستغل إلى سلعة يسيطر عليها الأقوى والأقدر، الذي يمتلك وسائل الإنتاج، وهذا التحول الدلالي يسير موازيا للتحول النحوي أيضا على نمط الأسطر السابقة، والتحول النهائي يتم في السطر الأخير، حيث تضيع علاقة البيع والشراء؛ ليحل محلها علاقة التملك والسيطرة، وإذا قمنا بعملية حذف للأطراف المكررة، فإن الناتج يصبح على النحو التالي:
الخمرة زائد الباكي زائد الساقي زائد الكرمة أي: المنتج -صاحب رأس المال- المستهلك، وهي أصول النظام الذي قدم منه المستعمرون إلى بلاد المغرب العربي، ويمكن رصد العلاقات التبادلية على نحو آخر فيما يلي: الحضور الفاعل: أقطار الخمرة. |
![]() |
التحول الأول: أقطار غياب، الخمرة استمرار حضور، الباكي طرف جديد. | |
![]() |
التحول الثاني: الخمرة، غياب، الباكي استمرار حضور، الساقي طرف جديد. | |
![]() |
التحول الثالث: الباكي غياب، الساقي استمرار حضور، الكرمة طرف جديد. |
| وتبادل الحضور والغياب، يتبعه تغير في العلاقات بين الأطراف؛ خضوعا للنظام الاقتصادي الذي يسيطر عليها، وإذا كانت العلاقة الأساسية هي علاقة البيع والشراء، فإنها تئول في النهاية إلى علاقة الامتلاك والسيطرة، إذ يظل الفعل يباع هو الفاعل في العلاقة، والمطور لها إلى أن يحدث التحول الأخير، فيحل الفعل تملك محل فعل البيع، كما يحدث تحول على مستوى آخر، يتمثل في غياب فاعل البيع في كل الأسطر، وذلك ناتج من بناء الفعل للمجهول. إذ إن البيع والشراء هما العمليتان المشروعتان في أي نظام اقتصادي، ومن ثم لم يكن هناك مبرر لإحضار فاعلها، بينما جاءت الصياغة في السطر الأخير بفاعل تملك مرتين، مرة مظهرًا في شكل مبتدأ، وهو الكرمة، ومرة مضمرًا بعد الفعل تملك. إذ هذا الامتلاك هو لب النظام، وجوهره أو هو هدفه وغايته، كما أن المفعول لم يظهر صراحة، إلا في السطر الأخير كل الناس، بينما هو في الأسطر السابقة، كان في منطقة وسطى بين الفاعلية والمفعولية؛ نتيجة لتبادل العلاقات بين الأطراف، فلما استقر الأمر دلاليًّا، ظهر المفعول به صريحًا بلفظ العموم "كل" خاضعًا للامتلاك. فكأن حركة الصياغة في تبادلاتها الترديدية، قادت المعنى من منطقة تفجره الأولى؛ لتصله بالهدف الأصلي للحركة الاستعمارية في شموليتها. |
![]() |
قد يكون ناتج بنية الترديد دائرية، على معنى أن النمط التعبيري يتحرك في دفقات متماسكة، بحيث يعود إلى النقطة التي بدأ منها، وبذلك يتماسك الأول بالآخر، ويتم التلاحم وعلى هذا النمط الترديدي يأتي المزمور الأول من مزامير أمل دنقل: أعشق إسكندرية وإسكندرية تعشق رائحة البحر والبحر يعشق فاتنة في الضفاف البعيدة وأطراف الترديد في هذا النص الشعري، تتزاوج على النحو التالي: أنا الإسكندرية، السطر الثاني الإسكندرية البحر، السطر الثالث البحر الفاتنة، وتتحرك الدلالة من الذات إلى الموضوع في السطر الأول بفاعلية العشق الواقعة على الإسكندرية، ثم تتحول الدلالة في السطر الثاني بحيث تصبح الإسكندرية هي فاعل العشق، ويدخل طرف جديد يقع عليه الفعل هو البحر. ثم يحدث تحول ثالث في السطر الثالث، حيث يصبح البحر عاشقا، ويدخل طرف جديد يتحمل الفعل هو الفاتنة، وهذا التحول المستمر تصنعه بنية الترديد عن طريق حضور طرفين، ثم غياب أحدهما بحيث يستقر الأمر عند طرف محدد تتوقف عنده عملية التحول. والنظر إلى طرف نقطة التوقف يدل على ارتباطه بالضفاف أي: العودة من البحر إلى الأرض، أي: أن الدلالة دارت؛ لتستقر حيث بدأت، فالمفعول بعيد وقريب يطوله العشق في قربه، أو في بعده، ولكنه في البعد يطوله بوسائط تدخل نطاق المفعولية أيضا، فالعشق يتسع، ويحتوي في اتساعه عالم البحر في... |
| ...الإسكندرية. والتحول الفعلي يتم في شكل تغير للعلاقات النحوية، على التالي: أنا فاعل، الإسكندرية مفعول، الإسكندرية فاعل، البحر مفعول، الإسكندرية فاعل، الفاتنة مفعول، ويتلازم التغير في العلاقات النحوية، مع عملية الحضور والغياب؛ ليجعل التحول في شكل دفقات تعبيرية، تتواصل برابط لفظي، يتردد من دفقة لأخرى، يحكم العلاقة بين التراكيب، ويزودها بهوامش دلالية ما كانت لتتحقق دون بنية الترديد. ومتابعة التغير في العلاقات النحوية يتبين معها أن هناك طرفين لم يصبهما هذا التغير، وهما: |
![]() |
أنا المتكلم الذي ظل فاعلا، ثم غاب بعد أداء دوره التعبيري. | |
![]() |
الفاتنة التي جاءت مفعولا، ولم يتغير موقعها، فلو حذفنا المتغيرات، وأبقينا الثوابت لكان الناتج على النحو التالي: أنا فاعل ثابت الوظيفة، الإسكندرية مفعول، ثم تحولت إلى فاعل عدم ثبات الوظيفة، البحر مفعول ثم فاعل عدم ثبات الوظيفة، فاتنة مفعول ثبات الوظيفة، يكون الناتج من الثبات أنا أعشق فاتنة. |
![]() |
قد تقوم بنية الترديد على العلاقة التبادلية، بمعنى أن يكون انتقال الدال من تركيب إلى ما يجاوره قائما على نقلة دلالية، يلعب فيها الطرف المنقول دورا جديدا، لا من حيث علاقته النحوية، وإنما من حيث وظيفته الدلالية. |
![]() |
والشاعرة ملك عبد العزيز في قصيدتها "إلى يافا" تعبر عن تفاعلها مع الواقع الذي عايشته في الأرض، قبل احتلالها عام 1967، وكيف أن العلاقات كانت تشير إلى الأرض السليبة داخل فلسطين، تقول ملك: يشير السهم يغرس حده المسنون في قلبي بقلب الجرح جرح أنتِ يا يافا بقلب القلب |
![]() |
وتتزاوج دوال بنية الترديد على النحو التالي: السهم القلب، القلب الجرح، الجرح يافا، والتحول هنا يأخذ طابعا يغاير ما سبقه بعض المغايرة، إذ كانت العلاقة بين السهم والقلب في السطر الأول علاقة اختراق، تعبر عن المعاناة الخاصة، أو معنى آخر كانت العلاقة هي تحول المأساة من الخارج إلى الداخل. والسطر الثاني يأخذه الدال القلب لا ليصله بما سبقه، وإنما ليصنع صورة جديدة تعود بها المأساة إلى طابع الشمول، حيث يكون القلب هنا مشيرًا إلى الأمة العربية كلها، وجرحها الدامي أي: أن القلب تبادل دلالته من السطر الأول مع السطر الثاني، ونقلها من الخاص إلى العام. بل إن هذا التبادل قد امتد إلى الأداة المساعدة، وهي "في" في السطر الأول، حيث حل محلها الباء في السطر الثاني، فإذا كانت "في" قد جعلت من القلب ظرفا للسهم، فإن الباء قد جعلت القلب في السطر الثاني متلبسا بالجرح، أو هو جرح كله، ولعل اتساع هذا الجرح كان وراء استعانة الصياغة بوسيلة طباعية هي النقط؛ إعلانا عن هذا الاتساع، وامتداده إلى حيث يكون الإحساس بالمأساة قائما، ومؤثرا.ويحدث تبادل آخر على مستوى السطر الثالث: إذ يتغير معنى الجرح، الذي انتهى به السطر الثاني إلى معنى آخر ملاصق للأول، ومغاير له، فيتحول العام إلى خاص مرة ثانية عن طريق الصورة التشبيهية "يافا جرح" وهذا التبادل يئول في النهاية إلى توحد على المستوى الكلي، إذ يصير المعنى الترديدي "يافا جرح قلبي" لكن الوصول إلى هذا الناتج، قد تم عن طريق التبادل التعبيري داخل الأسطر الثلاثة. ويلاحظ اتكاء البنية الترديدية هنا على الصيغة الاسمية، حيث لم تتعامل مع الصيغة الفعلية إلا في عملية الغرس، ثم خلصت الصياغة للاسمية، مما أضفى على الدلالة نوعًا من الثبات، لكنه ثبات تدميري يفعل في الواقع العربي؛ لكي يحركه من ثباته إلى تغيير واقعه المدمر. وقد توظف بنية الترديد؛ لإنتاج علاقة استغراقية، على معنى أن تتداخل الدلالات... |
| ...في شكل دوائر تتسع؛ لتستغرق كل دائرة ما قبلها وصولا إلى الدائرة المطلقة التي تحتوي كل ما سبقها.
وعلى هذا النحو تتحرك الدلالة في أسئلة الأشجار لمحمد إبراهيم أبو سنة: قلت أحاور قلبي ما معنى الجنة يا قلبي قال تجول في نفسك حتى تصل إلى الإنسان وتجول في الإنسان إلى أن تصل إلى وطنك وتجول في وطنك حتى تصل إلى ال له والأسطر الثلاثة الأخيرة تحمل بنية الترديد على النحو التالي: النفس الإنسان، الإنسان الوطن، الوطن الله، فالطرف الأول يبدأ بالنفس وصولا إلى الطرف الأخير الله، والوصول يقتضي مرورا بدوائر أكثر اتساعا أي: أن دائرة النفس تدخل دائرة الإنسان، ودائرة الإنسان تدخل دائرة الوطن، ثم تدخل دائرة الوطن بكل دواخلها إلى دائرة المطلق دائرة الله. |
![]() |
طبيعة العلاقة بين الدوائر، تأتي من انطلاق المعنى من الفعل "جال" بما فيه من حركة دائرية، كلما اكتملت عادت لتبدأ مرة أخرى مع عودة الفعل، ثم تتوقف هذه الحركة عند حدود دائرة المطلق، حيث الانفتاح على الموجود الحق الذي تستمد منه كل الموجودات شرعية وجودها الأرضي. ومن ثم كان الاستغراق هنا ذا طبيعة تصاعدية، تبدأ من النسبي لتصل إلى المطلق، والعلاقة بين أطراف بنية الترديد تصنعها الأدوات الرابطة، التي تتشكل في مجموعتين: |
![]() |
الأولى: تتمثل في تكرار حرف الجر "في". | |
![]() |
الثانية: تتمثل في تكرار حرف الجر "إلى". | |
![]() |
المجموعة الأولى: ترتبط دائما بالطرف الأول، مكان التجول والمجموعة الثانية: ترتبط بالطرف الثاني هدف التجول، فوظيفة الأحرف الجارة، هي التي صنعت ذلك الناتج الدلالي في كليته، عن طريق الظرفية أولا ثم عن طريق الغاية ثانيا، ويلاحظ توقف عمل المجموعة الأولى عند حدود الطرف الأخير في بنية الترديد "الله" لتتوقف عنده الغاية النهائية. | |
![]() |
ويمكن عن طريق عملية حذف للمكررات، الربط بين الطرفين الأصليين في البنية، وهما "النفس" و"الله" ليكون الناتج النهائي على النحو التالي، "النفس" طرف تأسيسي، "الإنسان" طرف وسيط، الوطن طرف وسيط، الله طرف تأسيسي، أي: أن الوصول إلى الله يكون عن طريق النفس بطريق مباشر. |
![]() |
وتقترب من علاقة الاستغراق، علاقة الضم التي تقوم على الإضافة لا على التداخل، كما هو في البنية السابقة، والضم يأتي لأهداف دلالية تعمل الصياغة على إنتاجها دون أن يكون الهدف توسيع الدائرة، وإنما الهدف إضافة عناصر إلى العنصر الأول، وعلى هذا النحو تأتي قصيدة أو نص من قصيدة فاروق شوشة "أصوات من تاريخ قديم": يا سيف الدولة أبناؤك يا للعار في سوق الهلكى باعوك وعلى أسوارك في يافا آه يا يافا صلبوك وعلى أرضك في عمان الثكلى داسوك |
| داسو وجهك وجه رفاقك في حطين وتتحرك بنية "الترديد" في السطرين الأخيرين على أساس الإضافة، "لكن" وصولا إلى ناتجها تلجأ في الطرف الأوسط، إلى عملية تخصيص شكلي بالانتقال من "داسوك" إلى "داسو وجهك" وهو تخصيص يكاد يفوق طبيعة التعميم، ومن ثم كان إضافة لما سبقه من معنى، ثم تستمر الإضافة إلى وجه الرفاق في حطين، ومن ثم يكون الناتج النهائي حقلا موسعا من المهانة، والمذلة، تعبر عن حاضر الأمة العربية في شكل محفز ومثير، ويبدو الفعل "داس" محركا لعملية الإضافة، واحتوائها في نفس الوقت. ومن ثم جاء مكررًا بالفعل مرة، وبالقوة مرة أخرى، فقد ظهر مرتين في التركيب الأول، والثاني، ثم جاء مقدرا في التركيب الثالث أي: أنه طرف ممتد داخل بنية الترديد، يصنع مع مفرداتها علاقة مؤثرة إلى حد بعيد، يمكن أن يكون ناتجها مكثفا، كأنه لغة الضرب لا لغة الجمع. | ||
![]() |
هذا النمط القائم على الضم يصعب فيه عملية الحذف، التي تربط بين الطرف الأول والأخير، بل لا بد من متابعة الصياغة في تجاوراتها وصولا إلى الناتج النهائي، ومن ثم يغيب حرف العطف في الربط بين الجمل، بحيث تتحول بنية الترديد إلى سبيكة متماسكة، وتصبح أطرافها عناصر داخلة في التكوين، لكن دخولها يتم بالضم والإضافة. كما تتقارب مع البنيتين السابقتين أيضا، علاقة التضمن التي تتحرك فيها الصياغة في حلقات تضيق تنازليًا إلى حد لا يتجزأ، فيتم التوقف لكن من المحتم أن يحتوي كل طرف على الذي يليه، أي: أن الترابط يقوم على الحذف، على معنى أن الطرف الأول يحتوي بقية الأطراف. ثم يأتي الطرف الثاني بحذف جانب من الطرف الأول، وإبقاء بعض منه، وهكذا في الطرف الثالث، وعلى هذا النحو تأتي قصيدة اللغة الجديدة عند... |
| ...عبد العزيز المقالح: فعلموا أبناءكم يا أهلنا طقوس الجبن والخضوع والانحناء والركوع لكي تظل في أجسادهم رءوس لكي تظل في رءوسهم وجوه لكي تظل في وجوههم أنوف وتأتي أطراف "الترديد" على النحو التالي: أجساد رءوس، رءوس وجوه، وجوه أنوف، والعلاقة بين الأطراف تقوم على الطرح لا الجمع، ومن هنا يتضاءل الناتج تدريجيًّا، وصولا إلى الطرف الأخير أنوف. والتدرج التنازلي دون ترديد يكون أجساد، رءوس، وجوه، أنوف، وواضح أن هذا التدرج خادع، إذ الوصول إلى الطرف الأخير لا يعني الهبوط في التنازلات أمام قوى البغي، وإنما حقيقة الدلالات الهامشية تقول: إن هذه التنازلات، تنتهي إلى نوع من الاعتزاز بالنفس إذ الانتهاء إلى الأنوف، يقدم ناتجا مخالفًا للمتوقع. |
![]() |
بمعنى أنَّ الأنف يعطي مؤشرًا إلى عزة النفس والكبرياء، وعلى هذا يكون التنازل أمام البغي تنازلًا جسديًّا لا نفسيًّا، أو هو تحرك مرحلي للإفلات من عدوانيته، مع الاحتفاظ بالطاقة الكامنة داخليا بوجودها المختبئ، إلى أن تحين لحظة المواجهة، وما كان يمكن الوصول إلى هذا الناتج، إلا بتوظيف بنية الترديد على نحو تضميني، بحيث يحمل كل طرف دلالته إلى الذي يليه، باعتباره عنصرا من عناصر تكوينه، فالأجساد تحتوي على الرؤوس، لكن الرؤوس فيها هي أهم مظهر للحياة من جانب، وهي رمز للقمم في المجتمع من جانب آخر. | ||
![]() |
والرءوس تحتوي على الوجوه، لكن الإبقاء على الوجوه، معناه الإبقاء على إمكانية المواجهة، وتعديل مسار الحركة السياسية إلى طريقها الصحيح. | ||
![]() |
والوجوه تحتوي الأنوف، لكن الإبقاء على الأنوف معناه: الإبقاء على عوامل التحرك الوطني من اعتزاز وكبرياء، وأنفة، فكأن بنية الترديد في ظاهرها، تنازلات، وفي باطنها تمسك بالموقف الوطني الأصيل، الذي يحفظ لقوى المواجهة حيويتها وطاقتها الفاعلة، وكأن البنية التي بدأت من خلال الطرح آلت إلى بنية بالجمع، فالأجساد والرءوس والوجوه والأنوف تشكل رموزا متكاملة لدلالات متشابكة، تمثل القوة الفاعلة. |
![]() |
وفي شذرات من حكاية متكررة وحزينة لصلاح عبد الصبور، يمكن رصد هذا النمط الترديدي: أتسمع في نظراتك إيقاع الكلمات أتذوق في كلماتك نفض القبلات أتمدد في قبلاتك فوق ثنايا الموج تأتي أطراف الترديد على النحو التالي: نظرات كلمات، كلمات قبلات، قبلات الموج، ويتم التراسل بين كل طرفين عن طريق إعمال الأفعال في خلق علاقات غير حقيقية، وتحويلها إلى واقع شعري مصوغ، فالتراسل يتم في السطر الأول بين النظرات، والكلمات عن طريق تأثير الفعل "أتسمع" ثم شد دلالته إلى النظر، عن طريق حرف الجر في الذي يعطي للنظر خواص الكلام، ومواصفاته. ويتم التراسل في السطر الثاني بين الكلمات والقبلات، عن طريق الفعل "أتذوق" الذي ينقل للكلمات خواص القبلات. ويتم التراسل في السطر الثالث بين القبلات والموج، عن طريق الفعل "أتمدد" الذي ينقل للقبلات خواص الموج، وتتم عملية التراسل في شكل منتظم بشد دلالة الطرف الثاني إلى الأول، أي: أن اهتزاز الدلالة، يتم مع مطلع السطر، بحيث تنحرف الدوال عن مدلولاتها، مع مواجهة المتلقي للصياغة، ثم يأتي الطرف الثاني كعملية إكمال للتداخل الذي تم أولا، ويلاحظ في بنية الترديد هنا ملازمة الذات للموضوع في عملية التراسل، بمعنى أن حضور الذات كان حضورًا تفرضه طبيعة الصياغة مع مطلع كل سطر. |
![]() |
فالأفعال "أستمع" "أتذوق" "أتمدد" تحتوي بالضرورة على فاعلها وتعلن عنه تعبيريا، برغم غيابه عن الصياغة شكليا. | |
![]() |
أما الموضوع فقد التزمت به الصياغة مع الطرف الأول "نظراتك" "كلماتك" "قبلاتك" ومن هنا كانت المزاوجة بين الذات، والموضوع مغلبة لجانب الذات حيث جعلت وجودها على مستوى الحضور والغياب. | |
![]() |
أما الموضوع فوجوده على مستوى الحضور فحسب، وإن تحملت الذات من ناحية أخرى إمكانية احتواء العالم، وذلك بتجريد الطرف الثاني من الضمائر، "الكلمات" "القبلات" "الموج". |
![]() |
علاقة التكامل تعيد الأشياء إلى أصلها الذي تكون عليه، فليس هناك مقارنة منتجة، وإنما هناك تداع يتحرك من طرف إلى آخر، ينتهي إلى صورة كلية، لكن الوصول إليها لا يتم دفعة واحدة، وإنما تقدمه الصياغة على مراحل تعبيرية تكميلية. |
![]() |
من ذلك ما يقوله الشاعر فتحي سعيد في قصيدته التي عنوانها (جواز سفر) يقول فيها عن عاصمة أحزانه: الرقم الأول في أول بنيان أول بنيان في منعطف الميدان ميدان النسيان تتلاحق مفردات بنية الترديد، كما نرى لتصنع إطارًا كليًّا عن الرقم الأول لأول بنيان في منعطف ميدان النسيان، وتتحرك البنية في إطار المواضعة، وصولا إلى الطرف الأخير "ميدان النسيان" حيث يهتز التطابق بين الدال والمدلول عن طريق الإضافة، إضافة الميدان إلى النسيان، وتحرك بنية الترديد كان تكامليا. بمعنى أن كل طرف يقدم إضافة جديدة، تزيد معرفة المتلقي بكلية الدلالة، وصولا إلى الطرف الأخير "ميدان النسيان" الذي حول معرفة المتلقي من طريقها المتوقع، إلى غير المتوقع. وبهذا تتحول البنية إلى لون من التصادم، بين البدء والختام، فعاصمة الأحزان يجب أن تغوص في عالم النسيان، لكن الوصول إليه يتم على مراحل يكمل بعضها بعضا، برغم تلاصقها وانفتاحها المتدرج بدءًا من الرقم الأول، ثم البنيان الأول، ثم الميدان ثم النسيان. |
![]() |
والتلاصق في البنية التكاملية، يشتد عن طريق تفريغها من صيغة الأفعال، فالتحرك يكاد ينعدم، ومن ثم يزداد إحكام التجاور والتلاصق، مما يجعل الانتقال بين الأطراف محدودًا بحدود ثباتها الناتج من اسميتها، وقد تعمل بنية الترديد في أشكالها البسيطة على التعديل في المعنى، أي: أن تردد الطرف في الجملة الثانية، يهدف إلى تغيير مسار الدلالة، وكأنها تدفع توهما، قد يكون، وتحل محله حقيقة كائنة. والسياب... |
| ...في قصيدته "رؤيا" في عام ١٩٥٦ م يتحرك من خلال هذه البنية فيقول: أغصان زيتوننا أثقلها الورد ورد الدم الأحمر فامتداد الدلالة في السطر الأول، يحمل صورة مبشرة حيث أغصان الزيتون برموزها الكثيفة، وحيث الورد بإشاراته المبهجة، لكن التعديل يتم مع الترديد، حيث تأتي كلمة "الورد" في السطر الثاني متداخلة بالدم، عن طريق الإضافة التي تجعل من المضاف والمضاف إليه دالا واحدا، ذا طرفين متلاحمين ثم يزداد التعديل بروزا بمجيء الصفة الأحمر؛ لتكتمل عملية التعديل الكلي، الذي يحيل الدلالة في السطر الأول إلى طبيعة تدميرية، لا طبيعة إنتاجية. |
|
![]() |
وقد تعمل بنية الترديد في إفراز ناتج تفصيلي، أي: أنَّها تساعد على تقسيم الناتج إلى شطرين متوازنين بينهما علاقة اتصال لا انفصال، وعلى هذا النحو تجيء بنية الترديد عند الشاعر بدر توفيق في قصيدته "البكارة المفقودة": أصاحب الوسيم مرة ومرة أصاحب الدميم فالمصاحبة قائمة كإطار كلي تتحرك فيه الذات، لكنها تعود وتنقسم تبعا لناتج الترديد بين مرة ومرة، حيث تكون المرة الأولى موازية للثانية ومغايرة لها في الوقت نفسه، ولو جردنا التركيب من عملية الترديد لما كان هناك انقسام. |
| إذ يصبح التركيب "أصاحب الوسيم والدميم" فيتم الجمع بينهما على غير حركة المعنى في النص كله، الذي يقوم على ثنائية الحركة وتصادمها، حيث يقول في مطلع النص: أدور في معابد القاهرة العلوية أصعد في مآذن الإسكندرية أسهر في المضاجع السفلية أصاحب الوسيم مرة ومرة أصاحب الدميم ويبدو أن الثنائية التفصيلية، كانت هي المحرك الخفي لإنتاج الدلالة؛ وصولا إلى قمتها في بنية الترديد، وإمعانا في هذه المزاوجة، لجأ الشاعر إلى وسائل الطباعة النقطتين: كفاصل مرئي ومحسوس بين طرفي الترديد، فهما منفصلان في المستوى السطحي، وإن اتصلا في المستوى الباطني. |
|
![]() |
متابعة بنية الترديد عمومًا يدل على ثرائها، واحتوائها على كثير من العلاقات، وأن هذه العلاقات هي ناتج طبيعي لوظيفة الترديد في الصياغة، مما يدل على أن الكشف عنها كان كشفًا عن حقل تعبيري واسع، تحرك فيه القدماء، كما تحرك فيه شعراء الحداثة على تغاير بينهم في تعقيد البنية أحيانا، وتبسيطها أحيانا أخرى. |
| ما أتاح لها احتمال كثير من الدلالات أحيانا، وإنتاج الدلالة رأسا أحيانا أخرى، أي: إنها تؤكد على نحو من الأنحاء وحدة الدال، والمدلول في الصياغة الشعرية. |