٣.١٥ مفهوم شبه كمال الانقطاع عند عبد القاهر الجرجاني


يرى عبد القاهر أن هذا المصطلح يعني: أن الجملة تراها تصلح للعطف على الجملة التي سبقتها، وتُقرن إليها، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف؛ لأمر عرض فيه صارت به أجنبية مما قبلها.
مثال ذلك قوله تعالى: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)) [البقرة: ١٥] الظاهر كما لا يخفى: يقتضي أن يعطف على ما قبله من قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) [البقرة: ١٤] وذلك أنه ليس بأجنبي منه؛ بل هو نظير ما جاء معطوفًا من قوله تعالى: ((يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم)) [النساء: ١٤٢] وقوله تعالى: ((وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)) [آل عمران: ٥٤] وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر.
ثم إنك تجده قد جاء غير معطوف، وذلك لأمر أوجب ألا يُعطف، وهو أن قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ))، حكاية عنهم أنَّهم قالوا: وليس بخبر من الله تعالى، وقوله تعالى: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم)) خبر من الله تعالى أنه يجازيهم على كفرهم واستهزائهم.
وإذا كان كذلك كان العطف ممتنعًا؛ لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفًا على ما هو حكاية عنه، ولإيجاب ذلك أن يخرج من كونه خبرًا من الله تعالى إلى كونه حكاية عنهم، وإلى أن يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخذون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه.

٣.١٥ مفهوم شبه كمال الانقطاع عند عبد القاهر الجرجاني


وليس كذلك الحال في قوله تعالى: ((يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم)) ((وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)) لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني، في أنه خبر من الله تعالى وليس بحكاية، وهذا هو العلة في قوله تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)) [البقرة: ١١، ١٢] إنما جاء: ((إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)) مستأنفًا مفتتحًا بـ((أَلا)) لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك، والذي قبله من قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) حكاية عنه، فلو عُطِف للزِم عليه مثل الذي قدمتُ ذكره من الدخول في الحكاية، ولصار خبرًا من اليهود، ووصفًا منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، ولصار كأنه قيل: "قالوا إنما نحن مصلحون" "وقالوا إنهم المفسدون" وذلك ما لا يُشك في فساده.
وكذلك قوله تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)) [البقرة: ١٣] ولو عُطف: ((إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ)) على ما قبله لكان يكون قد أُدخل في الحكاية، ولصار حديثًا منهم عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء، مِن بعد أن زعموا أنهم إنما تَركوا أن يؤمنوا؛ لئلا يكونوا من السفهاء.
على أن في هذا أمرًا آخرًا، وهو أن قوله: ((أَنُؤْمِنُ)) استفهام ولا يُعطف الخبر على الاستفهام، فإن قلت: هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)) على: ((قَالُوا)) من قوله: ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)) لا على ما بعده؟ وكذلك كان يُفعل في: ((إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)) و((إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ)) وكان يكون نظير قوله تعالى: ((لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ)) [الأنعام: ٨] وذلك أن قوله: ((وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً)) معطوف من غير شك على: ((قَالُوا)) دون ما بعده.

٣.١٥ مفهوم شبه كمال الانقطاع عند عبد القاهر الجرجاني


قيل: إنَّ حكم العطف على: ((قَالُوا)) فيما نحن فيه مخالف لحكمه في الآية التي ذكرتُ، وذلك أن: ((قَالُوا)) ها هنا جواب شرط، فلو عُطف قوله: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)) عليه للزم إدخاله في حكمه من كونه جوابًا، وذلك لا يصح؛ وذاك أنه متى عطف على جواب الشرط شيء بالواو كان ذلك على ضربين:
الأول
أن يكون شيئين يُتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر، ومثاله قوله: إن تأتني أكرمْك أعطك وأكسُك.
الثاني
أن يكون المعطوف شيئًا لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سببًا فيه بوساطة كونه سببًا للأول، ومثاله قولك: إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته وخرجت، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان، وقد صار الرجوع سببًا في الخروج من أجل كونه سببًا في الاستئذان، فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين نحو: إذا رجع الأمير استأذنت، وإذا استأذنت خرجت.
إذ قد عرفت ذلك، فإنه لو عُطف قوله تعالى: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)) على: ((قَالُوا)) كما زعمتَ كان الذي يُتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني، وأن يكون المعنى: ((وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم، ومدهم في طغيانهم يعمهون .

٣.١٥ مفهوم شبه كمال الانقطاع عند عبد القاهر الجرجاني


وهذا وإن كان يُرى أنه يستقيم فليس هو بمستقيم، وذلك أن الجزاء إنما هو على نفس الاستهزاء، وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم: ((آمَنَّا)) لا على أنهم حدثوا عن أنفسهم بأنهم مستهزئون، والعطف على: ((قَالُوا)) يقتضي أن يكون الجزاء على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه.
ويبين ما ذكرناه من أن الجزاء يكون على قصدهم الاستهزاء وفعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأنَّا مستهزئون، أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام، وأن يَسلموا من شرهم، وأن يوهموهم أنهم منهم، وإن لم يكونوا كذلك لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه، من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول: "إنَّ استهزأنا" من غير أن يقترن بذلك القول اعتقاد ونية.
هذا، وها هنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو: أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا كَيت وكَيت، تحرك السامعين لِأن يعلموا مصير أمرهم، وما يُصنع بهم، وأتنزل بهم النقمة عاجلًا أم لا تنزل ويُمهلون؟ وتوقع في أنفسهم التمني لِأن يتبين لهم ذلك، وإذا كان كذلك كان هذا الكلام الذي هو قوله: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم)) في معنى ما صدر جوابًا عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين، وإذا كان مصدره كذلك كان حقه أن يؤتَى به مبتدأ غير معطوف؛ ليكون في صورته إذا قيل: فإن سألتم قيل لكم: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)).