![]() |
مواضع القطع والاستئناف في الكلام: يقول عبد القاهر: ومن المواضع التي يطِّرد فيه حذف المبتدأ: القطع والاستئناف. شبه كمال الاتصال هو الذي يسمى: "الاستئناف البياني" ومعنى الاستئناف فيه: أنه استئناف جواب، وليس ابتداء كلام منقطع عن سابقه، كما يشعر بذلك لفظ الاستئناف، واستئناف الجواب هذا يتم به الكلام المنبثق من الجملة السابقة التي هي كالأم لهذه الجملة؛ ولذلك تراها لا تستقل وإن طالت وتكاثرت فروعها وامتدت، فلا تكون محورًا وأصلًا في الكلام، أو جذرًا من جذور معانيه ينبني عليه غيره. كما تجد الجملة في هذا الاستئناف تستدعي جملة فتتولد منها، كذلك تجد الغرض من أغراض الكلام يستدعي غرضًا آخر فيتولد منه، وحينئذٍ لا يقع الاستئناف البياني على جملة، وإنما يقع على جملة من الجمل تطول أو تقصر حسب وفائها بالغرض المستدعي، وتجدك في هذه الحالة بين جزأين كبيرين من أجزاء الكلام تتعاون فيه الجمل الأولى التي قد تطول أو تقصر، فتحرك النفس نحو موقف جديد، وتستشرف بها أفقًا آخر من آفاق المعاني والبواعث، هنا تولدها جملة من الكلام. |
![]() |
ذكر البلاغيون أن كمال الانقطاع يتحقق في صورتين: |
![]() |
الصورة الأولى: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً، لفظًا ومعنًى، أو معنًى فقط. | |
![]() |
والصورة الثانية: ألا يكون بين الكلامين جامع يُصحح العطف. |
![]() |
"التوسط بين الكمالين" أي: كمال الاتصال وكمال الانقطاع: وقد ذكروا أن الوصل -أعني: عطف الجملة على الجملة- يقتضي مناسبة بين الجملتين، وقد حللوا هذه المناسبة تحليلًا دقيقًا، وكشفوا عن مناحي الربط بين المعاني في دراسة الجامع الذي هو المناسبة، وانتفعوا انتفاعًا رائعًا بعلوم عصرهم في تحليل قوى النفس، وبحث التداعيات العقلية والخيالية والوهمية، ومعطيات البيئة العامة، ومردودات الاهتمامات الفردية على قوى النفس، وكيف تختلف الصور تبعًا لاختلاف الاهتمامات، وإن كان غرض الكلام واحدًا، فترى في كلام الكاتب والزارع والنساج والحداد ما يُشير إلى صناعته، مما انعكس في نفسه من عادات الحِرفة وشمائلها، وهكذا يكون الكلام عصارة النفس فيه طعمها ولونها وريحها، وقد أبدع السكاكي في هذا. والمهم في سياقنا: أن المناسبة المسوغة لعطف الجملة على الجملة يجب أن تتوفر في المسند والمسند إليه في الجملتين؛ وهذا إجماع، ويجب أن تتوافر أيضًا في المتعلقات وهذا رأي الجمهور. |