...٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول
٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول وجوب الفصل بين الجملتين المختلفتين
مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل
 |
نأتي إلى الحديث عن مصطلح آخر أو عن مفهوم آخر يتردد في باب: "الفصل والوصل" وهو "كمال الانقطاع" وذلك هو الموضع الرابع والأخير من مواضع الفصل.
|
 |
وقد ذكر البلاغيون أن كمال الانقطاع يتحقق في صورتين:
|
|
 |
الصورة الأولى: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط.
|
|
 |
والصورة الثانية: ألا يكون بين الكلامين جامع يُصحح العطف؛ لأن العطف لا بد له من مناسبة معينة بين طرفي جملتين، وما يتعلق بهما؛ أما اختلاف الجملتين خبرًا وإنشاءً فذلك كثير، وهو بين يديك، حيث تقرأ كلامًا مبينًا من شعر أو نثر: منه قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)) [الأنعام: ٩٩] أيضًا قوله تعالى: ((بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ )) [الأنعام: ١٠١] وقوله: ((وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)) [الأنعام: ١٠٥- ١٠٦].
|
...٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول
٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول وجوب الفصل بين الجملتين المختلفتين
 |
وفي الشعر ما لا يُحصى، والاستشهاد له تكلف؛ والمهم أن الجمل المختلفة خبرًا وإنشاء نراها أكثر ما نراها في الكلام مفصولةً، ولا يجوز عندنا أن يعلل فصلها بهذا؛ لأنه تعليل لا يحلل الأسلوب، ولا يقف على ما بينه من روابط، مع أننا نجد الروابط متينة وحية بين هاتين الجملتين، ويتحقق فيهما ما يتحقق في غيرهما، فقد يكون الإنشاء توكيدًا للخبر أو العكس، وقد تكون إحداهما واقعةً موقع الجواب عن الأخرى، أو ما شئتَ مما تراه في الجمل الخبرية.
|
 |
وعلاقات المعاني بين الجمل لم تتأثر بأن هذه خبر وتلك إنشاء، وإنما هما سواء من ناحية أنساب المعاني، وقد جَرَينا على ذلك فيما عرضناه من شواهد.
|
 |
وأوضح ما يؤيد ذلك: أن مثل قوله تعالى: ((وَلا تصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)) [التوبة: ١٠٣] ومثله وهو كثير، نقول فيه: إن الجملة المؤكدة موصولة بالتي قبلها؛ لأنَّها واقعة موقع الجواب، ونقول: إن بينهما "كمال انقطاع" فتوصف مرة بـ"كمال الانقطاع" ومرة بـ "شبه كمال الاتصال" والنظرة الأولى نظرة صِناعية لا تفيد في تَفهُّم الكلام، وتذوق علاقاته؛ بخلاف النظرة الثانية.
|
...٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول
...٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول
...٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول
إذن: هناك باب يسمى باب: "ضم جمل مسوقة لغرض" والواو الواقعة بين الخبر والإنشاء من هذا الباب، وليست هي كل هذا الباب، وهذا هو ما ذهبنا إليه؛ وباب "الضم" هذا هو الاستئناف بالواو، ولا عليك إذا أُلحقت به الفاء التي يسميها النحاة "فاء الاستئناف" والفرق بينهما: أن الواو تجمع قصة على قصة، أعني: مضمون كلام أو جمل مسوقة لغرض، والفاء تُرتب قصة على قصة أي: مضمونًا على مضمون.
...٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول
٢.١٦ مفهوم كمال الانقطاع بين الجمل، واختلاف أقوال العلماء حول وجوب الفصل بين الجملتين المختلفتين
 |
وَلْنَدعْ قول الخطيب، وفي هذا الكلام نظر لا يخفى على المتأمل، وحسبنا أن نستمد منه أمرين: |
الأمر الأول
أن الزمخشري يرى ضرورة المشاكلة في الخبر والإنشاء، وهذا صريح قوله السابق: ليس الذي اعتُمد بالعطف هو الأمر حتى يُطلب له مشاكل؛ وفي كلام عبد القاهر إشارة سابقة إلى هذا، فقد ذكر: الخبر لا يعطف على الاستفهام.
الأمر الثاني
وهو المهم: أن الواو التي ذكر الزمخشري أنها لعطف القصة على القصة عدَّها ابن ُهشام واوَ استئناف، ونستطيع أن نخطوَ بعد ذلك خطوة واحدة في هذا الاتجاه، فنقول: إن الواو التي يسميها النحاة "واو الاستئناف" هي لعطف مضمون كلام على مضمون كلام آخر، أو عطف قصة على قصة، سواء كانت بين الخبر والإنشاء، أم بين خبرين أو إنشاءين؛ وهذه الخُطوة المهمة والتي تحل إشكال الاستئناف بالواو الذي طالما نشب في حلوقنا لم تبعد عن كلام الأئمة، وإنما هي تحجل حول قول العلامة الشيخ عمر بن عبد الرحمن صاحب (الكشف) في تعليقه على كلام صاحب (الكشاف): إنه من باب ضم جمل مسوقة لغرض إلى أخرى مسوقة لآخر، والمقصود بالعطف: المجموع، وشرطه: المناسبة بين الغرضين.