...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب
أشرنا إلى أنَّهم ألحقوا الجملة التي لها محل من الإعراب بالمفرد؛ لأن الجملة لا يكون لها محل من الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد، وحينئذ تكون علاقة الإعراب -أعني: تسليط العامل عليها- بمثابة المناسبة، فإذا أردنا أن ندخل غيرها معها في هذه المناسبة أو تلك الحالة المعنوية والإعرابية عطفناها عليها، يقول عبد القاهر: الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين؛ أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد؛ إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد.
وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريًا مجرى عطف المفرد، وكان وجه الحاجة إلى الواو ظاهرًا والإشراك بها في الحكم موجودًا، فإذا قلتَ: مررتُ برجلٍ خُلُقهُ حَسَنٌ وخَلْقه قبيحٌ. كنتَ قد أشركتَ الجملَة الثانيةَ في حُكمِ الأُولى وذلك الحكمُ كونُها في موضع جرٍّ بأَنَّها صفةٌ للنكرة. ونظائرُ ذلك تَكْثُر والأمرُ فيها يَسْهُلُ.
والذي يشكلُ أمُره هو الضربُ الثاني: وذلك أن تَعطِفَ على الجملةِ العاريةِ الموضعِ من الإِعرابِ جملةً أخرى كقولَك: زيدٌ قائمٌ وعمرٌو قاعدٌ والعِلْمُ حسنٌ والجهلُ قبيحٌ. لا سبيلَ لنا إلى أن ندَّعيَ أن الواوَ أشركتِ الثانيةَ في إِعرابٍ قد وجَبَ للأُولى بوجهٍ منَ الوجوه. وإذا كان كذلك فينبغي أنْ تعلمَ المطلوبَ مِنْ هذا العطفِ والمغْزى منه. ولمَ لَمْ يَسْتَوِ الحالُ بينَ أن تعطِفَ وبَيْنَ أن تَدَعَ العطفَ فتقولَ: زيدٌ قائمٌ عمروٌ قاعدٌ بعد أن لا يكونَ هنا أمرٌ معقولٌ يؤتَى بالعاطفِ ليُشْرِكَ بين الأولى والثانيةِ فيه.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


فإذا كانت الجملة التي لا محل لها تخضع في فصلها ووصلها لأصول معينة؛ فإن الجمل التي لها محل لا تخضع في فصلها ووصلها لهذا النظام فحسب، وإنما تخضع أيضًا لتلك القاعدة الواضحة القريبة، وهي أنك إذا أردت التشريك عطفت، مع ملاحظة المناسبة التي تُجَوِّزُ القران، تقول: هو يعطي، ويمنع، ويقبل، ويرفض، ويأخذ، ويدع، ويكتب، ويشعر، ولا تقول: هو يكتب الشعر ويأكل السمك؛ لأنه لا مناسبة بين كتابة الشعر وأكل السمك، وهذه المناسبة ضرورية لصحة نسق الكلام وتلاؤمه، وكلما كان الامتزاج بن الجملتين أشدَّ تَلَاؤُمًا كَانَتْ الْوَاوُ أَكْثَرَ تَمَكُّنًا، وأحكم إصابة.
قال عبد القاهر: وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة، ازداد الاشتباك والاقتران، حتى لا يُتَصَوَّرَ تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر، وذلك في مثل قولك: العجب من أني أحسنت وأسأت، ويكفيك ما قلت وسمعت، وأي حسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله؟!
وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد، ومن البين في ذلك قولك:
               لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم        وأن نكف الأذى عنكم وتؤذون
المعنى: لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وُجِدَ مَعَ إِهَانَتِكُمْ وجامعها في الحصول، ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب: قول أبي تمام:
               لهان علينا أن نقول وتفعل        ونذكر بعض الفضل منك وتفضل
وَهَكَذَا كُلَّمَا اشْتَدَّ دَمْجُ الجملة وقوي شبهها بالمفرد كان العطف أحكم وأوقع، وكانت معاطف الكلام أسلس وألين، ومفاصله أشف وأخفى، نضيف إلى هذا أن الجملة التي لها محل ويراد تشريك الثانية معها قد تشترك معها الثانية، وهي غير معطوفة.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


وقولهم: إِنْ أَرَدْتَ التشريك عطفتَ، لا يُفْهَمُ منه لزوم العطف في هذه الحالة، وإنما يفهم منه أنك إذا لم ترد التشريك فلا تعطف؛ لئلا يوهم العطف خلاف ما تريد، وقوله تعالى: ((الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) [الرحمن: ١-٤] تقع فيه الجملتان الأخيرتان خبرًا، فهما تشاركان الأولى في حكمها، وجاءتا مفصولتين، وكأن كل واحدة منهما آية مكتملة في الدلالة على الحق -جل جلاله.
قال الزمخشري: وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديل، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد؛ فما تنكر من إحسانه؟
انقطاع الجمل هنا مشعر بأنها معانٍ تُعَدّ كل واحدة منها على حدة، وأنها تنهض بالغرض وحدها، من غير أن ينضم إليها غيرها، وانظر إلى قول أبي هلال:
               وَوَجْهٍ تَشَرَّبَ مَاءَ النعيم         فلو عصر الحسن منه انعصرْ
               يمر فأمنحه ناظري        فينشر وردًا عليه الخفر
ومثله كثير في الأدب والشعر، وانظر أيضًا إلى قول جرير:
               إِنَّ الْعُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا حَوَرٌ         قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلَانَ
يَصْرِعْنَ ذَا الْلُبِّ حَتَّى لَا حِرَاكَ بِهِ وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ إِنْسَانَ

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


فصل قوله: يصرعن ذا اللب عما قبله، وليس من هذا الباب، وإنما هو توكيد من حيث المعنى للذي قبله، والقول فيه كالقول في كمال الاتصال الذي سوف ندرسه في الجمل التي لا محل لها؛ لأن الأصول التي تُطَبَّقُ هناك تطبق هنا أيضًا، ويزيد ما له محل هذا الذي نقوله؛ هذا البيت ترى فيه الجملة التي لها محل واقعة موقع التوكيد من التي قبلها، وتقول: رأيت فلانًا يفعل كذا، إنه من المهتمين بهذا الأمر. فتقع الثانية من الأولى موقع السؤال من الجواب، وتفصل عنها لذلك، مع أن لها محلًّا من الإعراب.

اختلاف الجمل التي لها محل من الإعراب؛ طولًا وقصرًا
وأشباه هذا كثير تراه بين يديك فيما تقرأ، والمهم أن الجمل التي لها محل البحث فيها أوسع دائرة، وله جهات متراحبة، ولننظر إليها من جهة اختلاف أحوالها في التركيب؛ طولًا وقصرًا، وما يعتور ذلك من تصاريف، فهناك الجمل الصغيرة المختصرة المكونة من مفردات، وهناك الجمل التي تطول إلى حد ما بسبب كثرة تعلقاتها، وهناك جمل تطول أكثر؛ لأنها تتكون من جمل، وقد تتكاثر الجمل الداخلة في تكوين الجملة؛ كأن تقع جملة خبرًا، وفيها فاعل أو مفعول، أو جار ومجرور، ثم يوصف هذا المفرد بجملة يقع فيها حال أو استثناء أو شرط، وقد تعطف على هذه أو تلك جملة أو جملتان، وقد يتولد من إحداها ما يستتبع استثناءً أو شرطًا، وهكذا تمتد بعض الفروع وتطول.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


وجمل الشرط مثال واضح في هذا الذي نقول؛ فقد تترادف جمل معطوفة على جملة الشرط، ثم تأتي جملة الجواب وقد تكاثرت على عاتقها هي الأخرى جملة من الجمل، ولسنا في حاجة إلى أن نضرب من اللغة شواهد على ذلك، فكل كلام قد ثَقِفَهُ صَاحِبُهُ ونَقَّاه؛ سواء كان شعرًا أو نثرًا يعالج ما شئت من الشئون، إذا تأملته وجدت أحوال جمله تتفاوت من هذه الناحية.
وقد نبه عبد القاهر إلى هذا التداخل في الجمل، وعرض أنماطًا من الجمل الكبيرة التي تذوب في تشكيلها مجموعة تتكاثر من الجمل الصغيرة، كما في قوله تعالى: ((إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ)) [يونس: ٢٤].
وقد ابتلعت هذه الجمل في جوفها عشر جمل، دخل بعضها في بعض، وأنواع الارتباطات داخل هذه الجمل وطرائق الصوغ ووجه الترتيب، كل ذلك باب من أبواب النظر، وكل ذلك يختلف باختلاف الأحوال والمقاصد التي يتجه إليها الكلام، كما يختلف باختلاف أحوال المتكلمين وطبائعهم في إبانتهم عما في نفوسهم ومدى تمكنهم من أداتهم وقوة إحساسهم بما يجدون، وهذا باب واسع جدًّا؛ لأن الدراسة المتأنية لكل شاعر وأديب وصاحب قلم من هذه الزاوية تهدي إلى نتائج طيبة في الدراسة البلاغية الجادة، ولكل متكلم طبع في بيانه، ومزاج يفرغه في نظام تكوين جمله، وتشابك أطرافها، وليس من الصواب أن نزعم أن أحوال جملة الجاحظ من هذه الناحية كجملة ابن المقفع والصاحب بن عباد، وأن ما نجده في بناء جملة الفرزدق هو ما نجده في بناء جملة الأخطل أو جرير.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


انظر إلى قول الجاحظ مثلًا، ويقال: إنهم لم يروا قَط خطيبًا بلديًّا إلا وهو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستثقلًا مستصلفًا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح، وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة؛ فإنه قد ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثير.
الجملة هنا متراكبة تراكبًا واضحًا، وقد طالت بعض فروعها، وتولد منها غيره، والنص كله جملة واحدة؛ لأن ما يرتبط بالجملة بالفاء أو غيرها من أدوات الربط فرع منها، وإن كان فرعًا يتدلى جانبها، كما ترى في قوله: فإنه قد ابتدأ بحلاوة.
وانظر إلى قول الجاحظ في غرض آخر: فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتُنْسَب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة أو حبرت خطبة، أو ألفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب؛ فإن رأيت الأسماع تصغي إليه والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله.
أحوال التركيب وأنواع التداخل في هذه الجملة -وإن كانت متكاثفة- فإنها ليست كالتي قبلها، وأبرز ما فيها هو تعاطف الجمل، وتكوينها من مجموعها جملة شرطية، وكذلك في جملة الجواب، وقد انبثقت منها جملة مستدركة، وتولد منها جملة شرطية جديدة ترادفت فيها جمل كَوَّنَتْ جملة الشرط، وهكذا ترى الأمشاج داخل الجملة تختلف وطريقة بناء المعنى تختلف باختلاف هذه الأمشاج وتصرفات الخيوط الدقيقة داخل البناء، وهذا كله بحث في صميم نسق الكلام وبنية الأدب.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


وليس كل كلام الجاحظ هكذا، وإنما فيه كثير من الجمل البسيطة التي يسميها ابن هشام: الجمل الصغرى، وإنما ذكرنا من كلامه هذا؛ لأننا بصدد الحديث عن الجملة التي لها محل من الإعراب، وما دامت كذلك فهي بالضرورة داخلة في جوف جملة، وبحث الجملة من هذه الناحية يفتح لنا -كما اشرنا- الباب لدراسة بناء الجملة عند كثير من الشعراء والكتاب الشامخين الذي نعدهم معالم بارزة أو منعطفاتٍ واضحةً في الحياة الفكرية والأدبية.
والبحوث الجادة في هذا الصدد تقدم لنا الملامح الأساسية لبناء الجملة عند سيبويه وابن جني والشافعي وأحمد بن حنبل والكندي وغيرهم، كما تبرز الملامح الأساسية لبناء الجملة في كل فرع من فروع المعرفة، فطبع تشكيل الجملة في الفقه يختلف عن طبع الجملة في الشعر أو الخطبة أو الفلسفة أو النحو أو التاريخ، كما تبرز الملامح المميزة لبناء الجملة في كل عصر من عصور الفكر والأدب؛ فبناء الجملة في العصر الأول ليس باقيًا بكل طبائعه في العصر العباسي ولا فيما وراء ذلك من أزمان، وهكذا تختلف طبائع الجملة في أدب وفكر أهل المغرب عنها في تراث أهل المشرق، وكثير من الأحوال النفسية والعقلية للفرد والجيل والعصر والأمة منعكس -لا محالة- في هذه الأحوال.
هذا فضلًا عن أن الجملة القرآنية لم تُدْرَسْ من هذه الزاوية مع أن تصاريفها لا ينتهي منها العجب، واقرأ أي سورة وحاول أن ترصد أحوال الجمل في تداخلها وتتابعها، وإذا أحسنت ذلك ظهر لك ما نريده.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


قلنا: إن مواقع الإعراب هي في جوهرها وصف وتحليل للعلاقة القائمة بين مفردات الكلام وجمله، وأننا حين نقول: إن هذا المفرد أو تلك الجملة وقعت وصفًا أو خبرًا أو حالًا أو ما شئت، فنحن نبين الرابطة والعروة التي تصلها بجارتها وتجعلها تتشابه معها في خيط واحد، فهي وصف لها أو خبر عنها أو كاشفة لحالها أو مزيلة لضرب من الإبهام غَشِيَ نِسْبَتَهَا أو مفردًا من مفرداتها، وهكذا تجد دراسة موقع الإعراب بحثًا دقيقًا وعميقًا وممتعًا في ربط الكلام وعلائقه، وكشفًا بارعًا لتلك الخيوط التي تدق حتى كأنها شعيرات خفية، ولكنها متينة وثيقة في ربط الكلام ودمجه.
وقد رأينا هذه الخيوط تربط جملة من الجمل تطول وتترادف في بعض أطرافها وتتعرج، وتتشابك، وتلتف حتى كأن الجملة شجيرة صغيرة منتظمة في سلك الكلام.
أما الجمل التي لا محل لها من الإعراب، فليس بينها تلك المشابك، وإنما يجري أمر فصلها ووصلها على نظام قرره عبد القاهر، وقد أشرنا إلى أنه يجري في "التي لها محل" أيضًا، ولكن المهم أن الروابط الإعرابية التي تجري هناك لا تجري هنا.
وقد رأينا عبد القاهر يقيس الجملة على المفرد فيما له محل من الإعراب، وكذلك فعل فيما ليس له محل من الإعراب، فإذا كانت هناك مفردات تتصل بما قبلها اتصالًا من ذات نفسها -كالصفة والتوكيد والبدل- فكذلك هاهنا جمل تتصل بالتي قبلها اتصالًا داخليًّا، فلا تحتاج إلى عاطف يعطفها عليها.

...٢.١٤ الوصل بالواو بين الجمل التي لها محل من الإعراب، واختلاف


فكما لا يجوز أن تضم التوكيد إلى مؤكده أو تضم التوكيد على مؤكده بضامّ، كذلك لا يجوز أن تضم الجملة المنزلة من التي قبلها منزلة التوكيد بعاطف؛ لأنها تتصل بها اتصالًا داخليًّا، وهو أقوى من الاتصال الخارجي؛ لأن التوكيد هو عين المؤكد، وكذلك الصفة هي عين الموصوف، والواو لا تقع بين الشيء ونفسه، وإنما تقع بين متغايرين ومتناسبين.
تقول: حَرَصَ فلان على هذا الأمر حرصًا شديدًا لم أستطع أن أصرفه عنه، فلا تدخل الواو بين الجملتين؛ لأن الثانية هي الأولى، كما تفعل في قولك: لقيت فلانًا نفسه. فلا تدخل الواو بين التوكيد والمؤكَّد لما بينهما من وثوق الصلة، وإذا دخلت الواو بين هاتين الجملتين آذنت أن هذا شيء وذلك شيء آخر، وكأنك تخبر عن حقيقتين، لا حقيقة واحدة، وحين يقف عبد القاهر ليستنبط ضوابط أحوال الجمل في فصلها ووصلها من أحوال المفرد، ويبين أن هذه تجري على منهاج تلك، إنما يرشد من وجه آخر إلى ما ينطوي عليه هذا اللسان من أصول وضوابط عامة، ينزع عنها في صلات كلماته ونسقها، كما ينزع عنها في صلات جمله.
وقد عهدنا عبد القاهر في استقصاءاته وتأملاته لأحوال الكلام وجهده في تأصيل وتقنين مدركاته ينزع إلى الأصول العامة، ويرجع بالقاعدة المحدودة إلى أصل أكبر، وكأنه يهدي إلى بحث أمهات الأصول وكليات القوانين. أتوقف عند هذا الحد؛ لأن الموضوع يطول أكثر من ذلك.