![]() |
أي: كمال الاتصال وكمال الانقطاع: وقد ذكروا أن الوصل -أعني: عطف الجملة على الجملة- يقتضي مناسبة بين الجملتين، وقد حللوا هذه المناسبة تحليلًا دقيقًا، وكشفوا عن مناحي الربط بين المعاني في دراسة الجامع الذي هو المناسبة، وانتفعوا انتفاعًا رائعًا بعلوم عصرهم في تحليل قوى النفس، وبحث التداعيات العقلية والخيالية والوهمية، ومعطيات البيئة العامة، ومردودات الاهتمامات الفردية على قوى النفس، وكيف تختلف الصور تبعًا لاختلاف الاهتمامات، وإن كان غرض الكلام واحدًا، فترى في كلام الكاتب والزارع والنساج والحداد ما يُشير إلى صناعته، مما انعكس في نفسه من عادات الحِرفة وشمائلها، وهكذا يكون الكلام عصارة النفس فيه طعمها ولونها وريحها، وقد أبدع السكاكي في هذا. |
![]() |
والمهم في سياقنا: أن المناسبة المسوغة لعطف الجملة على الجملة يجب أن تتوفر في المسند والمسند إليه في الجملتين؛ وهذا إجماع، ويجب أن تتوافر أيضًا في المتعلقات وهذا رأي الجمهور. |
![]() |
يقول عبد القاهر: اعلم، أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول، فلو قلت: زيد طويل القامة، وعمر شاعر كان خلفًا، فلو قلت: زيد طويل القامة وعمرو شاعر كان خلفًا؛ لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة والشعر. |
![]() |
وإنما الواجب أن يقال: زيد كاتب، وعمرو شاعر، وزيد طويل القامة ،وعمرو قصير، وجملة الأمر أنها لا تجيء؛ حتى يكون المعنى في هذه الجملة لَفقًا لمعنًى في الأخرى، ومضامًّا له، مثل: أن زيدًا وعمرًا إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما شاكل ذلك مضمومةً في النفس إلى الحال التي عليه الآخر من غير شك؛ وكذلك السبيل أبدًا، والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلتَ مثلًا: العلم حسن والجهل قبيح؛ لأن كون العلم حسنًا مضمومًا في العقل إلى كون الجهل قبيحًا. |
![]() |
وهذا هو الذي قرره المتأخرون، وذكروا أن من محسنات الوصل أن تتفق الجملتان في الفعلية أو الاسمية، إلا إذا كان هناك مقتض يقتضي الاختلاف. |
![]() |
ومن أحسن الوصل تناسقًا وتلائمًا قوله تعالى: ((يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)) [الحج: ٦١] وقوله: ((وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ)) ((إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)) [الانفطار: ١٣- ١٤] وقوله: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا)) [الأعراف: ٣٣]. |
![]() |
ومما اقتضى فيه سياق المعاني مخالفةَ هذا المستوى من التلاؤم قوله تعالى: ((يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً)) [النبأ: ١٨ – ٢٠] جاء بصيغة الماضي في الأخيرين، وكأن الزمان قد انفلت كله ومضى، ووقعت هذه الأحداث العظام ورأى الناس أهوالها، ثم هو يعرضها عليهم ثانية قصةً من الخبر، وحدثًا من التاريخ، وفي هذا ما فيه. |
![]() |
ومنه قوله تعالى: ((يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم)) اقتضى المعنى اسمية الجملة المعطوفة؛ للدلالة على أن مضمونها دائم ثابت. |
![]() |
وهكذا تتأمل الجمل المتعاطفة تجد بينها هذا القدر الضروري من التناسب أو الجامع بين طرفي الجملتين. |
![]() |
خذ قول علي: "كفى بالعلم شرفًا أنه يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل خمولًا أنه يتبرأ منه من هو فيه، ويغضب منه إذا نسب إليه، والقول الحسن لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكَّر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه فإن هم بالكلام تكلم له أو عليه" وقول المتنبي: إذا غدرت حسناء وفَّت بعهده فمن عهدها ألا يدوم لها عهد وإن عشقت كانت أشد صبابة وإن فركت فاذهب فما في فركها قصد وإن حقدت لم يبق في قلبها رضًا وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد كذلك أخلاق النساء وربما يضل بها الهادي ويخفَى بها الرشد |
![]() |
العطف في كل هذا -كما تراه- متلائم الأطراف، متناغم الأجزاء، ولا أريد أن أبين ذلك؛ لأنه ظاهر. |
![]() |
وقول المتنبي: "كذلك أخلاق النساء" من الفصل الذي يأتي مؤكدًا لمضمون الكلام السابق، وقوله: "فاذهب" أي: لا تطمع في حبها، وقد عاب العكبري هذه اللفظة. |
![]() |
وقد اهتم البلاغيون بضرورة إبراز التناسب أو الجامع بين طرفي الكلام المتعاطف، ونبهوا إلى ما خفي منها، واستعانوا بوجوه من المعرفة غير اللغوية والأدبية؛ لإدراك خوافي نسق الكلام. |
![]() |
يقول الزمخشري في قوله تعالى: ((أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)) [الغاشية: ١٧- ٢٠] فإن قلت: كيف حسُن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟! قلت: قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم، فانتظم الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم، ولم يدعُ مَن زعم أن الإبل هي السحاب إلى قوله هذا إلَّا طلب المناسبة. |
![]() |
وينبه الزمخشري إلى المناسبة الخافية بين طرفي الجملتين في قوله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ)) [الرحمن: ٥، ٦] يقول: فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ قلت: إن الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر. |
![]() |
وكمال الانقطاع في قسمه الثاني يعني: ضياع هذه المناسبة اللازمة بين طرفي الجملتين على حد ما رأينا، وهذا لا يعني تبتير الكلام وتنافر الجمل، والذين يهاجمون هذا المصطلح أو فقدان الجامع يُغفلون هذه الحقيقة، ويتوهمون أن عدم الجامع يعني: جمع أشتات من الجمل لا رابط بينها البتة، وهذا مما لا يقع فيه أمثال هؤلاء العلماء، وهم من أعرف الناس بأسرار اللسان، وطبائع الكلام. |
![]() |
وَلْنَدع مناقشة أمثال هذا القول، وَلْنمضي في الكلام بأن قوله: بين قوله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)) والكلام السابق عليه وهو قوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) [الرحمن: ١- ٤] بين هذين الكلامين "كمال انقطاع" لضياع المناسبة الخاصة، ولكن الرباط المعنوي والعلاقة الجامعة بينه وبين الكلام السابق لا ريب فيها، ومن التكلف أن نبين صفة الشمس والقمر بحسبان، وما بعده بذكر الرحمن الذي انتظمت مظاهر قدرته: خلق الإنسان الذي علمه البيان، وإحكام حركة الشمس والقمر وضبطها بحسبان. |
![]() |
الجمل المتشاردة لا يجمعها قرن واحد عطفتَ أو لم تعطف، وكيف تقوم في النفس معاني متغايرة كل منها مجلوب من وادي بعيد؛ ذِكرُ الجمل التي ليس بينها جامع معنوي مظهر من مظاهر الاضطراب في الحس والتفكير، والناس جميعًا في هذا سواء، فلا تسمع أحدًا يقول: يكثُر المطر في المناطق الساحلية، وتُجبر الصلاة بسجود السهو، ويخطئون من يعتقدون أن اليهود يسالمون العرب، وقد وُلد عيسى من غير أب، واختلف النقاد في شعر أبي تمام... إلى آخر أمثال هذه الملتقطات، هي فاسدة عطفت أو لم تعطف، وهي أشبه بكلام الحمقى والمغيبين من حيث فقدان تناسقها، وإن اختلفت عنه من حيث صحة قضاياها. |
![]() |
وقد عاب البلاغيون والنقاد العرب الشعرَ المتباتر المعاني، مثل قول المتنبي يمدح مِساور بن محمد الرومي: جللًا كما بي فليك التبريح أغذاء ذا الرشأ الأغنِّ الشيح |
![]() |
فثَمة تباعد كبير بين المعنى في الشطرين، وإن كان القاضي الجُرجاني قد حاول إيجاد مسوغٍ لقبول البيت على هذا النحو، وتبرئته من عيب التنافر أو عدم الائتلاف بين شطرين. |
![]() |
وَلْنَعد إلى هذا البيت؛ لنوضح معناه، ولا بد من شرح بعض المفردات -أولًا-: "فالجلل" الأمر العظيم، وقوله: "كما بي" خبر مقدم للفعل الناقص "فليكن" و"التبريح" الجهد والمشقة، و"الرشأ" ولد الظبي، و"الأغن" الذي في صوته غُنَّة وهو من أوصاف الظباء، و"الشيح" نبات طيب الرائحة؛ ومعنى البيت: ليكن تبريح الهواء عظيمًا مثلما حلَّ بي، وإلا فلا، ثم قال: أتظنون غذاء من فعل بي هذا الفعل الشيح شأن مثله من ظباء الصحراء؟ إنما غذاؤه قلوب العشاق ينحلهم ويهزلهم فيورثهم هذا التبريح. |
![]() |
كذلك عاب البلاغيون والنقاد مَن جهِل وجه الخلوص من شيء إلى شيء، من احتجاج إلى وعيد، ومن اعتذار إلى إنذار، ومن فنون من الأمر شتى مختلفة تتآلف بشريف النظم، وتتقارب بعلي الضم، كما يقول الباقلاني. |
![]() |
كذلك نبهوا إلى ضرورة أن تكون فصول الكلام متناسبة المسموعات والمفهومات، حسنة الاطِّراد، غير متخاذلة النسك، غير متميز بعضها عن بعض، التميز الذي يجعل كل بيت كأنه منحاز بنفسه لا يشمله وغيره من الأبيات بِنْيةٌ لفظية ومعنوية، يُنزل بها منزلة الصدر من العجُز، أو العجز من الصدر. |
![]() |
ومصطلح: "كمال الانقطاع، وفقدان الجامع" يكاد يكون من وضع عبد القاهر؛ لأنه قال في تلخيص كلامه: فَتَرْكُ العطف يكون إمَّا: للاتصال إلى الغاية، أو للانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين فاعرفه. |
![]() |
وقد أحسن السيد الشريف حين ذكر أن ثمة جامعًا بين أطراف الكلام ذكرت الواو أو لم تذكر، وأنها حين تسقط يَجِدُّ العقل في التقاط المشابهات بين المعاني، والجمع بين أطراف الكلام، وحين تذكر الواو فهي الجامعة، قال: الجملتان إذا لم تعطف إحداهما على الأخرى فهم اجتماع مضمونيهما في الحصول بدلالة العقل، ضرورةَ أن الأمور الواقعة في نفس الأمر تكون مجتمعة فيها، وربما لا تكون هذه مقصودة للمتكلم، وإذا عُطف بالواو فقد دل على الاجتماع بدلالة لفظية مقصودة. |