٣.١٥ مفهوم شبه كمال الانقطاع عند عبد القاهر الجرجاني
 |
وليس كذلك الحال في قوله تعالى: ((يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم)) ((وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)) لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني، في أنه خبر من الله تعالى وليس بحكاية، وهذا هو العلة في قوله تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)) [البقرة: ١١، ١٢] إنما جاء: ((إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)) مستأنفًا مفتتحًا بـ((أَلا)) لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك، والذي قبله من قوله: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) حكاية عنه، فلو عُطِف للزِم عليه مثل الذي قدمتُ ذكره من الدخول في الحكاية، ولصار خبرًا من اليهود، ووصفًا منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، ولصار كأنه قيل: "قالوا إنما نحن مصلحون" "وقالوا إنهم المفسدون" وذلك ما لا يُشك في فساده. |
 |
وكذلك قوله تعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)) [البقرة: ١٣] ولو عُطف: ((إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ)) على ما قبله لكان يكون قد أُدخل في الحكاية، ولصار حديثًا منهم عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء، مِن بعد أن زعموا أنهم إنما تَركوا أن يؤمنوا؛ لئلا يكونوا من السفهاء. |
 |
على أن في هذا أمرًا آخرًا، وهو أن قوله: ((أَنُؤْمِنُ)) استفهام ولا يُعطف الخبر على الاستفهام، فإن قلت: هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)) على: ((قَالُوا)) من قوله: ((قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)) لا على ما بعده؟ وكذلك كان يُفعل في: ((إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)) و((إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ)) وكان يكون نظير قوله تعالى: ((لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ)) [الأنعام: ٨] وذلك أن قوله: ((وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً)) معطوف من غير شك على: ((قَالُوا)) دون ما بعده. |
٣.١٥ مفهوم شبه كمال الانقطاع عند عبد القاهر الجرجاني
 |
وهذا وإن كان يُرى أنه يستقيم فليس هو بمستقيم، وذلك أن الجزاء إنما هو على نفس الاستهزاء، وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم: ((آمَنَّا)) لا على أنهم حدثوا عن أنفسهم بأنهم مستهزئون، والعطف على: ((قَالُوا)) يقتضي أن يكون الجزاء على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه. |
 |
ويبين ما ذكرناه من أن الجزاء يكون على قصدهم الاستهزاء وفعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأنَّا مستهزئون، أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)) وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام، وأن يَسلموا من شرهم، وأن يوهموهم أنهم منهم، وإن لم يكونوا كذلك لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه، من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول: "إنَّ استهزأنا" من غير أن يقترن بذلك القول اعتقاد ونية. |
 |
هذا، وها هنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو: أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا كَيت وكَيت، تحرك السامعين لِأن يعلموا مصير أمرهم، وما يُصنع بهم، وأتنزل بهم النقمة عاجلًا أم لا تنزل ويُمهلون؟ وتوقع في أنفسهم التمني لِأن يتبين لهم ذلك، وإذا كان كذلك كان هذا الكلام الذي هو قوله: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم)) في معنى ما صدر جوابًا عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين، وإذا كان مصدره كذلك كان حقه أن يؤتَى به مبتدأ غير معطوف؛ ليكون في صورته إذا قيل: فإن سألتم قيل لكم: ((اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)).
|