![]() |
نبه عبد القاهر إلى ضرورة المناسبة التي تسوغ ذكر اللفظ مع غيره، وقرانه به مع أن النحو الذي يحيل عليه عبد القاهر: هو النحو الذي يحلل طريقة اللسان في بناء الجمل من مفرداتها، ويعرف هذه المناسبة، فلا يقبل أن تقول: الشمس ومرارةُ الأرنب، وألف باذنجانةٍ محدثة، كما يقول السّكّاكي، وسّعت، وإن كان هذا صحيح الإعراب. والذين يزعمون أن النحو لا يعنيه في هذا إلا أن تضبط حركات الأواخر لا يفهمون النحو؛ لأن النحو الذي يعرفه علماء هذه الأمة، هو النحو الذي يبحث منطق اللسان، ويحلل ضروب العلاقات بين كلماته، ويشرح سليقة الأمة، المنعكسة في هذا البناء الإعرابي المُعْجِم، والنحو الذي جلَّ في عين ابن الفرات حين أحس بجلال منهجه، في ذلك الحوار النادر، الذي دار في مجلسه النبيه، بين "مَتَّا" الفيلسوف وشيخ العربية في زمانه أبي سعيدٍ السيرافي. |
![]() |
ذكر البلاغيون أن الواو لا تدخل بين الصفة والموصوف، فلا تقول: "جاء زيد والكريم" على أن الكريم هو زيد؛ لاستحالة عطف الشيء على نفسه، هكذا قال العلوي، وقد لحظ الزمخشري: أن الواو تقع هذا الموقع، وتفيد قوة لصوق الصفة بالموصوف، وهي الواو الداخلة على الجملة الواقعة صفةً للنكرة. ألحقوا الجملة التي لها محل من الإعراب بالمفرد؛ لأن الجملة لا يكون لها محل من الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد، وحينئذ تكون علاقة الإعراب -أعني: تسليط العامل عليها- بمثابة المناسبة، فإذا أردنا أن ندخل غيرها معها في هذه المناسبة أو تلك الحالة المعنوية والإعرابية عطفناها عليها، يقول عبد القاهر: الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين؛ أحدهما: أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب، وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد؛ إذ لا يكون للجملة موضع من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد. وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جاريًا مجرى عطف المفرد، وكان وجه الحاجة... |
| ...إلى الواو ظاهرًا والإشراك بها في الحكم موجودًا، فإذا قلتَ: مررتُ برجلٍ خُلُقهُ حَسَنٌ وخَلْقه قبيحٌ. كنتَ قد أشركتَ الجملَة الثانيةَ في حُكمِ الأُولى وذلك الحكمُ كونُها في موضع جرٍّ بأَنَّها صفةٌ للنكرة. ونظائرُ ذلك تَكْثُر والأمرُ فيها يَسْهُلُ. والذي يشكلُ أمُره هو الضربُ الثاني: وذلك أن تَعطِفَ على الجملةِ العاريةِ الموضعِ من الإِعرابِ جملةً أخرى. اختلاف الجمل التي لها محل من الإعراب؛ طولًا وقصرًا: وأشباه هذا كثير تراه بين يديك فيما تقرأ، والمهم أن الجمل التي لها محل البحث فيها أوسع دائرة، وله جهات متراحبة، ولننظر إليها من جهة اختلاف أحوالها في التركيب؛ طولًا وقصرًا، وما يعتور ذلك من تصاريف، فهناك الجمل الصغيرة المختصرة المكونة من مفردات، وهناك الجمل التي تطول إلى حد ما بسبب كثرة تعلقاتها، وهناك جمل تطول أكثر؛ لأنها تتكون من جمل، وقد تتكاثر الجمل الداخلة في تكوين الجملة؛ كأن تقع جملة خبرًا، وفيها فاعل أو مفعول، أو جار ومجرور، ثم يوصف هذا المفرد بجملة يقع فيها حال أو استثناء أو شرط، وقد تعطف على هذه أو تلك جملة أو جملتان، وقد يتولد من إحداها ما يستتبع استثناءً أو شرطًا، وهكذا تمتد بعض الفروع وتطول. إن عبد القاهر يرى أن الواو تقتضي المغايرة والمناسبة، ومقتضى المغايرة ألا تدخل بين الشيء ونفسه، وإذا فعلتَ ذلك فقد أوهمت أنهما متغايران، ومقتضى المناسبة ألا تدخلها بين المتباينين تمام المباينة. | |
![]() |
ويؤصل عبد القاهر هذا بأن المعاني كالأشخاص، وكأنه يومئ إلى أن الواو في المعاني كالوسيط في الرجال؛ فإذا تضام الرجلان واشتد ما بينهما لا يحتاجان إلى واصل يَصِلُ بَيْنَهما، وإذا تنافر الرجلان غاية التنافر، بحيث لا يكون هناك ظن في وصلهما كان وجود الوسيط عبثًا، وإنما يكون وجود الوسيط في الحالة التي بين بين، هذا واضح في أحوال الناس، وهو كذلك في كلامهم؛ لأن الكلام في حقيقته تشكيل... |
| ...للسلوك والأمزجة والعادات والطبائع، وإذا ذهبت تبحث في المشابهات بين تقاليد اللسان وتقاليد السلوك وجدت مشابهات كثيرة. إن المهم الْمُقَدَّمَ قيمة من قيم السلوك وأصل من أصول بناء الكلام، والمهم أنه إذا قويت العلاقة بين الجملتينِ اتصلتا من ذات نفسيهما، وتداخلتا وصارتا كالشيء الواحد؛ فإذا أدخلت الواو بينهما فكأنك عمدت إلى جسم غريب وأقحمته بين الشيء ونفسه، ما لم يكن لك من وراء ذلك مغزًى. |