![]() |
يقول عبد القاهر: ومن المواضع التي يطِّرد فيه حذف المبتدأ: القطع والاستئناف، يبدءون بذكر الرجل، ويقومون ببعض أمره، ثم يدَعون الكلام الأول، ويستأنفون كلامًا آخر، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ، وقد سبق الحديث عن هذه النقطة في سياق كلامنا عن حذف المسند إليه. |
![]() |
ومما ساقه عبد القاهر في هذا الصدد قول القائل: وعلمت أني يوم ذا ك منازل كعبا ونهدا قوم إذا لبسوا الحديـ ـد تنمروا حَلقًا وقدًّا |
![]() |
وقوله: هم حلُّوا من الشرف المعلّ ومن حسب العشيرة حيث شاءوا بُناة مكارم وأساة كلم دماؤهم من الكَلَبِ الشفاء |
![]() |
وقول الآخر: رآني على ما بي عُميلة فاشتكى إلى مَالِهِ حالي أسر كما جهر غلام رماه الله بالخير مقبلًا له سيمياء لا تشق على البصر |
![]() |
البيت الأول من قول عمرو بن معديكرب، يحرك النفس إلى معرفة أكثر عن كعب ونهد، فيأتي قوله: قوم إذا لبسوا الحدي ................... استجابة لهذا الداعي. |
![]() |
وكذلك قول أبي البُرش القاسم بن حنبل المُري: هم حلُّوا من الشرف المعلّ .................. |
![]() |
يثير أشواقَ النفس إلى معرفة المزيد من أخبار هؤلاء الذين هذه أوصافهم، فيقف الكلام، ويستأنف إخبارًا جديدًا عنهم، وذلك قوله: بُناة مكارم وأُساة كلم .................... إلى آخر البيت. |
![]() |
والأمر كذلك في البيتين الأخيرين: رآني على ما بي عميلة فاشتكى ................ إلى آخرهما. |
![]() |
أول البيتين يثير تطلع النفس إلى معرفة ما يمكن أن يكون "عميلة" قد قدمه إلى الشاعر بعد أن شاهد رثاثة حاله، وهنا يأتي البيت الثاني؛ ليكون بمنزلة الجواب عن هذا السؤال؛ وأما قوله: "مقبلًا: فمعناه: في إقبال شبابه: "غلام رماه الله بالخير مقبلًا" أي: في إقبال شبابه كما قلت. |
![]() |
ومثله قول القائل: سأشكر عمرًا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذ النعل زلت |
![]() |
البيت الأول: يلفت إلى معرفة المزيد من خبر عمرو الذي جلت "أياديه" عند الشاعر؛ حتى ليظلّ ذاكرًا لها "وإن تراخت منيته" ثم يأتي قوله: "فتى غير محجوب الغنى عن صديقه" كأنه استجابة لهذا. |
![]() |
وقول كُثير: وهل بثينة يا للناس قاضيتي ديني وفاعلة خيرًا فأجزيها؟ تَرنو بعيني مهاة أقصدت بهما قلبي عشية ترميني وأرميها هَيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ريا العظام بلا عيب يرى فيها من الأوانس مكسال مبتلة خود غذاها بلين العيش غاذيها |
![]() |
لا شك أن الحديث عن بثينة في البيتين الأولين يثير سؤالًا فيأتي جواب هذا السؤال في البيت الثالث وما بعده، وهكذا كان قوله: "هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة" مفصولًا عن الجملة التي سبقته؛ لأن الكلام الذي سبقه قد أثار نفسه، وألهب مشاعره، فاستأنف حديثًا عنها جيَّاشًا كما ترى. |
![]() |
وشبه كمال الاتصال الذي نتحدث عنه هو الذي يسمى: "الاستئناف البياني" ومعنى الاستئناف فيه: أنه استئناف جواب، وليس ابتداء كلام منقطع عن سابقه، كما يشعر بذلك لفظ الاستئناف. |
![]() |
واستئناف الجواب هذا يتم به الكلام المنبثق من الجملة السابقة التي هي كالأم لهذه الجملة؛ ولذلك تراها لا تستقل وإن طالت وتكاثرت فروعها وامتدت، فلا تكون محورًا وأصلًا في الكلام، أو جذرًا من جذور معانيه ينبني عليه غيره. |
![]() |
وكان الزمخشري واضح الإدراك لهذه الحقيقة، فقد ذكر أن قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)) [البقرة: ٦] مقطوع عما قبله من ذِكر الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، ولم يعطف عليه على حد قوله تعالى: ((إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)) [الانفطار: ١٣- ١٤]؛ وذلك لأن الفكرة الأم في الكلام السابق لم تكن: ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب)) [البقرة: ٣] فيُشبه بهذه الآية، وإنما محور المعنى الأول أو جذره هو: ((الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ)) [البقرة: ٢] والذي هو: |
![]() |
ثم انبثق منه حديث عن الذين آمنوا بطريق هذا الاستئناف، وذلك أنه لمَّا قيل: هدى واختص المتقون بأن الكتاب لهم هدى اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصون بذلك؟ فوقع قوله: ((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب)) [البقرة: ٢] كأنه جواب لهذا السؤال المقدر. |
![]() |
وهكذا تولد الحديث عنهم مما سبق، فكان ذلك إدراجًا له في حكمه، ودمجًا له، فلم يصلح أن يكون جناح كلام في مقابلة خبر الذين كفروا على حد: ((إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)). |
![]() |
وكما تجد الجملة في هذا الاستئناف تستدعي جملة فتتولد منها، كذلك تجد الغرض من أغراض الكلام يستدعي غرضًا آخر فيتولد منه، وحينئذٍ لا يقع الاستئناف البياني على جملة، وإنما يقع على جملة من الجمل تطول أو تقصر حسب وفائها بالغرض المستدعي، وتجدك في هذه الحالة بين جزأين كبيرين من أجزاء الكلام تتعاون فيه الجمل الأولى التي قد تطول أو تقصر، فتحرك النفس نحو موقف جديد، وتستشرف بها أفقًا آخر من آفاق المعاني والبواعث، هنا تولدها جملة من الكلام، وهذا مذهب واسع في الكلام. |
![]() |
وأكثر الأغراض المستأنفة التي نقول فيها: إن الكلام بدأ يطرق بابًا جديدًا من أبواب المعاني ترجع إلى هذا النوع، وهو شائع جدًّا في القرآن، وقد بني أكثر الكلام عن المقابلة، فهذا حديث الجنة يعقبه حديث النار، وهذا ذكر للذين آمنوا وعملوا الصالحات يعقبه ذكر للذين كفروا وعملوا السيئات، وهذا مبني على ما نحن فيه، واستدعاء هذه المعاني بعضها بعضًا ظاهر وجهه، وفي تناسل الأغراض هذا كما في تناسل الجمل أغراض فرعية، قد يطول بها الكلام، ويكون الوفاء بها وفاءً وتمامًا للغرض الذي استدعاها، وقد يتولد من الغرض... |
| ...الفرعي غرض آخر، وحينئذٍ نحتاج إلى الموهبة التي تنظم هذا التداعي، وتكف منه ما يجب أن ينكف مما لا يكون داخلًا في جوهر الموضوع، والاستطراد انفلات من هذا الضبط. | |
![]() |
وتتبع كل ذلك في الأساليب محتاج إلى صبر وبصيرة؛ لأنه كشف عن جذور المعاني، ورجوع بالفروع إلى الأصول، وقد سبق القول بأن: المعاني في الكلام الحي الحافل تتوالد، وتطول، وتشتجر، وتلتف حتى تلتبس وتختلط، إلا على بصير بطرائقها، كثير المراجعة لها ولأقوال العلماء فيها. |
![]() |
ونعود إلى الموضوع الأساسي، وهو: الجملتان اللتان يكون بينهما شبه كمال اتصال، من حيث إن علاقة الثانية بالأولى علاقة الجواب بالسؤال - كما قدمنا- ونضيف -إلى ما قلنا-: أن الجملة الواقعة موقع الجواب قد تأتي بالواو أو بالفاء، وحينئذٍ تخرج عن كونها مُنزَّلة منزلة الجواب؛ لأنها لا تكون كذلك إلا إذا كانت مفصولة، وهذه الصور كثيرة، من ذلك في الشعر ما أنشده الأخفش لشامر بن الحارس الضبي: أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عِمو ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم نحسد الإنس الطعاما لقد فٌضلتم بالأكل فينا ولكن ذاك يعقبكم سقاما |
![]() |
ودخول الفاء على قوله: "فقلت" "فقال" "فقلت" يجعل الكلام مركبًا بعضه على بعض، وليس متوالدًا بعضه من بعض كما لو كان بدونها، ولو أنه جاء بالواو لآذَنَ باستقلال الكلام من غير أن يشير إلى ترتيبه بعضه على بعض كما في قوله تعالى: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً)) [البقرة: ٢٤٧] ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)) [البقرة: ٢٤٨] أي: أنه قال لهم كذا، وقال لهم كذا. |
![]() |
وكذلك قوله: ((قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)) [سبأ: ٣٢] ((وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)) [سبأ: ٣٣] ((وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً)) [سبأ: ٣٥]. |
![]() |
وقد تدخل الفاء على "إنَّ" المؤكدة للجملة الواقعة جوابًا في السؤال عن السبب الخاص، وبذلك يخرج الكلام عما نحن فيه، وهو كثير في القرآن والكلام الفصيح. |
![]() |
ومنه: ما جاء في وصية سيدنا عمر للخليفة من بعده: "وأوصيك بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردءُ العدو، وجباة الأموال والفيء، لا تحمل فيهم إلا عن فضل منهم، وأوصيك بأهل البادية خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، وأوصيك بالعدل في الرعية، والتفرغ لحوائجهم وثغورهم، ولا تؤثر غنيهم على فقيرهم، فإن ذلك بإذن الله سلامة لقلبك، وحط لوزرك، وخير في عاقبة أمرك". |
![]() |
ومنه: ما جاء في قول قيس بن زهير، حين تزوج إلى النمر بن قاصد: "إن موصيكم بخصال وناهيكم عن خصال، عليكم بالأناة فإن بها تنال الفرصة، وبتسويد من لا تعابون بتسويده، وعليكم بالوفاء فإن به يعيش الناس، وأنهاكم عن الفضول فتعجزوا عن الحقوق. |
![]() |
والوجه في هذا ومثله وهو كثير جدًّا: أن ذكر الفاء نص في التعليل، وأن الكلام لم يبنَ على أساس أن تكون الجملة الثانية متولدة من الجملة الأولى وموصولة بها بهذه الرابطة التي تكلمنا فيها، وإنما هي مرتبطة بها بالفاء التي تعطفها عليها -عطف العلة على المعلول- وكأن هنا كلامين متميزين أحدهما علة للآخر، قامت الفاء بينهما مقام العُروة الخارجية؛ ولهذا صار الفرق بين بناء الأسلوبين فرقًا ظاهرًا، فأحدهما يقوم على الروابط الداخلية الخفية، والآخر على العلاقات اللفظية الظاهرة، ولكل مقام، والمهم أنه يخرج من باب الاستئناف البياني. |
![]() |
أما: "شبه كمال الانقطاع" فهو أن تكون الجملة الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى، يعني: أنها صالحة لِأَن تعطف، ولكن عطفها عليها يوهم عطفها على غيرها، فيلتبس المعنى، وحينئذٍ يجب القطع. |
![]() |
وقد فطِن عبد القاهر إلى صعوبة إدراك هذا الموضع، ونبه إلى ذلك بقوله: واعلم، أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه: إنه خفي غامض ودقيق صعب، إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب، وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد تُرك فيها العطف: إن الكلام قد استُأنف وقطع عما قبله، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك، ولقد غفلوا غفلة شديدة. |