![]() |
استخدم أولئك الشعراء أنماطًا أخرى، وإن شئت قلت: نمطًا واحدًا يتنوع في داخله، فسمته الأساسية أن العبارة المكررة فيه لا تأتي تباعًا في أبيات متوالية على نحو ما نرى في النمط السابق، بل تتباعد مواقعها، لكنه تباعد يجري على نسق ثابت؛ لذا يسوغ أن نطلق عليه اسم التكرار المنتظم، أو تكرار التقسيم كما تسميه نازك الملائكة. وفي إطار هذا النمط تتمثل وحدة التكرار أحيانًا في بيت كامل من الشعر يتردد مرتين فقط في مقطوعة قصيرة، إحداهما: في بدايتها، والأخرى: في نهايتها. |
![]() |
وأكثر ما يكون ذلك في القصائد المكونة من عدد من المقاطع أو المقطوعات التي يستقل كل منها بتصوير فكرة أو خاطر لكل منها استقلاله الذاتي، لكنها في الوقت نفسه جزء من بناء متكامل، وفي هذه القصائد تسير المقطوعات جميعًا وفق نظام التكرار الثنائي، مع اختلاف البيت المكرر من مقطوعة إلى مقطوعة، ووظيفة التكرار حينئذ إحكام الربط بين طرفي المقطوعة الواحدة، وكلما كانت المقطوعات أشبه بالتنويعات على فكرة واحدة كان ذلك أجود للتكرار وأعون على تماسك القصيدة وترابط أجزائها. |
![]() |
ومن النماذج الجيدة لهذا اللون وقد نوهتْ بها نازك الملائكة قصيدة "الطمأنينة" "لميخائيل نعيمة" فهذه القصيدة تلح على فكرة أساسية هي إحساس الشاعر بالأماني والسكينة والسلام الروحي، ومن ثم لا يكترث بما من شأنه أن يثير الهلع في نفسه أيًّا كان مصدره، ومهما كانت قوته وجبروته، والشاعر يتعقب على مدار المقطوعات التي تتألف منها القصيدة مختلف قوى الطبيعة التي يحس إزاءها الإنسان... |
| ...بالرهبة والخوف؛ ليطوق كلًّا منها بما يعد حصنًا له من بطشها، وبذلك تتكامل مقطوعات جميعًا وتتضافر على إبراز المعنى الذي ينشده، هذا فضلًا عن الارتباط الوثيق بين البيت المكرر والأبيات الأخرى في كل مقطوعة على حدة، ويمكن القول بأن جميع المقطوعات يقوم بناؤها الفني على عنصر التضاد، فثمة طرفان متقابلان كلاهما يدافع الآخر ويصارعه ويغالبه، ومن خلال التكرار يوحي الشاعر بغلبة أحد الطرفين. | |
![]() |
ففي المقطوعة الأولى مثلًا: يتمثل أحد الطرفين المتصارعين في قوى الطبيعة العاتية من الرياح والمطر والغيوم والرعود، أما الطرف الآخر فهو بيت سقفه من حديد ودعائمه من حجر، فهو حصن مادي صلب يقوى على مجابهة القوى السابقة، وعلى جنباته تتحطم أخطارها، وقد كرر الشاعر البيت الدال على هذا الطرف في أول المقطوعة وخاتمتها موحيًا بهذا التكرار، بمحاصرة عوامل القلق حصارًا محكمًا، وانتصار الأمن على الخوف، وهكذا جاءت المقطوعة على النحو التالي: سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر واسبحي يا غيوم |
|
واهطلي بالمطر واقصفي يا رعود لست أخشى خطر سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر |
|
![]() |
كذلك تبدأ المقطوعة الثانية وتنتهي ببيت واحد هو قوله: من سراجي الضئيل أستمد البصر |
![]() |
وهذا يدل دلالة واضحة على اعتماد الشاعر على نور البصيرة وشفافية الوجدان، ولا عليه بعد ذلك من القوى السلبية لعناصر النور الطبيعية في الوجود، فليقبل الليل وليحل الظلام وليختفي الفجر وليذهب النهار ولتنطفئ النجوم، فلن يرتاع قلبه ولن ترتعد فرائصه؛ لأنه يسير في هدي من مصادر النور العليا آمنًا من مخاطر الطريق وعثراته، وعلى هذا النحو يكون تكرار البيت السابق في مطلع المقطوعة وخاتمتها أشبه بالسياج الذي يحول دون تأثير قوى الظلام، وهذا هو نص المقطوعة بتمامها: |
|
أستمد البصر كلما الليل جاء والظلام انتشر وإذا الفجر مات والنهار انتحر فاختفي يا نجوم وانطفئ يا قمر من سراجي الضئيل أستمد البصر. |
| ومن ألوان التكرار المنتظم لون آخر تتكرر فيه كلمة أو عبارة معينة في جميع مقطوعات القصيدة الواحدة خلافًا للون السابق، بحيث يمكن وصف وحدة التكرار حينئذ بأنها لازمة، ومن نماذج هذا اللون تكرار نازك الملائكة لكلمة "غرباء" عقب كل مقطوعة من مقطوعات... |
| ...قصيدتها التي اتخذت من تلك الكلمة عنوانًا لها، وقد جاء في مقطوعتها الأولى: أطفئ الشمعة واتركنا غريبين هنا نحن جزآن من الليل فما معنى السنا يسقط الضوء على وهمين في جفن المساء يسقط الضوء على بعض شظايا من رجاء مللًا نحن هنا مثــل الضياء غرباء |
|
![]() |
ولها قصيدة أخرى بعنون "الأعداء غرباء" جرت فيها على هذا النسق من التكرار، ولعل قصيدة "الطلاسم" لإيليا أبي ماضي، من أبرز نماذج هذا اللون وأكثرها ذيوعًا، ولازمتها المكررة هي عبارة "لست أدري" ولنقتبس عدة مقاطع من هذه القصيدة لنتبين فيها استخدامه لهذه اللازمة، يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت وسأبقى ماشيًا إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت كيف أبصرت طريقي |
![]() |
ثم يقول في المقطع الثاني: أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود هل أنا حر طليق أم أسير في قيود هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود أتمنى أنني أدري ولكن لست أدري |
|
![]() |
وفي المقطع الثالث يقول: وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير أم كلانا واقف والدهر يجري لست أدري |
![]() |
وفي المقطع الرابع يقول: ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين أتراني كنت أدري أنني فيه دفين وبأني سوف أبدو وبأني سأكون أم تراني كنت لا أدرك شيئًا لست أدري |
|
![]() |
وبقدر ما تمثل اللازمة في هذا النسق بعامة من أنساق التكرار المنتظم ارتباطًا متجددًا بالفكرة المركزية التي تدور حولها القصيدة، أو الإحساس المحوري الذي يستقطبها، يشعر القارئ أحيانًا بالتعسف في استخدامها، وأنها -على حد وصف القدماء- نابية في موضعها مستكرهة في مكانها، وكأنما اضطر الشاعر إلى ذلك اضطرارًا؛ خضوعًا لمنهج الأداء الذي التزم به من البداية، ومن ثم فإنها لا تمثل ختامًا طبيعيًّا ينسجم مع المقاطع التي سبقتها، ويزيدها غنىً، بل فضولًا لا ضرورة فنية تستدعيه، ومن ذلك قول أبي ماضي المقطع الخامس من قصيدته السابقة: |
|
أتراني قبل ما أصبحت إنسانًا سويًّا أتراني كنت محوًا أم تراني كنت شيًّا أم لهذا اللغز حل أم سيبقى أبديًّا لست أدري ولماذا لست أدري لست أدري |
||
![]() |
وكما تأتي اللازمة في خواتيم مقطوعات القصيدة الواحدة أو مقاطع القصيدة الواحدة، تأتي أيضًا في مطالعها كما في قصيدة "أغنية الجندول" لعلي محمود طه، فقد استهل كل مقطع من مقاطعها السبعة ببيت واحد هو قوله: أين من عيني هاتيك المجالي عروس البحر يا حلم الخيال ولا يختلف الأمر في هذه الحال عما سبق، إلا من حيث إن إيراد اللازمة في ختام المقطوعة يجعلها بمثابة النقطة التي توضع في نهاية عبارة مكتوبة تم معناها، على حين أن إيرادها في مطلعها يجعلها إيذانًا بتفريع جديد لمعنى القصيدة. |
![]() |
وقد يلجأ بعض الشعراء إلى إحداث تغيير يسير في اللازمة من مقطوعة لأخرى؛ استجابة لتيار الشعور الذي يسري في التجربة الشعرية بالدرجة الأولى، ويتبع ذلك بالضرورة التخفيف من أثر الإحساس بالرتابة الذي ربما يتسرب إلى نفس المتلقي؛ نتيجة تكرار عبارة واحدة بشكل مضطرد طوال القصيدة، ونموذج هذا قصيدة محمود حسن إسماعيل "خمر الزوال" هي تبدأ هكذا: بين الحقيقة والخيال إني شربت على يديك مع الهوى خمر الزوال |
![]() |
ويرد التكرار في ختام المقطع على النحو التالي: لا تتركيني زلة في الأرض تائهة المتاب إني شربت على يديك مع الهوى خمر العذاب. |
![]() |
وعلى الرغم من هذا التنوع في استخدام الشعراء المحدثين لأسلوب التكرار، فإن التطور الكبير حقًّا في استخدامه واستغلال إمكاناته حتى تحول إلى تكنيك فني من تكنيكات القصيدة الحديثة كان على أيدي المبرزين من شعراء شعر التفعيلة، أو كما يقال: الشعر الحر، فقد استخدمه هؤلاء على نطاق واسع وبأشكال أكثر تنوعًا، ودلالات أغزر وأعمق، وساعدهم على ذلك طبيعة القالب الموسيقي لهذا اللون من الشعر، وما يتميز به من مرونة وتحرك، ويكفي لإدراك أثر هذه الحقيقة أن نشير إلى ما هو معروف في الشعر العمودي أو الشعر الجاري على وزن الخليل من ضرورة تجنب تكرار القافية قبل سبعة أبيات، فإذا حدث هذا التكرار كان عيبًا، وهو ما يعرف عند الخليل باسم "الإيطاء" لكن الأمر قد تغير في الشعر الحر أو شعر التفعيلة كما ينبغي أن يسمَّى، فقد تحرر من القافية أصلًا، ومن ثم سقط هذا القيد بالتبعية وأصبح لا معنى له، بل إننا نرى البيت كله في كثير من الأحيان هو القافية، والقافية هي البيت، وترتب على ذلك جواز وقوع التكرار في أي مكان من البيت والقصيدة جميعًا، ولا يعني ما قلناه عن التطور الكبير في استخدام أسلوب التكرار على أيدي المجيدين من شعراء شعر التفعيلة والثراء العظيم لدلالته توقُّف هؤلاء الشعراء عن استخدامه في أداء بعض الدلالات التي استخدمها فيه الشعراء المحافظون، فذلك غير مقصود بالطبع، وإنما نعني إضافة مزيد من التشكيلات اللغوية والدلالات الفنية لما كان معروفًا من قبل، وهكذا نجد في شعر التفعيلة بعض أساليب التكرار التي تشابه نظائرها في الشعر العمودي، كذلك الذي يكثف إحساسًا معينًا؛ لأنه... |
| ...يمثل مركز الثقل في وجدان الشاعر، سواء أكان هذا الإحساس إحساسًا بالحب، أم إحساسًا بالبغض، فمن النوع الأول تكرار كلمة "حبيبي" في قصيدة صلاح عبد الصبور "أغنية حب" إحدى عشرة مرة، حظي المقطع الأول منها بأوفى نصيب إذ وردت فيه وحده سبع مرات، فهو يقول: وجه حبيبي خيمة من نور شَعر حبيبي حقل حنطة خدَّا حبيبي فِلقتا رمان نهدا حبيبي طائران توأمان أزغبان حِضن حبيبي واحة من الكروم والعطور الكنز والجنة والسلام والأمان قرب حبيبي |
|
![]() |
إن هذا التكرار يشبه إلى حد كبير تكرار شعراء الغزل العذري قديمًا لأسماء من يحبون، كما رأينا في شعر قيس بن الملوح، مع ملاحظة الاختلاف في طبيعة التجربة بين الشاعرين. |
![]() |
ويبدو النوع الثاني في تكرار صلاح عبد الصبور أيضًا عبارة "سأقتلك" في قصيدته "إلى جندي غاصب" وقد تكررت العبارة ثماني مرات، فافتتحها بها في بيت مستقل، وختمها بها أيضًا لكن في جزء من بيت هو قوله: "من قبل أن تقتلي سأقتلك" وبين البداية والنهاية تتردد على امتداد القصيدة ست مرات أخرى مقترنة بهذه العبارة الفظة "من قبل أن أغوص في دمي أغوص في دمك" للتعبير عن مدى تغلغل الإحساس بالكراهية في وجدان الشاعر لذلك الجندي الغاصب الذي استباح حرمة الوطن في العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦. |
![]() |
ولعلنا نقول أيضًا إن تكرار هذه العبارة بما تحمله من تهديد وإصرار على الانتقام يذكرنا بتكرار الحارث بن عباد قديمًا لعبارة "قربا مربط النعامة مني". فإذا ذهبنا نستجلي الآفاق الجديدة لاستخدام الشعراء المعاصرين لأسلوب التكرار وجدناهم قد انتجعوا أرضًا لم تطأها أقدام أسلافهم من الشعراء، فجاءت أنماط تعبيرهم بكرًا طازجة بكل معنى البكارة والطزاجة، من ذلك مثلًا: استخدامهم وسيلة لحكاية صوت أو حركة كما فعل بدر شاكر السياب في قصيدته المشهورة "أنشودة المطر" إذ كرر كلمة "مطر" في ثمانية مقاطع تتابعت في ست منها ثلاث مرات، وتتابعت مرتين في مقطوعتين، وهي في كلا الحالين تستقل وحدها بسطر شعري، وتكرار الكلمة على هذا النحو يحكي وقع قطرات المطر المتساقطة على الأرض، وقد نستشف إلى جانب ذلك بداية أخرى هي الحفاظ على استمرارية توازي الخيوط في نسيج التجربة الشعرية، فالمطر له دلالة حسية هيأ لها الشاعر مهادها في القصيدة، وله دلالة أخرى رمزية: هي الخصب ووفرة العطاء، ثم يأتي الخيط الثالث ليتوازى مع هذين الخطين ويناقضهما في الوقت نفسه، ويستمر هذا التوازي من خلال التكرار، أما وجه التناقض فيكمن... |
| ...في المفارقة المحزنة بين تمتع الأفاقين والعملاء بخيرات البلاد في الوقت الذي يتجرع فيه أبناؤها المخلصون الأوفياء مرارة الحرمان، حتى اضطر كثيرون منهم إلى الهجرة والرحيل إلى البلاد المجاورة؛ طلبًا للقوت والتماسًا للرزق: وينثر الخليج من هباته الكثار على الرمال رغوه الأجاج والمحار وما تبقى من عظام بائس غريق من المهاجرين ظل يشرب الردى من لجة الخليل والقرار وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق من زهرة يربها الفرات بالندى وأسمع الصدى يرن في الخليج مطر مطر مطر |
![]() |
ومن هذا القبيل أيضًا تكرار نازك الملائكة لكلمة "الموت" في قصيدتها "الكوليرا" التي نعت بها ضحايا هذا الوباء من المصريين في عام ١٩٤٧ فقد كرّرت هذه الكلمة ثلاث مرات متوالية في كل مقطع من مقاطع القصيدة الأربعة، ومن ذلك مثلًا قولها في المقطع الأول: في كل مكان روح تصرخ في الظلمات في كل مكان يبكي صوت هذا ما قد مزقه الموت الموت الموت الموت فتكرار كلمة "الموت" على هذا النمط في المقطع السابق وفي سائر المقاطع التالية يحاكي وقع سنابك الخيل وهي تجر عربات نقل الموتى من ضحايا وباء الكوليرا الذي اجتاح الريف المصري في أواخر الأربعينات، فضلًا عن دلالته على تزايد أعداد الضحايا وطغيان أنباء الموت وفواجعه على كل مظاهر الحياة في ربوع البلاد. |
![]() |
ويقدم الشاعر يوسف الخال صورة حية لتلاشي صدى الصوت في غابة مخيفة باستخدام أسلوب التكرار أيضًا؛ إذ يكرر عبارة "لا باب" كاملة مرتين يعقبهما ذكرها منقوصة في المرة الثالثة والأخيرة، وكأنما أراد الشاعر بهذا أن تكون عبارته ترجيعًا لخفوت الصدى وتلاشيه بالتدريج: الغابة يملؤها الرعب حين يجوع بها ذئب وأنا المفتاح ولا باب لا باب |
![]() |
ثم يأتي السطر الأخير مكونًا من "لا" وبعدها نقطتان، و"باء" وبعدها نقطتان، كأن ذلك يرسم صدى الصوت؛ لأن صدى الصوت يأتي في المرة الأولى مكتملًا يردد الصوت كاملًا ثم يتلاشى بالتدريج.
وتارة يستخدم التكرار لرسم صورة حسية بإيحاءاتها ودلالتها الشعورية، نلمح ذلك في تصوير أحمد عبد المعطي حجازي لقسوة الحياة في المدينة بالقياس إلى بساطتها في الريف أو في القرية يقول: يا ويله من لم يصادف غير شمسها غير البناء والسياج |
| فتكرار كلمتي "البناء" و"السياج" يرسم أمام عيني القارئ صورة لجدران متراصة وأسوار منيعة يتوالى أحدها في إثر الآخر، بما يوحيه ذلك من وقوف الحواجز المادية حائلًا بين إنسان المدينة والاتصال المباشر بالطبيعة الفطرية النقية، والانطلاق الحر في آفاقها الرحيبة، وبما يوحيه أيضًا من تبرم وضيق بقيود المدينة الصارمة وماديتها الطاغية وجفافها من العواطف الإنسانية الدافئة. | |
![]() |
وبالمثل يستغل أدونيس علي أحمد سعيد أسلوب التكرار لرسم الصورة أيضًا مستعينًا في ذلك ببعض الأصوات في الكلمة المكررة، وذلك في قوله: أعرف أن المها يطول أعرف أن شعرها يطول أعرف أن سرها يطول فكلمة "يطول" بتشكيلها الصوتي المشتمل على حرف مد يقتضي طول النفس في نطقها، وبتكرارها ثلاث مرات متوالية يرتسم معنى الطول ويتمثل في الذهن. |
![]() |
وإذا كان استخدام أسلوب التكرار لرسم صورة معينة بإيحاءاتها ودلالاتها قد اعتمد في النماذج التي تقدمت على وحدة التكرار نفسها، فإن بعض الشعراء استطاع أن يرسم الصورة، ويمنحها دلالتها بالاعتماد على موقع العبارة المكررة في القصيدة، كما نرى عند محمد إبراهيم أبو سنة في قصيدته "النبوءة مخبوءة في الدماء" فقد استهلها بقوله -يخاطب مصر: |
|
تنامين بين الرماح وتحت السيوف وقلبك معتقل في النزيف |
|
![]() |
وفي سياق تصويره بعد ذلك لموقف دعاة الاستسلام للواقع والرضا بالقدر المقسوم إبان هزيمة مصر عام 1967 حتى يحين موعد قدوم النصر، يكرر الشاعر نفس الأبيات أو نفس السطور وكأنه يشير من طرف خفي بتكرارها في ذلك المكان بعينه إلى أن الاستكانة للواقع الأليم انتظارًا لهبوط النصر من السماء دون تهيئة الجو المناسب والأخذ بالأسباب الصحيحة لتحقيقه لن يغير من الأمر شيئًا، وسوف نظل عند نقطة البداية لا نجاوزها، وهو بقاء مصر بين مخالب العدو الشرس يستنزف دماءها ويجمد حركة الحياة فيها. |
![]() |
ومن الوظائف الفنية الطريفة التي استُخدم لها التكرار في شعر التفعيلة اتخاذه أداة لتصوير حالة نفسية دقيقة، أو مجرى اللاشعور من إنسان مأزوم، ففي أغلب الأحيان يتعلق وعي الإنسان في لحظات المحن والأزمات النفسية والعاطفية بكلمة معينة استدعاها وعيه من الماضي، أو طرقت ذهنه في التو واللحظة، وكأنما تهبط بعد ذلك إلى اللاشعور، وتبقى حبيسة فيه فترة من الزمن لتطفو إلى الوعي بين الحين والحين، ويتردد صداها مسموعًا في الأعماق بمناسبة وبغير مناسبة، مهما بدا من انصراف الإنسان إلى عمله اليومي وانشغاله حواسه الظاهرة بأمور الحياة وشئون العيش فيها. |
![]() |
ومن النماذج الشعرية الدالة في هذا المقام قصيدة نازك الملائكة "الخيط المشدود في شجرة السرب" فهي تصور لحظة مأساة في قصة حب؛ إذ تلقى الحبيب الذي ذهب إلى بيت حبيته مشتاقًا إلى رؤيتها يعيش بخياله حلم اللقاء السعيد المرتقب بينه وبينها، تلقى نبأ وفاتها فجأة وبلا سابق إنذار، وبلهجة حاسمة لا تقبل التأويل: إنها ماتت، عبارة قصيرة صكت سمعه وهوت به في دوامة من الحزن والاضطراب والتشتت، وتداعى إليها سيل من الخواطر السوداء والصور الخيالية المقبضة، وجرى تيار الشعور حاملًا هذه وتلك، واستطاعت الشاعرة أن تتمثل الموقف بطاقتها الفنية المبدعة، وأن تترجمه في قصيدتها سالفة الذكر، وحسبنا أن نقتبس منها المقطع التالي؛ ليوضح ما قدمناه: إنها ماتت صدى يهمسه الصوت مليًّا وهتاف رددته الظلمات وروته شجرات السرو في صوت عميق إنها ماتت وهذا ما تقول العاصفات إنها ماتت صدى يصرخ في النجم السحيق وتكاد الآن أن تسمعه خلف العروق |
![]() |
وقد أطلقت نازك الملائكة على هذا اللون من التكرار اسم "التكرار اللاشعوري" وهو أحد أنواع ثلاثة للتكرار في رأيها، والنوعان الآخران هما: التكرار البياني، وتكرار التقسيم، ومع تقديرنا الشديد لرأي نازك الملائكة وحسها الفني والنقدي يبدو لنا أن هذا التقسيم لا يقوم على أساس واحد من الشكل أو الوظيفة والدلالة بل خلط بينهما، فالنوعان الأول والثالث تنبع التسمية فيهما من دلالة التكرار ووظيفته، على حين أن تسمية النوع الثاني ترتكز على الجانب الشكلي لأسلوب التكرار، لذا آثرنا عدم اللجوء إلى عملية التقسيم من البداية اكتفاءً بتوصيف كل نمط عرضنا له من هذا الأسلوب وبيان دلالته الفنية في السياق. على أننا نرى أسلوب التكرار موظفًا هذه الوظيفة السيكلوجية التي أشرنا إليها في قصيدة نازك الملائكة، نراه موظفًا لدى بدر شاكر السياب أيضًا في قصيدة له بعنوان "نهاية" حيث بنى المقطع الثاني منها على عبارة تحمل معنى التضحية الكاملة والوفاء النادر، يبدو أن فتاة أحبها ناجته بها في ساعة من ساعات انتشائها للحب واستسلامها لخدره اللذيذ، ثم تغير بها العهد وقطعت علاقتها به، وهذه العبارة هي: سأهواك حتى تجف الأدمع في عيني وتنهار أضلعي الواهية، وربما تكون هذه التجربة الشعرية من وحي خيال الشاعر وليست تجربة واقعية عاشها بنفسه، وعلي أي حال فالمعول عليه هو النص الشعري ذاته، إلا أن استخدام السياب للتكرار هنا يختلف عن استخدام نازك الملائكة له في قصيدته المشار إليها من قبل،فمنهجه أكثر حداثة وأقرب إلى منهج كتاب القصة الحديثة الذي يعتمدون على تيار الوعي في بناء قصصهم، وأبرز ما يميز هذا التكنيك أن السياق اللغوي فيه لا يكتمل بل ينقطع، وتعترضه فكرة من هنا وخاطر من هناك بطريق التداعي الحر الذي يُفلت من رقابة الوعي وتوجيهه، وقد صنع السياب شيئًا قريبًا من ذلك، وإن كان من الملاحظ أن الصور التي قطع بها السياق تكثف إحساسًا واحدًا... |
|
...هو الشعور بالإحباط والخيبة والسخرية اللاذعة من نفسه، التكرار هنا إذن لا تتم فيه إعادة العبارة المعينة برمتها، بل يعيد الشاعر بعضها فقط، وقد يتكرر هذا البعض عدة مرات "سأهواك" حتى وقد يطول قليلًا فيصبح "سأهواك" أو "سأهوى" بدون الضمير، وهكذا تتأرجح الكلمات في وعي الشاعر بين الظهور والاختفاء تأرجحًا غير منتظم، وليس له نسق ثابت من البداية إلى النهاية، وكأن هذا الوعي ما إن يثوب إلى الماضي مصغيًا إلى صوت الحبيبة وهو يردد العهد الذي قطعته له على نفسها من قبل، حتى يسارع الواقع البغيض ليزاحمه ويقطع عليه الطريق، ويلقي إليه بخاطر مختلف أو صور مغايرة، فينقطع الصوت عند النقطة التي كان قد بلغها من العبارة، سواء في نهاية الجملة أم في منتصفها، وتبدأ الدورة من جديد، فيتم الاستدعاء وتحدث المقاطعة، (سأهواك حتى) وهذه العبارة بين قوسين، وبعدها نقطتان، ثم عبارة "نداء بعيد" ويأتي السطر الثاني: تلاشت على قهقهات الزمان بقاياه في ظلمة في مكان وظل الصدى في خيالي يعيد ثم تتكرر العبارة "سأهواك حتى سأهوى" هذه العبارة بين قوسين، وبعدها كلمة "نواح" كأن السطر مكتملًا هو "سأهواك حتى سأهوى نواح" السطر الذي بعده "كما أعول في الظلام الرياح" تعود العبارة مرة أخرى "سأهواك حتى" بين علامتي تنصيص، وبعدها كلمة يا للصدى أصيخي إلى الساعة النائية "سأهواك حتى" العبارة بين علامتي تنصيص، وبعدها بقايا رنين تحدين دقاتها العاتية "سأهواك" العبارة... |
| ...بين علامتي تنصيص، ما أكذب العاشقين سأهوى، عبارة ناقصة ليس فيها الضمير، وبعدها نعم تصدقين. | |
![]() |
ويعد تكرار مقدمات القصائد في خواتيمها سمة بارزة في الشعر الحر أو شعر التفعيلة، ومن أكثر ألوان التكرار شيوعًا فيه، ولعل أدنى وظائف هذا النمط أنه يعمل على ترابط القصيدة الجديدة وتماسك بنائها من الناحية الشكلية على الأقل، فهو تعويض إلى حد ما عن وحدة الوزن والقافية التي تمثل عنصر رباط مادي بين أبيات القصيدة التقليدية، ولسنا بحاجة إلى تأكيد القول بضرورة وقوع هذا التكرار في موقعه، وألا يكون بمثابة قشة واهية يتعلق بها الشاعر حين تخور قواه المبدعة، وينبهر منه النفَس، فتلك قاعدة أساسية لكل ألوان التكرار. |
![]() |
ونستطيع أن نرصد نموذجين أساسيين لهذا النوع: أحدهما تكرار سطر شعري أو عدة أسطر من مقدمة القصيدة في خاتمتها بنفس الترتيب ودون أدنى تغيير، وما أشبه ذلك بالسيمفونية التي يبدؤها الموسيقار بلحن معين ثم تتنوع الألحان وتتناغم بعد ذلك؛ ليأتي لحن الختام عودًا على بدء، نرى ذلك في قصيدة أحمد عبد المعطي حجازي "قصة الأميرة والفتى الذي يكلم المساء". |