![]() |
إن أول ما نلحظه في هذا الصدد: أن التكرار في الشعر العربي القديم لا ينحصر كما يفهم من كلام ابن رشيق في تكرار الأسماء فحسب، بل إنه تجاوز الكلمة المفردة إلى الجملة، وإلى شطر كامل من البيت الشعري، كما ظهر في ما ذكرنا من نماذج، وكما سيتضح فيما بعد، وإن كان تكرار الأسماء هو الذي شاع أكثر من غيره. |
![]() |
وفي حالة تكرار الاسم لا تكاد تخرج دلالاته عما أشار إليه ابن رشيق، ولا بأس -حينئذ- أن نبني على فكرته السابقة ونعمقها بشيء من التفصيل والتحليل. |
![]() |
إن تكرار الشاعر لاسم معين في قصيدته -سواء أكان هذا الاسم علمًا على شخص أم علمًا على مكان- إنما يعكس طبيعة علاقته به، فهو تكرار لا يجري في الشعر الأصيل كيفما اتفق، بل ينبض بإحساس الشاعر وعواطفه. |
![]() |
يبدو ذلك جليًّا في قول قيس بن الملوح في تكراره لاسم ليلى، وذلك في قوله: أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني لك اليوم من وحشية لصديق ويا شبه ليلى لو تلبثت ساعة لعل فؤادي من جواه يفيق تفر وقد أطلقتها من وثاقها فأنت لليلى ما حييت عتيق فعيناك عيناها وجيدك جيدها ولكن عظم الساق منك دقيق |
| وشبيه بدلالة التكرار هنا دلالته في رثاء الخنساء لأخيها صخر إذ تقول: وَإِنَّ صَخرًا لَكافينا وَسَيِّدُنا وَإِنَّ صَخرًا إِذا نَشتوا لَنَحّارُ وَإِنَّ صَخرًا لَتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُ مع اختلاف الموقفين بطبيعة الحال، فهذا موقف حزن ورثاء، وذلك موقف حب وغزل، لكن يجمع الموقفين ذلك الارتباط الشعوري العميق بين الشاعر وذات أخرى إلى الحد الذي يبدو فيه غياب هذه الذات أو فراقها أمرًا لا يحتمل. وهكذا نلمح في تكرار الخنساء لاسم أخيها صخر رفضًا غير مباشر لموته، وتشبثًا غير واعٍ ببقائه حيًّا في عالم الأحياء يملؤها بالحركة والنشاط كعهدها به. |
|
![]() |
وقد يكون تكرار الاسم للدلالة على تحقير صاحبه، والذراية به، ووصمه بأقذع ألوان السباب، كما فعل جرير في بائيته المشهورة التي تسمى الدامغة أو الدماغة، والتي يهجو فيها الراعي النميري ومنها قوله: صلى الإله على نمير ولا سقيت قبورهم السحابا ولو وزنت حلوم بني نمير على الميزان ما وزنت ذبابًا فصبرا يا تيوس بني نميرفإن الحرب موقدة شهابًا فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابًا |
| حلوم (أي: عقول)، والقصيدة طويلة، وقد تكرر فيها اسم نمير أكثر من عشرين مرة، وليس لهذا الاسم في ذاته دلالة وضيعة يخجل منها من كان علمًا عليهم، بيد أن تكراره موصوفًا في كل مرة بأوصاف قبيحة متعددة، ساعد على ترسيخ الإحساس بضعته وحقارته في الأذهان، بحيث لا يكاد هذا الإحساس يزايل الإنسان وهو يقرأ القصيدة أو يسمعها.
لكن إلى جانب تكرار الكلمة المفردة الاسم في الشعر العربي القديم -بغية بث الدلالات السابقة- نجد تكرارًا لتراكيب لغوية كاملة خلافًا لما ذهب إليه ابن رشيق:
وأبسط صورة تأتي عليها هذه التراكيب هو الجملة، كما في قول الخنساء في رثاء أخيها صخر أيضًا: أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الجواد الجميل ألا تبكيان الفتى السيدا فقد كررت جملة "ألا تبكيان" ثلاث مرات في البيتين، وهو تكرار ينم عن إلحاح الحزن عليها وولهها الشديد؛ لفقد أخيها إلى الحد الذي تخاطب عينيها آمرة لهما بالبكاء بصيغة يمتزج فيها الحث بالزجر. |
![]() |
وقد يصل التركيب اللغوي الذي يكرره الشاعر إلى شطر كامل لبيت من الشعر، وربما يزيد على ذلك قليلًا. |
![]() |
ووظيفة هذا النمط من التكرار -كما يبدو من تأمل نماذجه-: أن الشاعر يتخذ من العبارة المكررة مرتكزًا يبني عليه في كل مرة معنى جديدًا؛ وبذا يصبح التكرار وسيلة إلى إثراء الموقف، وشحذ الشعور إلى حد الامتلاء. |
![]() |
ومن أبرز النماذج الدالة على ذلك: رثاء مهلهل بن ربيعة لأخيه كليب، فقد كرر فيه قوله "على أن ليس عدلًا من كليب" مرات كثيرة، ومن ذلك قوله: على أن ليس عدلًا من كليب إذا طرد اليتيم عن الجزور على أن ليس عدلًا من كليب إذا رجف العضاة من الدبور على أن ليس عدلًا من كليب إذا ما ضيم جيران المجير على أن ليس عدلًا من كليب إذا خيف المخوف من الثغور على أن ليس عدلًا من كليب إذا برزت مخبأة الخدور |
| قد تختلف بعض الروايات عن بعضها الآخر في ترتيب الأبيات، لكن يبقى نمط التكرار واحدًا، ومهلهل ينفي بالعبارة المكررة في المصراع الأول من كل بيت أي تماثل بين أخيه كليب وغيره من رجال الخصوم، ثم يقدم من رجال الخصم ثم يقدم في الشطر الثاني تصويرًا لحالة من الحالات التي ينعدم فيها التكافؤ، ويصل في النهاية بهذا النسق من التعبير إلى ما يريد من وصف أخيه بقوة البأس، ونفاذ الكلمة، وشهامة الفرسان، وهي أوصاف بقدر ما تحمل من دلائل الفخر وإعلاء الذكر لكليب تشف عن عمق الأسى، وهول الفجيعة لدى مهلهل بفقده. | |
![]() |
ومن هذا النمط من التكرار رثاء ابنة عم النعمان بن بشير لزوجها الذي أوردناه من قبل، ولا بأس من أن نعيد ذكره مرة أخرى، وذلك قولها: وحدثني أصحابه أن مالكًا أقام ونادى صحبه برحيل وحدثني أصحابه أن مالكًا ضروب بنصل السيف غير نكول وحدثني أصحابه أن مالكًا خفيف على الحداث غير ثقيل وحدثني أصحابه أن مالكًا صروم كماضي الشفرتين صقيل فقد ارتكزت الشاعرة كما فعل مهلهل على تكرار الشطر الأول في الأبيات جميعها؛ لتنطلق منه إلى تعداد مزايا زوجها الراحل بما ينطوي عليه ذلك من إحساس مفعم باللوعة والحزن. |
![]() |
وفي تجربة شعرية أخرى -من قبيل رثاء الزوجة لزوجها أيضًا- نرى نمطا مختلفًا من التكرار، جرى على لسان ليلى الأخيلية في رثائها لزوجها توبة بن الحمير، وهو من النماذج النادرة في الشعر العربي القديم، ولعله نموذج فريد في بابه؛ ذلك أن عدد أبيات القصيدة كما جاءت في كتاب ( أمالي المرتضى) ثلاثة عشرة بيتًا بنيت جميعها بأسلوب التكرار، لكنه لم يتخذ صيغة واحدة فيها، وإنما جاء في أربعة أنواع: |
![]() |
أولها: استغرق أربعة أبيات من أول القصيدة، هي قولها: لنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت صدور الأعالي واستشال الأسافل ونعم الفتى يا توب كنت ولم تكن لتسبق يومًا كنت فيه تحاول ونعم الفتى يا توب كنت لخائف أتاك لكي يحمى ونعم المجامل ونعم الفتى يا توب جارًا وصاحبً ونعم الفتى يا توبة حين تقاتل |
|
![]() |
ويعقب هذه الأبيات أربعة أخرى من نمط تكراري آخر، يتحد فيه الشطر الأول فيه كله وذلك قولها: لعمري لأنت المرء أبكي لفقده بجد ولو لامت عليه العوازل |
| لعمري أنت المرء أبكي لفقده ويكثر تسهيدي له لا أوائل لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ولو لام فيه ناقص الرأي جاهل لعمري لأنت المرء أبكي لفقده إذا كثرت بالملحمين التلاتل الملحمين المقصود: الملتحم وهو الذي أشرف على القتل، فكأنه جعل لحمًا، والتلاتل: الأمور العظام. |
||
![]() |
ويأتي بعد هذه الأربعة بيتان يتحد الشطر الأول من كل منهما، والكلمة الأولى من الشطر الثاني، تقول: أبى لك ذم الناس يا توب كلما ذكرت أمورًا محكمات كوامل أبى لك ذم الناس يا توب كلما ذكرت سماح حين تأوي الأرامل |
|
![]() |
ثم تختتم القصيدة بثلاث أبيات من الدعاء، تتماثل فيها معظم كلمات الشطر الأول في كل منها؛ إذ تقول: فلا يبعدنك الله يا توب إنما لقيت حمام الموت والموت عاجل ولا يبعدنك الله يا توب إنها كذاك المنايا عاجلات وآجل ولا يبعدنك الله يا توب والتقت عليك الغوادي المدجنات الهواطل المدجنات: السحائب المظلمة، الهواطل من هطل المطر: تتابع، وهطل الدمع: سال. |
![]() |
ولا يخفى على القارئ والمتلقي بعامة أن الشاعرة اتخذت من صيغة التكرار في الشطر الأول من كل بيت أساسًا بنت عليه دلالة مختلفة في شطره الثاني. ومع كل ما ذكرنا من تنويع في أسلوب التكرار في الشعر العربي القديم يمكن القول بأنه: ظل في أطر محدودة، سواء في أنماط بنائه أم في دلالاته، ولا سما إذا قسناه بما جاء في شعر الشعراء المحدثين، منذ ظهور جماعة "أبوللو"، والشعراء المهجريين، ثم مدرسة الشعر الجديد أو شعر التفعيلة أو كما شاع خطأ باسم الشعر الحر. فالقارئ لشعر جماعة أبوللو والمهجريين يلمس اعتماد هؤلاء وأولئك أو بعض منهم على الأقل على هذا الأسلوب في أشعارهم أكثر مما اعتمد الشعراء القدامى عليه، ويدرك تعدد صوره، وتنوع دلالاته أكثر من ذي قبل، ومن ثم تتقاصر دونه في كثير من الأحيان تنظيرات البلاغيين السابقة، فضلًا عن قصورها الذي أشرنا إليه. |
![]() |
ومن أنماط التكرار التي نراها عند هؤلاء الشعراء نمطان يشبهان النمطين اللذين رأيناهما لدى الشعراء القدامى، وهما: تكرار كلمة واحدة مرتين أو أكثر في بيت واحد أو عدة أبيات متوالية، وتكرار عبارة معينة في صدر مجموعة متوالية من الأبيات. ولا تخرج الدلالة الأساسية لهذين النمطين من التكرار عند هؤلاء الشعراء عما رأيناه فيما سبق من: تأكيد المعنى والإلحاح عليه، مع فارق بسيط، وأن الشاعر... |
| ...الحديث يكرر العبارة في صدر البيت أحيانًا لينطلق منها إلى تتبع جوانب المعنى الواحد أو استقصاء مظاهره المتعددة، كما يراها بعين خياله. | |
![]() |
ومن النوع الأول: تكرار أبي القاسم الشابي في قصيدته "إرادة الحياة" لكلمتي "الشتاء" و"السحر" عدة مرات مضافة كلتاهما في كل مرة إلى شيء مختلف فهو يقول: يجيء الشتاء شتاء الضباب شتاء الثلوج شتاء المطر فينطفئ السحر سحر الغصون وسحر الزهور وسحر الثمر وسحر السماء الشجي الوديع وسحر المروج الشهي العطر |
![]() |
ومن النوع الثاني: تكرار محمود حسن إسماعيل لعبارة "نسيت" في قصيدته "نهر النسيان" ما يزيد على عشرين مرة، نجتزئ هنا بذكر بعضها فحسب، وهي قوله: ونسيت الأنسام تنقل في المرج صلاة الطيور للغدران ونسيت النجوم وهْي على الأفق نشيد مبعثر الأوزان ونسيت الربيع وهْو نديم الشعر والطير والهوى والأماني ونسيت الظلام وهو أسى الأرض وتابوت شجوها الحيران |