![]() |
جعل المتأخرون هذا الضرب من الكلام المؤكد لما قبله قسمين؛ قسمٌ: تنزل فيه الثانية من الأولى منزلة التوكيد اللفظي، وهو ما يكون مضمون الجملة الثانية فيه مؤكِّدًا لمضمون الأولى؛ لاتفاق المفهومين كقوله تعالى: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) فجملة ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) يتفق مضمونها مع قوله: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ)) لأن الكمال فيها كمال في الهدى. |
![]() |
وقسم تنزل فيه الثانية من الأولى منزلة التوكيد المعنوي، وهو أن يختلف مفهوم الجملتين، ولكن يلزم من تقرير معنى إحداهما تقرير معنى الأخرى، ومثله أكثر الشواهد التي ذكرناها، وهذا التقسيم لم يسلم من الاضطراب حين احتكت به عقول المحققين من أصحاب الحواشي. |
![]() |
ومما يجري هذا المجرى من الجمل التي تتواصل من داخلها: الجمل التي تقع مبينة لما قبلها كقوله تعالى ((فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ)) [طه: ١٢٠] قوله: ((قَالَ يَا آدَمُ)) بيان للوسوسة والبيان والمبين كالشيء الواحد ومنه قوله تعالى: ((وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ)) [البقرة: ٤٩]، قوله: ((يُذَبِّحُونَ)) وما عطف عليه بيان وتفسير لقوله: ((يَسُومُونَكُمْ)) وقوله تعالى: ((وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ)) [الأعراف: ٤٨] قوله: ((مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ)) بيان للنداء. |
![]() |
وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ))
[فاطر: ٣] الجملة الإنشائية من حيث المعنى تفسير للنعمة، ومنه في الشعر قول سويد بن أبي كاهل: والتعدي بِرُقَاها إنه تنزل الأعصم من رأس اليفع تسمع الحُدَّاثَ قولًا حسنً لو أرادوا غيرها لم يستمعْ |
![]() |
وقول لبيد: ذَهَبَ الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجربِ يتآكلون مغالة وخيانة ويعاب قائلهم وإن لم يشغبِ |
![]() |
واضح أن قوله: تسمع الحداث بيان لرقاها، وقوله: يتآكلون. بيان لكون من عاش فيهم كجلد الأجرب، وهكذا قول الآخر: إذا قيل أعمى قلت إن وربما أكون وإني من فتى لبصيرُ إذا أبصر القلب المروءة والتقى فإن عمى العينين ليس يضيرُ البيت الثاني بيان؛ لكونه بصيرًا مع أنه أعمى، وقال زياد: |
![]() |
إني رأيت خلالًا ثلاثة نبذت إليكم فيهن النصيحة؛ رأيت إعظام ذوي الشرف وإجلال ذوي العلم وتوقير ذات الأحلام. |
![]() |
ومما يتصل بذات نفسه، ويستغني عن العاطف لكمال لصلته: أن تكون الجملة الثانية مُنَزَّلَةً مَنْزِلَةَ بدل البعض من الأولى، كقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ)) [الشعراء: ١٣٢، ١٣٣] قوله: ((أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ)) بعض من قوله: ((أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ)) أو أن تكون الجملة الثانية منزلة بدل الاشتمال من الأولى، كقوله تعالى: ((يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) [يس: ٢٠، ٢١]. |
![]() |
ووجه حسن هذا الضرب: أن في التوكيد تقوية المعاني وتقريرها، وفي البيان تنشيط النفس وإيقاظها؛ لأنها حين تتلقى كلامًا ملفوفًا بشيء من الغموض تشتاق إلى بيانه، وتستشرف في التعرف إلى وجهه؛ فإذا جاء البيان صادف نفسًا يقظة متطلعة فيتمكن الكلام منها. |
![]() |
وفي المنزل منزلة بدل البعض تفصيل وتنصيص، وهو في هذا الشاهد -كما يقول الخطيب القزويني-: أوفى بتأدية الغرض مما قبله؛ لدلالته عليه بالتفصيل من غير إحالة على علمهم، مع كونهم معاندين. |
![]() |
وفي المنزلة منزلة بدل الاشتمال المراد في الشاهد حمل المخاطبين على اتباع الرسل، وقوله: ((اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا)) أوفى بتأدية ذلك؛ لأن معناه لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا والآخرة، ولا يخلو الوجهان -البدل والبيان- من التوكيد؛ لأن في كلٍّ تقريرًا للمعنى وتحقيقًا، كما أن التوكيد لا يخلو من كشف الفكرة وبيانها، وإنما الذي نَبَّهْنَا إِلَيْهِ هو أوضح ما في كل. |
![]() |
وقد تجد هذه الأساليب وقد جاءت موصولة بالواو، ووراء هذه الواو سر في نفس المتكلم، ومغزى يقصد إليه؛ خذ قول زهير بن جناب الكلبي: أبني إن أهلك فإنـ ـني قد بنيت لكم بنيَّةْ وجعلتكم أبناء سا داتٍ زنادكم وريَّةْ |
![]() |
قوله: وجعلتكم أبناء سادات. هو في حقيقته بيان لبنية المجد التي بناها لهم، ولو أسقطت الواو لاتصل الكلام من ذات نفسه، ولكان كلامًا واحدًا تتضامن أطرافه من غير ضامّ، ولكنه لما فُصِلَ بالواو آذنت بالمغايرة، وأفصحت عن هاجس في نفس زهير. |
![]() |
ذلك هو تميز المعنى الذي دخلت عليه الواو في باب السيادة والشرف، حتى كأنه شيء يتميز عن كل مظاهر الشرف المتضمن في قوله: بنيت لكم بنيَّة. واقرأ دريد بن الصمة: نصحت لعارضٍ وأصحاب عارضٍ ورهط بني السوداء والقوم شُهَّدي فقلت لهم: ظُنُّوا بألفي مدججٍ سراتهم في الفارسي المسردِ |
![]() |
والبيتان بحاجة إلى بيان وإيضاح -قبل أن نتحدث عن موطن الشاهد فيهما- فعارض: هو اسم أخي دريد، وكان يسمى عبد الله، كما يسمى خالدًا، وقوله: القوم شُهَّدِي يعني: أنهم كانوا له حاضرين. |
![]() |
وقوله: ظنوا بألفي مدجج. يجوز أن يكون معناه: ظنوا كل ظن قبيح بهم إذا غزوكم في أرضكم، وعَقْرِ داركم أو عُقْرِ داركم -بضم العين وفتحها- ويجوز أن يكون معنى ظنوا: أيقنوا؛ لأن الظن يستعمل في معنى اليقين، وعلى ذلك قوله تعالى: ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ)) [البقرة: ٤٦]. |
![]() |
وقوله: سراتهم: يعني به: رؤساءهم وخيارهم، ومعنى البيتين: بذلت نصحي لهؤلاء القوم بلساني وقولي فيما صلح فيه التخاطب، وبإشارتي وتعريضي، وهم لي حاضرون يسمعون ويعون، وقلت لهم: إن الأعداء لكم مترصدون، وإليكم قاصدون، وَعَدَدُهُم وعُدَدُهُمْ تامة فوسعوا مجال الظن السيئ بهم إذا تمكنوا منه، أو أيقنوا بقصدهم، كما سبق القول في معنى الظن.. |
![]() |
ونعود إلى الشاهد الذي سقنا البيتين من أجله، وذلك قوله: فقلت لهم ظنوا. فهذه الجملة بيان لقوله: نصحت لعارض. على حد قوله تعالى: ((فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ)) ولكن الفاء لم تبقِ الكلامينِ كلامًا واحدًا ينعطف ثانيه على أوله من ذات نفسه، وإنما جعلتهما كلامين يشرح ثانيهما أولهما، فكأنه أجمل ثم جاء بكلام آخر وَرَتَّبَه على هذا الإجمال، وَجَعَلَهُ تَفْصِيلًا له، وهذا فرق دقيق بين الأسلوبينِ. |
![]() |
ومثله قول الخنساء: فأصابنا ريب الزمـا نِ فنالنا منه بناطح |
![]() |
وقد أشار ابن هشام إلى أن هذه الفاء للترتيب الذكري، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو قوله: ((فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)) [البقرة: ٣٦] ونحوه: ((فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)) [النساء: ٥٣] ونحوه: ((وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)) [هود: ٤٥]. |
![]() |
وأمثال هذه التراكيب تُبْحَثُ من وجه آخر على أساس المجاز المرسل، على حد قوله تعالى: ((فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)) [النحل: ٩٨] وعلى هذا يكون المراد بالجملة الأولى الإرادة، وأنه أطلق الْمُسَبَّبَ وَأَرَادَ السَّبَبَ، وذلك لقوة الحامل، حتى كأن العزم هو الفعل، وبهذا ينحل الإشكال، ويخرج مما نحن فيه، ولا وجه لحمله على التجوز إذا أسقطنا العاطف؛ لأنه سيكون كلامًا واحدًا؛ فلو قلت -في "توضأ زيد فغسل وجهه" قلت: توضأ زيد، غَسَلَ وَجْهَه، لكان الوضوء مستعملًا في معناه الحقيقي؛ لأنه فسر بقوله غسل وجهه من حيث إنه مكمل وموضح، والبيان والمبيَّن شيء واحد، بخلافه مع الفاء التي عزلت جناحي الكلام، وجعلتهما متمايزين. |
![]() |
وفي هذه الحالة يقال: إن المراد أراد الوضوء فغسل وجهه ويديه، ومما وقعت فيه الواو مع الجملة الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ التَّوْكِيدِ قوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)) [الأحزاب: ٧] عَطَفَ قوله: ((وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)) على سابقه، وإن كان الميثاق هنا هو الميثاق هناك، والأخذ هنا هو الأخذ هناك؛ ليوهم أنه لما وُصِفَ بالغِلَظِ صار كأنه ميثاق آخر، وذلك تفخيم لشأن الميثاق وتنويه به، وعلى طريقته قوله تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)) [هود: ٥٨] فقد عطف: ((وَنَجَّيْنَاهُمْ)) على: ((نَجَّيْنَا هُودًا)) وإن كانت النجاة واحدة، وذلك... |
| ...لأنه لما ذكر ما نجاهم منه كانت النجاة الثانية كأنها نجاة مختلفة عن الأولى، فعطفها عليها؛ تمييزًا لها وتفخيمًا لشأنها. | |
![]() |
والجملة التي تأتي في عقب الكلام مؤكدة له، والتي تتكاثر في القرآن؛ قد ترد بالواو كما في قوله تعالى: ((إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)) [النمل: ٣٤] كما تأتي بغير الواو كثيرًا، وقد آذنت هذه الواو في الآية السابقة أن ذلك عادة من عاداتهم، ووجه هذه الدلالة أن الواو تشير إلى المغايرة؛ فكأنهم يفعلون ذلك، ويفعلون مثله. |
![]() |
وقد جاء قوله تعالى في سورة الشعراء: ((قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)) [الشعراء: ١٥٣، ١٥٤] جاءت هذه الآية من غير واو في حكاية ما قالته ثمود لصالح عليه السلام، وجاء في حكاية ما قاله أصحاب الأيكة لشعيب: ((قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا)) [الشعراء: ١٨٥، ١٨٦] بالواو. |
![]() |
يقول الزمخشري في هذا: إذا دخلت الواو فقد قُصِدَ مَعْنَيَانِ، كلاهما منافٍ للرسالة عندهم؛ التسحير والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرًّا، ولا يجوز أن يكون بشرًا، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد، وهو كونه مسحَّرًا، ثم قُرِّرَ بكونه بشرًا. |
![]() |
قال صاحب (البرهان): وَأَطْلَقَ بَدْرُ الدِّينِ ابْنُ مالك في شرح الخلاصة: أن الجملة التأكيدية قد تُوصَلُ بعاطف، ولم تختص بـ"ثم" وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص، وليس كذلك؛ فقد قال تعالى: ((اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ)) [الحشر: ١٨] فإن المأمور فيه واحد، كما قاله النحاس والزمخشري والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين، ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشيء غير التقوى الثانية، مع شأن إرادته. |
![]() |
وذكر قوله تعالى: ((يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)) [آل عمران: ٤٢] وقوله: ((فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ)) [البقرة: ١٩٨] وقوله: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [الرعد: ٥] وقوله: ((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [البقرة: ٥]. |
![]() |
ووجه الواو في ذلك وأن ما فيها من معنى التغاير الذي لا يبرحها ينعكس على هذه الجمل، فيوهم أنها معانٍ متمايزة ومختلفة، ووراء ذلك أسرار لطيفة يحلو بها مذاق الكلام؛ فإذا كان الأمر الثاني بالتقوى غير الأمر الأول كان وراء ذلك إعلاء لشأن التقوى واهتمام بالأمر بها، وكأنه يتجدد مرتين، وقل مثل ذلك في ((اصْطَفَاكِ)) وكأن الله اصطفاها أولًا، ثم رجع فاصطفاها ثانيًا، وفي هذا من التكريم ما لا يخفى. |
![]() |
وفي آية ((الَّذِينَ كَفَرُوا)) حددت الواو ثلاث صور متغايرة، في كل واحدة من الشناعة والبشاعة ما يجعلها شيئًا قائمًا برأسه، وإذا أحكمت هذا الذي قُلْنَاه استطعت أن تنظر في الجمل الداخلة عليها، إنما قد سبق أن قلنا إنها في كثير من مواقعها يكون الكلام السابق مهيِّئًا لها. |
![]() |
وقد سبق أن قلنا: إنها في كثير من مواقعها يكون الكلام السابق مهيئًا لها، وكأنها تأتي توكيدًا له، كما في قوله: وإنما يزين الفتى مخبوره. وما شابه ذلك مما يجيء بالواو، فتؤذن بأنهما كلامان، وبدونها فيؤذن سكوتها بأنهما كلام واحد، يقرر بعضه بعضًا. |
![]() |
هذا وكمال الاتصال بشعبه الثلاثة؛ التوكيد والبيان والبدل، وهو حال من أحوال الفصل، وإن كنا نراه والذي يليه حالًا من أحوال الوصل؛ لأن الوصل في الحقيقة وصلان؛ وصل ظاهر بحرف الوصل، ووصل خفي تتصل فيه الجملة من ذات نفسها، وهو أقوى الوصلين -كما قال الزمخشري- والجدير باسم الفصل هو كمال الانقطاع الذي أصله فقدان الجامع أو تباين الكلامين في الغرض كما يقول الزمخشري، ونعده استئنافًا يتجه الكلام فيه إلى مقطع آخر من مقاطع معانيه. |