 |
إن الالتفات إلى التكرار في النص اللغوي والنظر في دلالته ليس أمرًا جديدًا فقد سبق أن التفت إليه بعض البلاغيين والنقاد العرب القدماء في حدود ما انتهى إليهم من نصوص العربية شعرًا ونثرًا أو قرآنا وشعرًا على وجه التحديد، ولعل ابن قتيبة المتوفى عام 276 هـ كان من أوائل من تناولوا هذا الموضوع، حين تعرض لبيان أسلوب التكرار في بعض سور القرآن الكريم، وقد قال ابن قتيبة في التكرار في سورة (الكافرون) وسورة (الرحمن): إن هذا التكرار جار على مذاهب العرب، وإن الغرض منه التوكيد والإفهام.
|
 |
إن هناك كثيرًا من الآيات القرآنية جاءت بأسلوب التكرار على تنوعه، ولم يحاول البلاغيون بعامة دراستها، واستبطان أسرارها، من ذلك مثلًا: تكرار آيتين ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )) [الشعراء: ٨، ٩] ثماني مرات في سورة الشعراء، وتكرار الآيات الثلاث التالية: ((إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء: ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩] تكرار هذه الآيات الثلاث في السورة نفسها خمس مرات، لقد كان حريًا بالبلاغيين: أن يتأملوا هذه الآيات، وغيرها مما جاء بأسلوب التكرار.
|
 |
إن التكرار في الشعر العربي القديم لا ينحصر في تكرار الأسماء فحسب، بل إنه تجاوز الكلمة المفردة إلى الجملة، وإلى شطر كامل من البيت الشعري، وإن كان تكرار الأسماء هو الذي شاع أكثر من غيره، وإن تكرار الشاعر لاسم معين في قصيدته -سواء أكان هذا الاسم علمًا على شخص أم علمًا على مكان- إنما يعكس طبيعة علاقته به، فهو تكرار لا يجري في الشعر الأصيل كيفما اتفق، بل ينبض...
|