٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


المعاقبة والمراقبة والمكانفة

قد عرفت فيما سبق أن الزحافَ مختصٌّ بثواني الأسباب؛ إما بحذف الثاني، وإما بتسكينه في تفعيلة واحدة؛ سواء أكان السبب مجاورًا لوتدٍ أم سببٍ، وقد عقد علماء العرض صلةً بين السببين المتجاورين في تفعيلة واحدة أو تفعيلتين من حيث سلامتهما معًا أو مزاحفتهما معًا، وسموا ذلك بحسب مواقعه في الأبحر؛ معاقبة أو مراقبة أو مكانفة، ولكل منها أحكام تخصها.

المعاقبة
والمعاقبة لغة: المناوبة، من قولهم: تعاقب المسافران على الدابة، فهما لا يجتمعان عليها.
وعند العروضيين: تجاور سببين خفيفين في تفعيلة واحدة، مثل: مفاعيلن في الطويل والهزج، أو في تفعيلتين متتاليتين مثل: فاعلاتن فاعلن في المديد، فاعلاتن فاعلاتن في الرمل، فاعلاتن مستفع لن في الخفيف.
وهذان السببان قد يسلمانِ معًا من الزحاف ولا يُزَحَّفَانِ معًا، بل إذا زحف أحدهما سلم الآخر، ولم تُسْمَعْ إلا في تسعة أبحر: الطويل، والمديد، والوافر، والكامل، والهزج، والرمل، والمنسرح، والخفيف، والمجتث.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


فأما تجاور السببين في تفعيلة واحدة مثل: "مفاعيلن" وسلامتهما معًا، فمثاله قول الشاعر:
أَلا يا اسلَمِي ذاتَ الدَماليجِ وَالعِقدِ       وَذاتَ الثَنايا الغرِّ وَالفاحِمِ الجَعد

البيت من الطويل، وتقطيعه:
ألايس فعولن/ لمي ذاتد مفاعيلن/ دمالي فعولن/ جِ ولعقدي مفاعيلن
وذات ث فعولن/ ثنايلْغُرْ مفاعيلن/ رِ ولفا فعولن/ حمِ لْجَعْدِي مفاعيلن

سَلِمَتْ جميع أجزائه من الزحاف بما فيها العروض؛ لأن البيت مصرع.
ويجوز قبض "مفاعيلن" بحذف الياء لتسلم النون؛ كقول الشاعر (من الطويل):
بَلَغنا السَّماءَ مجدنا وثناؤنا      وَإِنّا لَنَبغي فَوقَ ذَلِكَ مَظهَرا
بلغنسْ فعولن/ سماء مجْ مفاعلن/ دنا و فعولُ/ ثناؤنا مفاعلن
وإنْنَا فعولن/ لنبغي فو/ مفاعيلن/ ق ذال فعولُ/ ك مظهرن مفاعلن


٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


...والشاهد في قوله: "سماء مج" أتى على وزن "مفاعلن" على سبيل المعاقبة.
ويجوز كف "مفاعيلن" بحذف النون؛ لتسلم الياء من الحذف قبضًا، كقول الشاعر (من الطويل):
أَلَا رُبَُّ يَوْمٍ لَكَ مِنْهُنَّ صَالِح       وَلَا سِيَّمَا يَوْمًا بِدَارَة جُلْجُلِ
ألَا رُبْ فعولن/ ب يومن لَ مفاعيلُ/ ك من هن فعولن/ ن صالحن مفاعلن
ولا سي فعولن/ يما يومن مفاعيلن/ بدار فعولُ/ تجلجلي مفاعلن

والشاهد في قوله: "ب يومن ل" جاء على وزن "مفاعيلُ"، فزحف السبب الثاني بحذف النون كفًّا، فسلم السبب الأول من حذف يائه قبضًا على سبيل المعاقبة.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


وأما تجاور السببين في تفعيلتين، فمثال جواز سلامتهما معًا قول الشاعر (من المديد):
إنما الدنيا بلاءٌ وكدٌّ       واكتئابٌ قد يسوق اكتئابَا
إنْ نمَدْدنْ فَاعِلَاتُنْ/ يا بلا فَاعِلُن/ ؤنْ وكَدْدُنْ فاعلاتن
وَكْتِئَابُنْ فاعلاتن/ قد يسو فاعلن/ قُ كْتِئَابَا فاعلاتن

وأنت ترى أن جميع أجزاء البيت سلمت من الزحاف، على سبيل المعاقبة.
وللجزء المزاحف في المعاقبة ثلاثة أسماء: الصدر والعجز، والطرفان.
فأما الصدر، فهو ما زحف أوله لسلامة ما قبله، وسمي بذلك؛ لوقوع الزحاف في صدر التفعيلة، وشاهده (من المديد) قول الشاعر:
ومتى ما يعِ منك       كلامًا يتكلم فيجبك بعقل
الشاهد هنا في الجزء الثاني من البيت، وهو قوله: "يعِ من" حيث جاء على وزن "فَعِلنْ"، وزحف السبب الأول من "فاعلن" بحذف ألفه خبنًا؛ لسلامة السبب الثاني من "فاعلاتن" قبله من حذف نونه كفًّا.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


وأما العجز فهو ما زحف آخره لسلامة ما بعده، وشاهده (من المديد) قول الشاعر:
لن يزال قومنا صالحين       مخصبين ما اتقوا، واستقاموا
لن يزالَ فاعلاتُ/ قومنا فاعلن/ صالحين فاعلاتُ
مخصبين فاعلاتُ/ ماتتقو فاعلن/ واستقامو فاعلاتن

والشاهد في قوله: "لن يزالَ" على وزن "فاعلاتُ" بحذف نونه كفًّا؛ لسلامة "فاعلن" بعده من حذف الألف خبنًا، وسمي عَجُزًا؛ لوقوع الزحاف في آخر التفعيلة.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


الطرفان: هو ما زُحف أوله لسلامة ما قبله، وزحف آخره لسلامة ما بعده، ومثاله قول الشاعر (من المديد):
ليت شعري هل لنا ذات يومٍ       بجنوب فارغٍ من تلاقِ؟
ليت شعري فاعلاتن/ هل لنا فاعلن/ ذات يومن فاعلاتن
بجنوب فعلاتُ/ فارغٍ فاعلن/ من تلاقي فاعلاتن

الشاهد في قوله: "بِجَنُوبِ" أتت على وزن "فعلاتُ"؛ زحف أوله بالخبن، فسلمت نون "فاعلاتن" في العروض من الكف قَبْلَهَا، وزحف بحذف نونه كفًّا؛ لسلامة ألف "فاعلن" بعده من الحذف خبنًا، على سبيل المعاقبة.


٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


المراقبة

والمراقبة: تجاور سببين خفيفين في تفعيلة واحدة، لا يسلمان معًا، ولا يزحفان معًا، وإنما سميت بذلك؛ لأن كلًّا منهما يراقب سقوط صاحبه، إذا سقط صاحبه بقي هو، وإذا بقي صاحبه سقط هو. ولا يتحقق ذلك إلا في تفعيلتين، وهما:
"مفاعيلن" في أول شطري المضارع؛ فإذا دخلها الكف -بزوال النون- ثبتت الياء وسلمت من القبض، فكان الوزن "مفاعيلُ".
ومثاله من المضارع -وهذا البحر مجزوء وجوبًا- قول الشاعر:
دعاني إلى سعادٍ       دواعي هوى سعاد
دعاني إ مفاعيلُ/ لا سعادن فاع لاتن
دواعي هَ مفاعيلُ/ وى سعادن فاع لاتن

الشاهد: "دعاني إ مفاعيل" بحذف النون، فسلمت الياء من القبض بحذف الخامس.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


وإذا دخل "مفاعيلن" القبض بحذف الخامس الساكن، ثبتت النون، ومثاله قول الشاعر:
إذا دنا منك شبرًا       فأدنه منك باعَا
البيت من المضارع.
إذا دنا مفاعلن/ منك شبرن فاعلاتن
فأدنهي مفاعلن/ منك باعن فاعلاتن

والشاهد هنا: دخل القبض "مفاعيلن" في أول المصراعين بحذف الياء، فسلمت النون من الحذف كفًّا، على سبيل المراقبة.
"مفعولاتُ" في أول شطري المقتضب، ومثاله قول الشاعر:
أتانا مبشِّرُنَا       بالْبَيَانِ وَالنُّذُر
أتانا م معولاتُ/ بششرنا مستعلن
بلْبَيَانِ مفعُلاتُ/ ونْنُذُري مستعلنْ



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


... "مفعولاتُ" في أول شطري المقتضب، ومثاله قول الشاعر:
الشاهد: دخل الخبن "مفعولات" بحذف الفاء، فصارت "مَعُولَاتُ" وتحوَّلُ إلى "مفاعيلُ"، فسلمت الواو من الحذف طيًّا، وفي المصراع الثاني دخل الطي بحذف الرابع وهو حرف الواو، فصارت "مفعلات"، فسلم الحرف الثاني وهو الفاء من الحذف خبنًا، على سبيل المراقبة.

المكانفة
وتعني لغة: التعاون.
واصطلاحًا: تجاور سببين خفيفين في تفعيلة واحدة، وقد يسلمان معًا أو يزحفان معا، أو يسلم أحدهما لمزاحفة الآخر -أي: إنهما يقعان معًا، أو يرتفعان معًا، أو يسلم أحدهما ويقع الآخر.
وتدخل المكانفة أربعة أبحر هي: البسيط والرجز والسريع والمنسرح، وأيضًا تدخل في هذه الأبحر التفعيلات الكاملة -أي: السالمة من كل نقص.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


مثال سلامة السببين معًا في "مستفعلن" من الزحاف في البسيط، قول الشاعر:
لا يرحل الشيب عند دار يحل بها       حتى يرحّلَ عنها صاحب الدار
لا يَرْحَلشْ/ شَيْبُ عَنْ/ دارن يحل/ لُ بها
حتتى يرح/ حل عن/ ها صاحب دْ/ داري

سلمت فيه "مستفعلن" من الزحاف بسلامة السببين المتجاورين معًا، على سبيل المكانفة.
ومثال مزاحفة السببين معًا في "مستفعلن" قول الشاعر أيضًا (من البسيط):
وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لقيهم رجلٌ       فأخذوا ماله، وضربوا عنقه
وزعمو متعلن/ أنهم فاعلن/ لقيهم متعلن/ رجلٌ فعلن
فأخذو متعلن/ مالهو فاعلن/ وضربو متعلن/ عنقهْ فعلن
وقد دخل الخبل جميع تفعيلاته السباعية -أي: مستفعلن- بحذف سين وفاء "مستفعلن"، فصارت "متعلن" وتحوَّل إلى "فعلتن"، على سبيل المكانفة.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


ومثال حذف ثاني السبب الأول، وسلامة ثاني السبب الثاني من الحذف، قول الشاعر:
لقد مضت حقبٌ صروفها عجبٌ       فأحدثت عبرًا، وأعقبت دولا
لقد مضت متفعلن/ حقبن فعلن/ صروفها متفعلن/ عجبن فعلن
فأحدثت متفعلن/ عبرن فعلن/ وأعقبت متفعلن/ دولن فعلن
البيت من البسيط، وقد دخل الخبن -وهو حذف الثاني الساكن- جميع تفعيلاته السباعية بحذف سين مستفعلن، فصارت "متفعلن"، فسلم السبب الثاني من الحذف على سبيل المكانفة.
ومثال حذف ثاني السبب الثاني، وسلامة ثاني السبب الأول من الحذف قول الشاعر:
ارتحلوا غدوة، وانطلقوا سحرًا في       زمر منهمُ، يتبعها زمرُ
ارتحلو مستعلن/ غدوتن فاعلن/ ونطلقو مستعلن/ سحرن فعلن
في زمرن مستعلن/ منهمُو فاعلن/ يتبعها مستعلن/ زمرو فعلن

البيت من البسيط، وقد دخل الطي جميع تفعيلاته السباعية، فسلم ثاني السبب الأول من الحذف على سبيل المكانفة.


٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها


الفروق بين المعاقبة والمراقبة والمكانفة
تجتمع المعاقبة والمراقبة إذا كانتا في تفعيلة واحدة في:
أنه لا يجوز مزاحفتهما معًا بحذف ثانيهما.
أنه إذا حذف ثاني أحدهما وجب بقاء ثاني الآخر.
وتفارق المعاقبة المراقبةَ في:
أن المعاقبة يجوز فيها سلامة السببين معًا، والمراقبة يمتنع فيها سلامتهما معًا.
أن المعاقبة تكون في السببين المتجاورين في تفعيلة واحدة أو في تفعيلتين، أما المراقبة فلا تكون إلا إذا كان السببان المتجاوران في تفعيلة واحدة.
أما المكانفة فتجامعُ المعاقبة في جواز سلامة السببين معًا، وتفارقها في أن المعاقبة تكون في السببين المتجاورين في تفعيلة أو تفعيلتين، ولا تكون المكانفة إلا إذا كان السببان المتجاوران في تفعيلة واحدة.
والمكانفة تجامع المراقبة في أنها تكون في تفعيلة واحدة، وتفارقها في أن المكانفة تجوز فيها مزاحفة السببين معًا، والمراقبة يمتنع فيها ذلك.

٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها



٢.٤ المعاقبة والمراقبة والمكانفة، والفروق بينها