٢.٦ اشتمال القرآن الكريم على أسلوب التكرار


إن هناك كثيرًا من الآيات القرآنية جاءت بأسلوب التكرار على تنوعه، ولم يحاول البلاغيون بعامة دراستها، واستبطان أسرارها، من ذلك مثلًا: تكرار آيتين ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )) [الشعراء: ٨، ٩] ثماني مرات في سورة الشعراء، وتكرار الآيات الثلاث التالية: ((إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء: ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩] تكرار هذه الآيات الثلاث في السورة نفسها خمس مرات، وتكرار آيتي ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر: ١٦، ١٧] متعاقبتين ثلاث مرات في سورة القمر، والفصل بينهما بآية أخرى في موضع واحد، وذلك قوله تعالى: ((فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)) [القمر: ٣٠- ٣٢].
هذا بالإضافة إلى ما يمكن أن نسميه بالتكرار المنقوص، وهو ذلك النمط من التكرار الذي يعتري العبارة المكررة فيه شيء من التغيير في بنائها أو في بعض مفرداتها.
ومثل هذا التكرار قوله تعالى في سورة البقرة: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) [البقرة: ١٣٦] مع قوله في سورة آل عمران: ((قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران: ٨٤].

٢.٦ اشتمال القرآن الكريم على أسلوب التكرار


كذلك قوله تعالى في سورة غافر: ((أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ)) [غافر: ٢١] مع قوله بعد ذلك في السورة نفسها: ((أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) [غافر: ٨٢].
لقد كان حريًا بالبلاغيين: أن يتأملوا هذه الآيات، وغيرها مما جاء بأسلوب التكرار ولا يتسع المقام لذكره، وأن يستثمروا إشارات السابقين وينموها، لكنهم لم يفعلوا. إلا أننا لا بد هنا أن نشير إلى محاولة تاج القراء محمود بن حمزة بن نصر الكرماني الذي يرجح أنه عاش في أواخر القرن الخامس الهجري وأوائل السادس، لقد حاول هذا العالم معالجة هذا الموضوع في كتاب أسماه (البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان) وقد حققه الأستاذ عبد القادر أحمد عطا، ونشره في عام ١٩٧٧، بعنوان آخر رأى أنه أدل على موضوعه، وهو: (أسرار التكرار في القرآن).
ومما قاله الكرماني في مقدمته: أنه يذكر فيه الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة، ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك مما يوجب اختلافًا بين الآيتين أو الآيات التي تكررت من غير زيادة ولا نقصان، ويبين السبب في تكرارها، والداعي إلى استخدام ذلك فيها دون الآية الأخرى، وهل كان ما في هذه السورة يصلح مكان...

٢.٦ اشتمال القرآن الكريم على أسلوب التكرار


...في هذه السورة يصلح مكان ما في السورة التي تشاكلها، غير أن ما قدمه الكرماني فعلًا -في ذلك الكتاب- لا يعدو أن يكون لمحات سريعة -فضلًا عن- أنه لا يعالج الموضوع في أغلب الأحيان بالرؤية الفنية التي ننشدها.