![]() |
خروجًا من الخلاف مع اللغويين المعاصرين في تحديد معنى التكرار أقول: إن المراد به هنا إعادة ذكر كلمة أو عبارة أو عدة جمل بلفظها ومعناها في موضع آخر أو مواضع متعددة من نص أدبي واحد. |
![]() |
ومن الحق: أن الالتفات إلى التكرار في النص اللغوي والنظر في دلالته ليس أمرًا جديدًا فقد سبق أن التفت إليه بعض البلاغيين والنقاد العرب القدماء في حدود ما انتهى إليهم من نصوص العربية شعرًا ونثرًا أو قرآنا وشعرًا على وجه التحديد. |
![]() |
ولعل ابن قتيبة المتوفى عام ٢٧٦ هـ كان من أوائل من تناولوا هذا الموضوع، حين تعرض لبيان أسلوب التكرار في بعض سور القرآن الكريم، كسورتي الكافرون والرحمن، ففي السورة الأولى يقول الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا الكافرين: ((لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)) [الكافرون: ٢- ٥] وفي السورة الثانية تكررت آية: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) على مدارها كلها تقريبًا، وقد قال ابن قتيبة في تفسير ذلك: إن هذا التكرار جار على مذاهب العرب، وإن الغرض منه التوكيد والإفهام، ويصدق ذلك في رأيه على عدد آخر من الآيات جاءت بأسلوب التكرار، كقوله تعالى: ((كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ)) [التكاثر: ٣، ٤] ثم قوله: ((فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً)) [الشرح: ٥، ٦] وقوله: ((أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)) [القيامة: ٣٤، ٣٥] وقوله: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ)) [االانفطار: ١٧، ١٨]. |
![]() |
واستشهد ابن قتيبة لرأيه ببعض أبيات من الشعر منها قول الشاعر: كم نعمة كانت لكم كم كم وكم |
|
![]() |
قول الآخر: هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أين |
|
![]() |
ويشرح ابن قتيبة موجب تأكيد المعنى بتكرار اللفظ الدال عليه في سورة الكافرون، فيقول: إن الكفار أرادوا مساومة الرسول -عليه السلام- بأن يعبد ما يعبدون ليعبدوا ما يعبد، وأبدأوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله -عز وجل- حسم أطماعهم، وإكذاب ظنونهم فأبدأ وأعاد في الجواب. | |
![]() |
ثم يشير إلى وجه آخر لدلالة التكرار في هذه السورة يذهب فيه إلى أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة، وإنما كان ينزل مفرقًا على حسب الوقائع، فكأن المشركين لما طلبوا من الرسول أولًا أن يعبد آلهتهم ليعبدوا إلهه أنزل الله -عز وجل- قوله ((لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)) ثم غبروا مدة من الزمان -يعني مكثوا مدة من الزمان- وجاءوه فقالوا له: اعبد بعض آلهتنا يومًا أو شهرًا أو حولًا، ونعبد إلهك يومًا أو شهرًا أو حولًا، فأنزل الله تعالى: ((وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ)) أي: إن كنتم لا تعبدون إلهي إلا بهذا الشرط، فإنكم لا تعبدونه أبدًا. |
![]() |
ويقول ابن قتيبة عن التكرار في سورة الرحمن: إن الله -سبحانه وتعالى- عدد في هذه السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خصلة وصفها أتبعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين؛ ليفهمهم النعم ويقررهم بها. |
![]() |
وبالمثل أيضًا يقول صاحب (آمالي المرتضى): فأما التكرار في سورة الرحمن فإنما حسن للتقرير بالنعم المختلفة المعددة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها قرر عليها، ووبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك الأموال؟ ألم أحسن إليك بأن خلصتك من المكاره؟ ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا؟ فيحسن منه التكرار لاختلاف ما يقرره به. |
![]() |
إلا أن ثمة سؤالًا مهما يرد في هذا المقام، وقد ذكره صاحب (الآمالي) بقوله: إذا كان الذي حسن التكرار في سورة الرحمن ما عدده من آلائه ونعمه، فقد علل في جملة ذلك ما ليس بنعمة، وهو قوله: ((يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ)) [الرحمن: ٣٥] وقوله: ((هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)) [الرحمن: ٤٣، ٤٤] فكيف يحسن أن يقول بعقب هذا: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) وليس هذا من الآلاء والنعم؟ |
![]() |
وقد أجاب الشريف المرتضى عن هذا السؤال بقوله: الوجه في ذلك: أن فعل العقاب -وإن لم يكن نعمة- فذكره ووصفه والإنذار به من أكبر النعم؛ لأن في ذلك زجرًا عما يستحق به من العقاب، وبعثًا على ما يستحق به الثواب، فإنما أشار بقوله تعالى: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) بعد ذكر جهنم والعذاب فيها إلى نعمته بوصفها والإنذار بعقابها وهذا مما لا شبهة في كونه نعمة. |
![]() |
وقد حذا أبو هلال العسكري المتوفى عام ٣٩٥ هـ حذو ابن قتيبة، ونقل كلامه مع شيء من الاختصار، وليس لهم من إضافة تذكر سوى استشهاده لرأيه في أن التكرار في سورة الرحمن لتنوع المتعلق استشهاده بشطرين من الشعر، تكرر كل منهما في القصيدة التي ورد فيها مرات كثيرة، أحدهما: قول مهلهل على الليث "عدلا من كليب"، والآخر: قول الحارث بن عباد: "قربا مربط النعامة مني" فتكرار هذين الشطرين في رأيه للغرض نفسه، وثمة إضافة أخرى، هي: جعله التكرار صورة من صور الإطناب في الكلام. |
![]() |
ويبدو أن ابن رشيق القيراوني المتوفى عام ٤٥٦ هـ كان أكثر البلاغيين والنقاد العرب القدامى التفاتًا إلى هذه الظاهرة، وحديثًا عنها، فقد خصص لها بابًا كاملًا في كتابه (العمدة) سماه باب التكرار، أجل إنه صرف جهده فيه إلى الحديث عن التكرار في الشعر فحسب، ولم يحظَ القرآن الكريم إلا بإشارة سريعة إلى آية سورة الرحمن السابقة: ((فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)) وعذره في ذلك: أن الكتاب موقوف على دراسة الشعر وحده صناعة ونقدًا، كما ينطق بذلك عنوانه (العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده) وليس معنى ذلك: أن ابن... |
| ...رشيق قام باستيعاب أساليب التكرار في الشعر العربي حتى عصره، فالواقع: أنه لم يتناول كل أنماط التكرار، وإنما قصر كلامه على تكرار الكلمة المفردة، بل على نوع منها فقط، هو الاسم -علمًا كان أم غير علم- دون أن يعنى بتحديد موقعه في الجملة من كونه مسندًا إليه أو مسندًا أو غير ذلك.
أما تكرار الجملة أو التركيب الذي يتألف من جملتين أو أكثر فلم يلتفت إلى أي منهما، وليس لتكرار الاسم عند ابن رشيق دلالة واحدة، وإنما تتعدد وتتنوع تبعًا لتعدد المواقف وتنوعها، فالشاعر يكرر اسمًا معينًا، إما على سبيل التشوق والاستعذاب، إذا كان في مقام النسيب، كقول امرئ القيس: ديار لسلمى عافيات بذي الخال ألح عليها كل أسحم هطال وَتَحسِبُ سَلمى لا تَزالُ تَرى طَلّاً مِنَ الوَحشِ أَو بَيضاءً بِمَيثاءِ مِحلالِ وَتَحسِبُ سَلمى لا نَزالُ كَعَهدِنا بِوادي الخُزامى أَو عَلى رَسِ أَوعالِ ليالي سليمى إذ تريك منضددا وجيدا كجيد الرئم ليس بمعطال |
![]() |
ويقول ابن رشيق: إن تكرار الاسم قد يكون للتنويه بصاحبه، والإشادة بذكره، إن كان المقام مقام مدح، كقول الشاعر: ولائمة لامتك يا فيض في الندى فقلت لها لن يقدح اللوم في البحر أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر كأن وفود الفيض يوم تحملوا إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر |
|
مواقع جود الفيض في كل بلدة مواقع ماء المزن في البلد القفر فتكرير اسم الممدوح "الفيض" تنويه به، وإشادة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع. وقد يكون تكرير الاسم على سبيل التقرير والتوبيخ، هكذا يقول ابن رشيق، ويذكر مثالًا لذلك قول بعضهم: إلى كم وكم أشاء منكم تريبني أغمض عنها لست عنها بذي عم |
||
![]() |
ويضيف إلى ذلك: أن التكرار للأسماء قد يكون على سبيل التعظيم للمحكي عنه، أو الوعيد والتهديد في مقام العتاب الموجع أو الحزن والتوجع في مقام الرثاء والتأبين، أو التشهير وشدة التوضيع في حال الهجاء وهكذا. وأحسب أن الدكتور أبو موسى تأثر في المعاني التي ذكرها لتكرار المسند إليه والمسند بما ذكره ابن رشيق لتكرار الأسماء هنا. واستشفاف ابن رشيق لتلك الدلالات والاستشهاد لها بنماذج من الشعر يدل من غير شك على امتلاكه لحس فني جيد. ومن حق ابن رشيق أن نشيد بما قرره في أول كلامه من حسن التكرار حينًا وقبحه حينًا آخر، فتلك نقطة تحسب له وتشهد بفطنته وحسن تذوقه، حيث يقول: وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعاني، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعًا فذلك الخذلان بعينه. فتلك نقطة تحسب له، وتشهد بفطنته فعلًا، وإن كنا نلاحظ: أنه لم يشر إلى أساس فني يمكن الاستناد إليه أو الاستئناس به في هذا المجال، حتى فيما وصفه بأنه تكرار قبيح أو معيب، كأبيات ابن الزيات التي يقول فيها: |
|
أتعزف أن تقيم على التصابي فقد كثرت مناقلة العتاب إذا ذكر السلو عن التصابي نفرت من اسمه نفر الصعاب وكيف يلام مثلك في التصابي وأنت فتى المجانة والشباب سأعزف إن عزفت عن التصابي إذا ما لاح شيب بالغراب ألم ترني عذلت على التصابي فأغرتني الملامة بالتصابي |
||
![]() |
فقد علق عليها بقوله: "فملأ الدنيا بالتصابي على التصابي لعنة الله من أجله" فقد برَّد به الشعر، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعدُ به عروض البيت. فما يستفاد من هذا التعليق أن إكثار الشاعر من ترديد كلمة التصابي بالإضافة إلى وقوعها في موضع واحد في كل الأبيات هما السبب في استهجان التكرار، والحكم عليه بأنه معيب. وأظن أن هذا التعليل لا يمس النقطة الحساسة في الموضوع، وأننا نقترب كثيرًا من روح الفن حين نقول: إن منشأ ثقل التكرار هنا هو فقدان الكلمة المكررة لأي دلالة شعورية خاصة يستجيب لها وجدان المتلقي ويتجاوب بها مع إحساس الشاعر، وسواء بعد ذلك: أقل تكرار الكلمة أم كثر، وإن كان الإكثار يزيد من الإحساس بثقلها وبرودتها. |
![]() |
تبقى قضية تقسيم التكرار إلى تكرار للألفاظ دون المعاني، وتكرار للمعاني دون الألفاظ، وتكرار للفظ والمعنى جميعًا: فهو -في رأينا- تقسيم عقلي يدل على إيمان ابن رشيق بأن لكل من اللفظ والمعنى كيانه المستقل، وأنهما لهذا قد يتكرران معًا، وقد يتكرر أحدهما دون الآخر، والحق أن تكرار اللفظ دون المعنى لا يندرج تحت التكرار بالمفهوم الذي نتحدث عنه، والذي يعرفه أهل البلاغة، وقد أشرنا إليه في البداية، وإنما هو ظاهرة أخرى معروفة في البلاغة العربية تسمى "الجناس"، ولا ينبغي الخلط بين الظاهرتين. |
![]() |
وعلى أية حال: فإن ابن رشيق لم يذكر نموذجًا لهذا النوع.
أما تكرار المعاني دون الألفاظ فيمثل له بقول امرئ القيس: فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل فالبيت الأول -في رأيه- يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن يذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله "شدت" مثل قوله "علقت بأمراس كتان". ولنا وقفة عند هذين البيتين، نوضح فيها أولًا: معاني بعض الكلمات الغامضة، ثم نبدي وجهة نظرنا في ما ذهب إليه ابن رشيق. أغار الحبل: فتله فتلًا شديدًا محكمًا فهو مغار، ويذبل: جبل في نجد، والثريا: ستة نجوم ظاهرة، وبينها كواكب خفية كثيرة العدد، وهي جميعًا تسمى "النجم" جعلوه كالعلم لها، ومصام النجم: معلقه ومكانه في السماء، والأمراس: جمع "مرسة" وهو الحبل الشديد الفتل، والصم: جمع أصم وهو الصلب، والجندل: الصخور العظام الشداد. |
![]() |
أما ما قاله ابن رشيق من: أن البيتين يتفقان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ فقد ذهب العلامة محمود شاكر -رحمه الله- إلى أن: كلا البيتين يختلف عن الآخر، وأن امرأ القيس في البيت الأول رمى إلى غير ما رمى في الثاني، وهي نظرة ثاقبة نؤيده فيها؛ لأنها تنبني على أن أي اختلاف في الألفاظ أو التركيب بين عبارتين يتفقان في أداء معنى عام ينشأ عنه بالضرورة اختلاف ما في الدلالة. فإذا أنعما النظر في البيتين تبين لنا: أن تقييد النجوم بالجبل يحول بينها وبين أن تتحرك أي قدر من الحركة؛ لضخامة الجبل وشدة رسوخه في حين أن تقييدها بالصخور يسمح بقدر -ولو ضئيلًا- من الحركة؛ لأنها مهما كانت ضخمة لن تبلغ حجم الجبل. نحن -إذن- ممن يرون أن المعنى -وبخاصة في الشعر وما كان على شاكلته من فنون القول- لا يتكرر بحذافيره دون تكرار اللفظ، اللهم إلا إذا كان المراد بالمعنى حينئذ المعنى في أصله المجرد، أو الغرض من الكلام، فذلك الذي يصدق عليه أنه يأتي مكررًا دون أن يكون اللفظ الدال عليه مكررًا، أما إذا أريد بالمعنى كل ما يحمله الكلام من دلالات معجمية أصلية، وأخرى هامشية، وما يشعه من إيحاءات بحكم السياق والبناء اللغوي للعبارة فلا يمكن أن يتكرر دون تكرار اللفظ الذي يعبر عنه. | |
![]() |
أما قول ابن رشيق: إن تكرار اللفظ والمعنى هو الخذلان بعينه؛ فهو يحتاج إلى مزيد من التأمل والتفكير؛ لأننا لو أخذناه على ظاهره لبدا كلامه متناقضًا. العبارة -إذن- بحاجة إلى تفسير يتوافق مع رأيه في القول بوجود تكرار حسن وآخر قبيح، والذي نراه مرادًا هنا: التكرار الذي ليس له أي وظيفة دلالية أو فنية، مثل تكرار كلمة "التصابي" في أبناء ابن الزيات السابقة. أما التكرار الآخر: فهو في ظاهره تكرار للفظ والمعنى؛ لكنه في الواقع له في كل موقع وظيفة جديدة، لهذا يكون تكرارًا حسنًا. |
| وعلى الرغم من هذا يبقى تناول ابن رشيق في جملته لأسلوب التكرار تناولًا متميزًا بين أقرانه من النقاد والبلاغيين العرب القدماء، ومن المؤسف أن علماء البلاغة المتأخرين الذين أتوا بعده في القرن الخامس الهجري والقرون التالية لم يفيدوا منه شيئًا في دراستهم لهذا الموضوع، وآثروا السير على درب أبي هلال العسكري، الذي سبقه بما يزيد على نصف قرن من الزمان. |
![]() |
فهذا الخطيب القزويني أبرز البلاغيين المتأخرين وأوسعهم تأثيرًا في الدراسات البلاغية -حتى العصر الحديث- يعد التكرار صورة من صور الإطناب -كما فعل أبو هلال- ويشير إلى الغرضين الذين ذكرهما من قبل صراحة أو ضمنًا، ويستشهد بما استشهد به من آيات قرآنية، ثم يضيف غرضين آخرين ليسا بذي أهمية كبيرة: |
![]() |
أحدهما: زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، كما في تكرار عبارة ((يَا قَوْمِ)) في قوله تعالى ((وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)) [غافر: ٣٨، ٣٩]. | |
![]() |
والآخر: طول الكلام كما في قوله تعالى: ((ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) [النحل: ١١٩] وقوله: ((ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) [النحل: ١١٠] ففي كلتا الآيتين تكرر "إن" مع "اسمها" لطول الفاصل بينهما وبين الخبر. |
![]() |
ومع اقتفاء الخطيب لأثر أبي هلال في هذا الأسلوب لم يلتفت إلى الشعر، بل إنه لم يشر إلى البيتين اللذين ذكرهما أبو هلال، وقد قنع بعض الدارسين المحدثين بما ذكره الخطيب القزويني، على حين أضاف بعضهم عدة أغراض أخرى، وهي: |
![]() |
قصد الاستيعاب، كقولك: قرأت الكتاب بابًا بابُا. | |
![]() |
والتلذذ بذكر المكرر، كقول مروان بن أبي حفصة: سقى الله نجدا والسلام على نجد ويا حبذا نجد على القرب والبعد وكإظهار التحسر، كقول الشاعر يرثي معن بن زائدة: فيا قبر معن أنت أول حفرة من الأرض خطت للسماحة مضجعًا ويا قبر معن كيف واريت جوده وقد كان منه البر والبحر مترعًا |