٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


بنية (رد الأعجاز على الصدور)
قال ذلك الناقد عن بنية التصدير أو رد الأعجاز على الصدور: إنها بنية تعطي شكلًا تكراريًّا وإن لم يتحقق التكرار على المستوى العميق.
ويقول:
من هنا اختار لها القدماء تسمية دقيقة هي رد العجز على الصدر, فمفهوم كلمة الرد يدل على العودة الشكلية التي لا تقتضي ناتجًا دلاليًّا تكراريًّا, وربما لهذا قال الدسوقي في حاشيته عن رد العجز: إنه إرجاع العجز للصدر بأن يُنطق به كما نُطق بالصدر دون أن يستغنى بأحدهما عن الآخر, والشكل التجريدي لهذه البنية يدل على أن ناتجها بسيط, بمعنى أن التكرار لا يكثف الدلالة, وإنما يكون اللفظ الثاني مستقلًّا في بنيته العميقة عن اللفظ الأول, وإن ظل ترابط اللفظين قائمًا على المستوى الشكلي, وليس معنى هذا أن الناتج الدلالي في هذه البنية يظل على بساطته دون استثناء, بل إن استقراء بنية رد الأعجاز في شعر الحداثة يدل على وجود أنماط لها تأخذ طابعًا تكراريًّا في ناتجه, لكن هذا على القلة لا على الكثرة مما يجعل حكمنا الأول هو المعتبر في استكشافنا لهذه البنية, بل إن الملاحظ في هذه البنية كما يقول الناقد: إن تحولاتها قد تقتضي أحيانًا تغايرًا من حيث المرجع بين الطرفين المكررين, فإذا كان الشكل التجريدي لرد العجز يأتي على النحو التالي: ألف ثم نقاط وبعدها ألف, فإنه أحيانًا يكون على النحو التالي: ألف ثم نقاط وبعدها باء, وهذا التغاير الأخير يرجع إلى البنية التحتية وتحولاتها التي تخضع للمقاصد الواعية للمبدع, ويمكن تصور هذا الشكل الأخير في قصيدة الشاعر: بدر توفيق "حديث الطريق الأصم":

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


               ميت يسرق الصمت من قلب ميت
               ميت يرفع الصوت في أرض موت
               وعيون فساح بوشم على باب بيت
فالسطر الأول يبدأ بالمفردة "ميت" ثم تتحرك الصياغة بعدها بمفردات تنتسب إليها, فالفعل: يسرق يرتبط بها من حيث هي فاعله, والصمت: يأتي ارتباطه من حيث تحمله لوقوع الفعل عليه, ثم يتصل الصمت بما بعده عن طريق حرف الجر "من", ثم تتحول الصياغة إلى طرف جديد عن طريق المضاف والمضاف إليه, قلب ميت, وهذا التحول صنع تخالفًا على مستوى الدلالة؛ إذ يصبح الدال الأول ميت متحققًا بالقوة, بينما يكون تحقق الموت للدال الثاني بالفعل على معنى أن الطرف الأول جعله صمته في حكم الأموات الذين تحقق لهم الموت الفعلي, فالرد هنا تحقق فيه التخالف بين ألف وباء على المستوى الباطني, برغم التماثل الشكلي, وإذا كان التحول من الطرف الأول إلى الثاني في بنية رد العجز على الصدر قد تم على مستوى التحقق بالفعل أو بالقوة, فإنه قد يظل على توحده, لكن يتم التحول على مستوى الانقسام الداخلي الناتج من تغاير الموقف من وجهة نظر الشاعر أو المتلقي, فأحمد عبد المعطي حجازي في قصيدته "دفاع عن الكلمة" يخاطب من ماتت ضمائرهم فماتت كلماتهم قائلًا:
               يا أيتها الكلمة
               فرسانك يهوون من الخيل على ذهب الطرقات

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


               فرسانك رفعوا السيف على فرسانك
ويتم التوحد أولًا من السطر الأول على مستوى الموضوع, أي: الكلمة التي مهد الشاعر لمجيئها بعدة وسائل تعبيرية "يا" "أي" "ها" وكلها تحقق ترابطًا نفسيًّا وتعبيريًّا بينه وبين موضوعه, وهذا الترابط يمثل التوطئة الدلالية واللفظية لعملية الانقسام التي تمت في السطر الثالث؛ وذلك بانضمامها أولًا إلى التحول الواقع في السطر الثاني بسقوط فرسان الكلمة وفقدانهم مضمون الفروسية, ويكون السطر الثالث بمثابة استثناء يجعل من الفرسان طائفتين: أولاهما: وهي التي سقطت من فوق الخيل قد رفعت السيف على الطائفة الثانية, وهي بالمفهوم لم تسقط وراء ذهب الطرقات, فرغم التوافق اللفظي بين الطرفين في أول السطر الثالث وآخره فإن الناتج الدلالي يقول: إن هناك تخالفًا ليس على مستوى الجنس, وإنما على مستوى النوع, أو الانقسام, وقد يتم التخالف الدلالي بين الطرف الأول والثاني نتيجة لإضافة هامش دلالي يوسع من دائرة الطرف الثاني أو يضيق منها, ومن ثم ينعدم الناتج التكراري على النحو الذي رأيناه في النماذج السابقة, فالشاعر اليمني عبد العزيز المقالح يتحدث في قصيدته "رحلة الشمس" عن الثورة قائلًا:
               الثورة صامدة والناس وأعلام الثورة

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


ونمو المعنى داخل السطر يأتي من تتابع الدوال أو الكلمات معلقًا بعضها ببعض نحويًّا في حركة شمولية تبدأ بالمبتدأ: الثورة, المجرد من اللواحق التي تخصص من دلالته, فالشمولية تأتي كناتج معاكس لإضافة "ال" التي تفيد التخصيص, لكنها هنا أدت دورها بالتعميم, وكأنها أصبحت "ال" للجنس حتى يصير الخبر التالي: صامدة, منسحبًا إلى مفهوم الثورة مطلقًا لا مفهوم الثورة اليمنية فحسب, وبانتهاء الدفقة الأولى في السطر تتهيأ الصياغة لدفقة ثانية ترتبط مع سابقتها بالواو لتحدث تضامًّا وتلازمًا بين المعطوف عليه والمعطوف, ومن ثم ينسحب الصمود إلى المعنى المجرد والواقع المجسد في الناس, وتستمر "ال" في أداء دورها الدلالي السابق مع الثورة مع الشمول والتعميم, وهنا يلعب الحضور والغياب دورًا بارزًا في إنتاج الدلالة؛ إذ الأصل أن تأتي الصياغة والناس صامدة, لكن غياب المسند هنا برغم أن هناك دليلًا لفظيًّا عليه في الجملة السابقة قد أدى دورًا أكثر تأثيرًا مما لو حضر؛ إذ يصبح الصمود هنا شيئا فطريًّا في طبيعة الناس, ومن ثم يكون ذكره فضلة تضيع هذا الهامش الدلالي المفاد من الغياب, وتأتي الدفقة الثالثة محتوية على الدال الأول في السطر, لكن مع تغاير في التركيب النحوي, فالصدر يشمل على مبتدأ وخبر, أي: تركيب متكامل يكتفي بنفسه, بينما العجز يحوي مضافًا ومضافًا إليه: أعلام الثورة, وهو بهذا الشكل يحتاج إلى عنصر تعبيري يكمله لكنه غاب أيضًا؛ اعتمادًا على الخبر السابق: صامدة, مع ما في الغياب من هوامش إضافية نفتقدها عند الحضور, كما أن هذا الغياب نفسه والذي أتاح لبنية رد الأعجاز أن تحل في السطر وتصنع منه حلقة مغلقة تبدأ بالثورة وتنتهي بها, مع فارق دلالي نابع من اختلاف طبيعة التركيب النحوي جعل العلاقة بين الطرفين هي علاقة العموم والخصوص, فالثورة تشمل الأعلام والمبادئ شمولًا لا انفكاك فيه وإلا فقدت مضمون الثورة.

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


تحليل بعض نماذج التكرار من بنية "رد الأعجاز على الصدور
قد يصل التخالف بين طرفي بنية رد الأعجاز على الصدور إلى حد التنافي على معنى أن بينهما علاقة سلب وإيجاب, وهذه العلاقة تلغي تمامًا الناتج التكراري, بل تكون معاكسة له, بالرغم من توافر الشكل الخارجي للتكرار, يقول أمل دنقل في قصيدته "موت مغنية مغمورة":
               مصفوفة حقائبي على رفوف الذاكرة
               والسفر الطويل يبدأ دون أن تسير القاطرة
               رسائلي للشمس تعود دون أن تمس
               رسائلي للأرض ترد دون أن تفض
               يميل ظلي في الغروب دون أن أميل
وواضح طول الاقتباس من النص؛ لأن بنية رد الأعجاز هنا ناتج دلالي لما سبقها من أسطر, والحقل الدلالي الذي يغطي مساحة الأسطر يقدم صورة لعدم توافق الذات مع الموضوع, ومن ثم كان انكسار النسق التعبيري هو الخاصية الأساسية التي تم من خلالها بناء الأسلوب, سواء تم هذا على مستوى الإفراد أم على مستوى التركيب,فالانكسار على مستوى الإفراد يمكن تمثله في السطر الأول بإحداث...

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


...مفارقة تعبيرية في نهايته نقلت الصياغة من المستوى النثري إلى المستوى الشعري, وذلك بزرع الدال وهو كلمة الذاكرة كبديل غير مألوف الارتباط بالرفوف, أما الانكسار على مستوى التركيب فيكاد يغطي مساحة الأسطر, حيث السفر دون سير القاطرة, والرسائل التي تعود دون أن تمس أو التي تعود دون أن تفض, ثم يأتي الانكسار في السطر الأخير من خلال بنية رد الأعجاز على الصدور التي توحِّد على المستوى الخارجي بين الفعلين: يميل, أميل, لكنها تخالف بينهما سلبًا وإيجابًا؛ لتحقق للذات عنصر المقاومة في مواجهة حقيقة الانكسار في العالم, ونتيجة لانعدام الناتج التكراري كانت البنية في السطر الأخير مفتوحة من الطرفين في طرفها الأول, حركة يميل, وفي نهايتها حركة الاعتدال, فالتنافر بين الطرفين يوجه حركتهما إلى الخارج لا إلى الداخل, وذلك نتيجة لانقسام الذات وفصلها عن ظلها, بحيث يكون لكل منهما حركة معاكسة لحركة الآخر, ويمكن تمثل الناتج الدلالي في السطر من خلال كتابته رياضيًّا على النحو التالي:
               أميل - أميل = لا شيء والكتابة بالطرح جاءت من الدال السالب دون الذي ألغى حركة الميل السابقة, مما جعل الذات في موقف تفسخي ينتهي بها إلى الضياع أمام ضياع المنطق في عالمها, وليس يمتنع أن يتحقق في بنية الرد الناتج التكراري, لكن ذلك ليس مطردًا بل على القلة, ومن هنا كان إدخال هذه البنية في محور التكرار من ناحية الصورة الشكلية أولًا, ثم من خلال تحقق ناتج التكرار دلاليًّا أحيانًا ثانيًا

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


يمكن ملاحظة تحقق الناتج التكراري في رباعيات الشاعر الفلسطيني محمود درويش التي يقول فيها:
               الممر الشائك المنسي
               ما زال ممرًّا
               وستأتيه أحفاد الذي عمر دهرًا
               يقع الصخر وأنياب الظلام
والناتج التكراري هنا ليس بالتعدد, وإنما بالتوغل الزمني الذي يبدأ تحركه من الطرف الأول ثم ينسحب إلى الطرف الثاني, الذي يجعل الوجود مستمرًّا, ومن ثم يترك الأمل عند أصحاب قضية الوطن قائمًا؛ فإن له تحققًا يتعلق بالزمن الآتي, فالناتج توكيدي يقرر واقعًا ويزيل أية شبهة في ضياعه.وإن طبيعة التحرك الدلالي من الطرف الأول إلى الثاني، جعلت الطرف الأول قائمًا على التعيين والتخصيص باستخدام "أل"، ثم جاءت اللواحق الوصفية بعده على نفس خاصيته التخصيصية، وكأن "أل" الداخلة على الدوال الثلاثة في السطر الأول:
               الممر الشائك المنسي
كانت مؤشرًا إلى الوضع الأول للأرض، وملكيتها لأصحابها الأصليين، ثم يأتي الفعل "ما زال" ليعطي مؤشرا آخر على استمرار الوضع السابق، وينتهي السطر بتعديل هذا المؤشر الأخير، بإسقاط "أل" من ممر، ليكون الناتج شيوع هذا الممر، وعدم تخصصه...

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


...بأهله أو أصحابه. فوجوده متغير تبعا لتغير الواقع الزمني، لكنه على نحو من الأنحاء أكد وجودًا، وأبقاه في حيز التحقق المرجو. وهذا الناتج الدلالي قد أثر على الأسطر التالية، حيث حولها إلى رؤية مستقبلية، يتحقق معها عودة ممر إلى الممر.
يبدو أن التصور القديم لحركة المعنى في بنية رد الأعجاز على الصدور، هو عودة المعنى في الطرف الثاني إلى الطرف الأول؛ لإحكام العلاقة بين البداية والنهاية. لكن التتبع الاستقرائي لشعر الحداثة، يتكشف معه انعكاس حركة المعنى فيه أحيانا، بمعنى أن الطرف الأول هو الذي يتحرك بدلالته إلى الطرف الثاني، ويستقر فيه فالبنية التحتية تحتم هذا التقدير، حتى ولو كان المستوى السطحي على غير ذلك، ويمكن تتبع هذه الحركة في مثل قول عبد الوهاب البياتي:
               يتساقط الشعراء والعشاق
               والثوار في زمن السقوط
فالمستوى السطحي، يبدأ بالمضارع "يتساقط" ثم يتلوه فاعله الممتد في ثلاثة دوال "الشعراء العشاق الثوار"، ثم ينتهي بتحديد زمن الفعل الأول بإعادة مصدره "السقوط" واضح من التأمل أن الفعل "يتساقط" يقع داخل زمن السقوط أي: أن البنية الأصلية تقول: في زمن السقوط يتساقط الشعراء، لكن الحدث والاهتمام بوقوعه، كان وراء النسق الذي جاء عليه تركيب البيت، فحقق بذلك هدفين على صعيد واحد:

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


إعطاء الحدث الانهياري أهمية أولى، ثم إضفاء هذه الأهمية على نهاية السطر بتضمينه زمنيًا مطلع السطر، واحتوائه عليه، فالأهمية تنتشر بين الطرفين، وتجعلها على مستوى واحد بالنسبة للناتج التكراري.
أما الكثرة فيمكن ملاحظتها من صيغ الدوال، التي تعامل معها الشاعر، فالفعل بطبيعة وضعه يدل على تكرار عملية السقوط، وكذلك صيغة الجمع في الفاعلين، تعطي نفس الناتج، فكثافة الدلالة ناتجة من التركيب ككل لا من بنية رد الأعجاز على الصدور.

اتساع بنية رد الأعجاز على السطور لتستغرق عدة أسطر
قد تتسع بنية رد الأعجاز؛ لتستغرق أكثر من سطر، لكن ذلك غالبا ما يكون مع التعامل بالجمل الشعرية، أكثر مما هو مرتبط بالأسطر فـ"فاروق شوشة" في "انتظار ما لا يجيء" أي: قصيدته المسماة بهذا يقول:
               وما نزال في انتظار شيء غامض
               قد لا يجيء

٢.٧ بنية رد الأعجاز على الصدور، وتحليل بعض نماذجها


"ما نزال" فالترابط الدلالي يعطي مؤشرًا على أنَّ التمام التعبيري، ينتهي بالطرف الثاني في بنية الرد، وهي "ما نزال" وهي مع الطرف الأول تكونان شكلا رياضيًا على النحو التالي: "ما نزال" زائد "ما نزال" يساوي استمرارية الانتظار، وأهمية بنية رد الأعجاز على الصدور هنا، أنها تقدم شكلا تعبيريًّا مفتوحًا، بحيث يتمكن المتلقي من إضافة جزء من الصياغة على النسق، الذي قرأه وأدركه. إذ إن تقدير الكلام بعد الطرف الثاني، يكون بإعادة ما سبقه، مرة ثانية أي: أن النسق التعبيري يصبح على النحو التالي: وما نزال في انتظار شيء غامض قد لا يجيء لكن التوقف التعبيري عند الطرف الثاني، هو الذي صنع تكرارًا ذهنيًّا يوازي التكرار الصوتي المنطوق به في النص، ومن هنا تتحقق المشاركة بين الشاعر والمتلقي، أو بمعنى آخر يتحقق وجود القارئ المبدع، أو القارئ الشاعر، الذي يشارك في عملية الصياغة نتيجة استدعائها له. وما كان من الممكن أن يتحقق كل ذلك لبنية رد الأعجاز على الصدور إلا؛ لأن النمط التعبيري كان متماسكًا في شكل جمل شعرية، تسمح بالتتابع الدلالي دون توقف عند منطقة دلالية محددة.