 |
الاتصال التام بين الجملتين بحيث تكون الثانية منهما بمنزلة التوكيد للأولى، أو البيان أو بدل البعض من الكل: جعل المتأخرون هذا الضرب من الكلام المؤكد لما قبله قسمين؛ قسمٌ: تنزل فيه الثانية من الأولى منزلة التوكيد اللفظي، وهو ما يكون مضمون الجملة الثانية فيه مؤكِّدًا لمضمون الأولى؛ لاتفاق المفهومين كقوله تعالى: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ))
فجملة ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ))
يتفق مضمونها مع قوله: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ))
لأن الكمال فيها كمال في الهدى، وقسم تنزل فيه الثانية من الأولى منزلة التوكيد المعنوي، وهو أن يختلف مفهوم الجملتين، ولكن يلزم من تقرير معنى إحداهما تقرير معنى الأخرى.
ومما يجري هذا المجرى من الجمل التي تتواصل من داخلها: الجمل التي تقع مبينة لما قبلها.
ومما يتصل بذات نفسه، ويستغني عن العاطف لكمال لصلته: أن تكون الجملة الثانية مُنَزَّلَةً مَنْزِلَةَ بدل البعض من الأولى، أو أن تكون الجملة الثانية منزلة بدل الاشتمال من الأولى، ووجه حسن هذا الضرب: أن في التوكيد تقوية المعاني وتقريرها، وفي البيان تنشيط النفس وإيقاظها؛ لأنها حين تتلقى كلامًا ملفوفًا بشيء من الغموض تشتاق إلى بيانه، وتستشرف في التعرف إلى وجهه؛ فإذا جاء البيان صادف نفسًا يقظة متطلعة فيتمكن الكلام منها.
كمال الاتصال بشعبه الثلاثة؛ التوكيد والبيان والبدل، وهو حال من أحوال الفصل، وإن كنا نراه والذي يليه حالًا من أحوال الوصل؛ لأن الوصل في الحقيقة وصلان؛ وصل ظاهر بحرف الوصل، ووصل خفي تتصل فيه الجملة من ذات نفسها، وهو أقوى الوصلين -كما قال الزمخشري- والجدير باسم الفصل هو كمال الانقطاع الذي أصله فقدان الجامع أو تباين الكلامين في الغرض كما يقول الزمخشري، ونعده استئنافًا يتجه الكلام فيه إلى مقطع آخر من مقاطع معانيه.
|