"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


شبه كمال الاتصال
واضح أنه يظهر من تسميته أنه ليس كالأول -كمال الاتصال- فالاتصال بين الجمل في الضرب الأول اتصال كامل، أما هنا فليست الجملة الثانية عين الأولى، وإنما أبانت عن معنى أثارته الأولى، وهذه هي الْلُحْمَةُ التي بين الجملتين.
قال الخطيب: أما كونها بمنزلة المتصلة بها فلكونها جوابًا عن سؤال اقتضته الأولى، فتنزل منزلته، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال، العلاقة هنا كالعلاقة التي بين السؤال والجواب، والسؤال والجواب متغايران بلا ريب.
وإذا كانت المعاني في صور كمال الاتصال تتحد في جانب كبير منها؛ سواء أكان هذا عن طريق الاتحاد في جزء من مضمون المعنى، أم كان عن طريق المقتضيات التي ترتبط بوجود المعنى وطرائق الدلالة؛ فإن المعاني في شبه كمال الاتصال تتواصل عن طريق أن الأولى تتولد منها الثانية، وكأنها أصل ينبثق منه فرع.
انظر إلى قول أبي العلاء:
               خلق الناس للبقاء فضلت       أمة يحسبونهم للنفاد
               إنما ينقلون من دار أعما      ل إلى دار شقوة أو رشاد

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


فالبيت الأول يقول: إن الناس خلقوا للحياة لا للموت، والقول بفنائهم قول ضال، وهذه حقيقة فيها غرابة من بعض الوجوه، هذه الغرابة تهمس في النفس بتساؤل يقول: إذا كان الأمر كذلك فما بالنا نراهم يروحون ولا يرجعون، فأجاب الشاعر عن هذا بقوله: "إنما ينقلون من دار أعمال" إلى آخر البيت.
وهذا الضرب من الكلام الذي تتواصل جمله على هذا النحو كثير جدًّا.
يقول عبد القاهر: وإذا استقريتَ وجدتَ هذا الذي ذكرت لك من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما يقتضي سؤالًا منزلته، إذا صرح بذلك السؤال كثير، فمن لطيف ذلك قوله:
               زعم العواذل أنني في غمرة      صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
لما حكى عن العواذل أنهم قالوا: هو في غمرة، وكان ذلك مما يُحرك السامع لِأَن يسأل فيقول: فما قولك في ذلك؟ وما جوابك عنه؟ أخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، وصار كأنه قال: أقول: صدقوا، أنا كما قال، ولكن لا مطمع لهم في فلاحي، ولو قال: زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا، لكان يكون لم يضع في نفسه أنه مسئول، وأن كلامه كلام مجيب.
وقد ذكر عبد القاهر في هذا السياق كثيرًا من الشواهد، منها: قول الشاعر:
زعم العواذل أنَّ ناقة جندب       بجنوب خبت عُريت وأجمت      كذب العواذل لو رأينَ مناخنا       بالقادسية قلن لجَّ وذلت

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


وأحسب أن البيتين بحاجة إلى بعض من البيان والتوضيح: "جندب" هو الشاعر، و"خبت" ماء لقبيلة كلب، و"عريت" أي: عريت الناقة من رحلها، و"أجمت" أريحت من الركوب والسير، و"لج" أي: لج جندب في السير والتباعد، و"ذلت" أي: ذلت الناقة من طول السفر.
أعود إلى موطن الشاهد في البيتين فأقول: إن عبد القاهر أشار هنا إلى وجه من وجوه حسن هذا الاستئناف، وذلك أن الشاعر وضع الظاهر موضع المضمر، فقال: "كذب العواذل" ولم يقل: "كذبنا" فجعل جملة الاستئناف جملة مستقلة، وهذا أظهر في كونه كلامًا مستأنفًا من حيث وضعه وضعًا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتى به مأتى ما ليس قبله كلام.
ومن ذلك قول الشاعر:
               زعمتم أن إخوتكم قريش      لهم إلف وليس لكم إلاف
ويوضح عبد القاهر ذلك بقوله: إن قوله: "لهم إلف" تكذيب لدعواهم أنهم من قريش، فهو إذن بمنزلة أن يقول: "كذبتم لهم إلف وليس لكم ذلك" ولو قال:
               زعمتم أن إخوتكم قريش ولهم إلف وليس لكم إلاف
أي: بالعطف، لصار بمنزلة أن يقول: "زعمتم أن إخوتكم قريش وكذبتم" في أنه كان يخرج عن أن يكون موضوعًا على أنه جواب سؤال، يقول له أو جواب سائل يقول له: فماذا تقول في زعمهم ذلك؟ وفي دعواهم؟

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


ثم يقول: واعلم، أنه لو أظهر "كذبتم" لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله: "لهم إلف" بالفاء، فيقول: "كذبتم فلهم إلف وليس لكم ذلك" فأما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة؛ لأنه يصير حين إذن معطوفًا بالفاء على قوله: "زعمتم أن إخوتكم قريش" وذلك يخرج إلى المحال، من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله: "لهم إلف" على أن هذا الزعم كان منهم، كما أنك إذا قلت: "كذبتم فلهم إلف" كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا.
وقد جعل الخطيب هذا البيت شاهدًا على حذف جملة الجواب وإقامة غيرها مكانها؛ لأن الأصل: "كذبتم" ثم علل الكذب بقوله: "لهم إلف" ثم قال: ويجوز أن يقدر قولهم: "لهم إلف وليس لكم إلاف" جوابًا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف، وكأنه لما قال المتكلم: "كذبتم" قالوا: ولمَ كذبنا؟ قال: "لهم إلف وليس لكم إلاف" فيكون في البيت استئنافان.
ومن شواهد عبد القاهر أيضًا قوله:
               ملكته حَبلي ولكنه      ألقاه من زهد على غاربي
وقال:
               إني في الهوى كاذب      انْتقم الله من الكاذب

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


فقوله: "انتقم الله من الكاذب" استئناف؛ لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلًا قال له: فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب؟ فقال: أقول:
               ....................      انْتقم الله من الكاذب
ومنها أيضًا قوله -وهو من النادر كما يقول عبد القاهر، وإن لم يعرف قائله:
               قال لي كيف أنت؟ قلت عليل      سهر دائم وحزن طويل
وقد علق على هذا البيت بقوله: لما كان في العادة إذا قيل للرجل: كيف أنت؟ فقال: "عليل" أن يسأل ثانيً فيقال: ما بك؟ وما علتك؟ قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله: "سهر دائم" جوابًا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال.
ومن تلك الشواهد أيضًا قول المتنبي:
               وما عفت الرياح له محلًّا       عفاه من حدا بهمُ وساقا
وقد قال في تفسير الفصل بين شطريه: لمَّا نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، وأن تكون التي فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل: لَمْ يفعله فلان، أن يقال: فمن فعله؟ قُدِّر كأن قائلًا قال: قد زعمت أن الرياح لم تعف له محلًّا، فما عفاه إذن؟ فقال مجيبًا له:
               ......................      عفاه من حدا بهمُ وساقا

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


ومن تلك الشواهد أيضًا التي ساقها عبد القاهر قول الوليد بن يزيد:
               عرفت المنزل الخالي      عفا من بعد أحوالي
               عفاه كل حنان      عسوف الوبل هَطَّال
و"الحنان" من صفة السحاب الذي يُسمع رعدُه كحنين الإبل، و"عسوف" مطره شديد العسف، و"الوبل" المطر الشديد، و"هطال" متتابع الودق، وقد شرح عبد القاهر السؤال هنا -أي: السؤال المتضمن في البيت الأول- بقوله: لمَّا قال: "عفا من بعد أحوالي" قدر كأنه قيل له: فما عفاه؟ فقال: "عفاه كل حنان".
وقد لاحظ عبد القاهر فرقًا بين صياغة الجواب الذي يكون عن سؤال مقدر، وصياغة الجواب الذي يكون عن سؤال مصرح به، وذلك من حيث يكثر حذف الفعل في جواب السؤال المصرح به ويُقتصر على الاسم وحده؛ فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل.
تفسير هذا: أنه يجوز لك إذا قيل: إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه؟ أن تقول: "من حدا بهم وساقا" ولا تقول: عفاه من حد بهم، كما نقول في جواب مَن يقول: من فعل هذا؟ زيد، ولا يجب أن تقول: فعله زيد.
وأما إذا لم يكن السؤال مذكورًا كالذي عليه البيت، فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل، فلو قلت مثلًا:
               وما عفت الرياح له محلًّا      من حدا بهم وساقا

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


بإسقاط الفعل في الجواب تزعم أنك أردت: عفاه من حد بهم، ثم تركت ذكر الفعل أَحَلْتَ أي: جئت بالمحال؛ لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورًا، لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب، فإذا لم يؤتَ بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل.

شيوع هذا النوع من مواضع الفصل في النظم القرآني الذي استخدم فيه لفظ: "قال"
وقد أشار عبد القاهر إلى أن هذا الذي تراه في التنزيل من لفظ: "قال" مفصولًا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه، أي: أن هناك سؤالًا مقدرًا، وما جاء من القول ومقوله إنما هو جواب عن هذا السؤال المقدر.
وأورد عبد القاهر في هذا الصدد عددًا من الآيات، منها: قوله تعالى: ((هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ)) [الذاريات: ٢٤- ٢٨].
وأوضح أن هذا النسق القرآني في البيان جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال؛ فلمَّا كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم: دخل قوم على فلان فقالوا: كذا، أن يقولوا: فمَا قال هو؟ ويقول المجيب: قال: كذا، أُخرج الكلام ذلك المخرج؛ لأن الناس خوطبوا بما يتعارفون، وسُلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه.

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


وكذلك قوله تعالى: ((قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)) وذلك أن قوله: ((فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ)) يقتضي أن يُتبع هذا الفعل بقول، فكأنه قيل -والله أعلم-: فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم فأتى قوله: ((قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)) جوابًا عن ذلك.
وكذا: ((قَالُوا لا تَخَفْ)) لأن قوله: ((فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)) يقتضي: أن يكون من الملائكة كلام في تأنيثه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل: فما قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة؟ فقيل: ((قَالُوا لا تَخَفْ)).
ويمضي عبد القاهر فيحلل سياقات أخرى من القول في القرآن الكريم على هذا النحو؛ فيشير إلى ما جاء في قصة فرعون، وفي رد موسى -عليه السلام- عليه، وذلك في قوله تعالى: ((قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [الشعراء: ٢٣ – ٣١].
يُعقب عبد القاهر على تلك الآيات، فيقول: جاء ذلك كله -والله أعلم- على تقدير السؤال والجواب، كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين، فلو كان السامع منَّا إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال: ((وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)) وقع في نفسه أن يقول: فمَا قال موسى له؟ أتى قوله: ((قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) مأتى الجواب مفصولًا غير معطوف، وهكذا التقدير والتفسير أبدًا في كل ما جاء فيه لفظ: "قال" هذا المجيء، وقد يكون الأمر في بعض ذلك أشد وضوحًا.

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


فمما هو في غاية الوضوح: قوله تعالى: ((فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)) [الحجر: ٥٧- ٥٨] وذلك أنه لا يخفَى على عاقل أنه جاء على معنى الجواب، وعلى أن نُزِّل السامعون كأنهم قالوا: فما قال له الملائكة؟ فقيل: ((قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)).

تنوع الأسئلة التي تثيرها الجملة الأولى بين أن يكون عن العلة المطلقة للحكم، أو سؤالًا حول علة معينة
قوله عز وجل: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) [يس: ١٣- ٢١].
يعلق عبد القاهر على تلك الآيات، فيقول: التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب بيِّنٌ ظاهر في ذلك كله، على أن القول بتعلق الجملة الثانية بالجملة الأولى تعلق الجواب بالسؤال يفتح الباب واسعًا عن طبيعة الخواطر المنبعثة من الجملة الأولى من: عموم، أو خصوص، أو تعليل، أو غيرها.

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


وقد حاول البلاغيون المتأخرون أن يصفوا تلك الخواطر، وأن يحددوها، وانتهى بهم الأمر إلى تحديد ثلاثة بواعث، فهي: إما: أن تسير تساؤلًا حول العلة المطلقة للحكم أي: ما علة ذلك؟ كما في قول أبي العلاء:
               وقد غرضت من الدنيا فهل زمني      معط حياتي لغرٍ بعدما غرضا
               جربت دهري وأهليه فما تركت      لي الحوادث في وُد امرئ غرضا
والفعل: "غرض": غرض منه: ضجر وملّ، وغرض إليه: اشتاق، والاستعمال الأول هو الذي جرى به لسان أبي العلاء كما هو واضح في البيت الأول؛ ولذلك نقول: إن هذا البيت يصف ضيق الشاعر بالحياة، وما يجري فيها مما يضجر ذوي العقل والحكمة، ويتمنى أن يهَب هذا الزمان العابث حياته لغافر غر لا يزال مشوقًا إلى المزيد منها.
وهذا الجزء من المعنى لا يستقر في النفس من غير أن يثير فيها خواطر تستشرف معرفة علة ذلك، فيأتي قوله: "جربت دهري وأهليه" جوابًا لسؤال: ولِمَ كان ذلك؟ وكأنه فَرعٌ من المعنى ينثني على هذا الأصل فيكتمل به.
وإما: أن يثير سؤالًا أو إما أن تكون الجملة الأولى مثيرة لسؤال حول علة معينة أي: أن يكون في الكلام غمغمة خفية حول علة خاصة، فتستشرف لها النفس استشراف الطالب المتردد، حتى كأن النفس اليقظة والفهم المتسارع يكاد يدركها على حد تعبير العلامة سعد الدين التفتازاني، ومثاله: قوله تعالى -وهو من الشواهد المشهورة-: ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)) [يوسف: ٥٣] قوله:

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي)) واضح في اتهام النفس، وأن ساحتها لا تخلو مما يشوب براءتها، وهذا لا يثير في نفوسنا سؤالًا يقول: ولمَ؟ أي: ما علة ذلك؟ وإنما يلوح بالعلة تلويحًا يدركه اليقظ، وحينئذٍ يأتي الجواب مؤكدًا.
قال الخطيب: وهذا الضرب يقتضي تأكيد الحكم؛ لما مر في أحوال الإسناد الخبرية.
وإما: أن يثير الكلام السابق سؤالًا لا يدور حول العلة في الجملة السابقة، وإنما يتصل بوجه من وجوه دلالتها كالشواهد التي مرت؛ وبهذا القسم الثالث تصح محاولة تحديد البواعث والتساؤلات التي تثيرها الجملة الأولى؛ لأنه لا يضيق بوجه من وجوه التساؤل، ويدخل فيه أن يثير الكلام السابق شوقَ النفس إلى معرفة أكثر حول شيء من الأشياء، كهذا الضرب الذي ذكره عبد القاهر من حذف المبتدأ، وذِكر أنه يطِّرد فيه القطع والاستئناف، كما في قوله:
               اعتاد قلبك من ليلى عوائدُه      وهاجَ أهواءك المكنونة الطلل
               ربع قواء أذاع المعصرات به      وكل حيران سارٍ ماؤه خضل
"فالقواء" المكان الكفر، وقوله: "أذاع المعصرات به" المقصود بالمعصرات: الرياح العاصفات ذوات الغبار والرهج، و"أذاع به" أي: ذهبت به وطمست معالمه، و"حيران" صفة لمحذوف هو السحاب المتردد، وقوله: ""سار" أي: يسير ليلًا، و"ماؤه خضل" يعني: يحمل ماءً غزيرًا.

"٢.١٥ بيان مفهوم الموضع الثاني من مواضع الفصل؛ "شبه كمال الاتصال


والشاهد: أنه لمَّ ذكر أن "الطلل" قد "هاج أهواءه المكنونة" اشتاقت النفس إلى معرفة خبر هذا الطلل، فاستأنف حديثًا عنه، وبنى الكلام على حذف المسند إليه، أي: هو ربع أو ذاك ربع.