٨.١ مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباريِّ
 |
خصَّص الأنباريُّ الفصل الرابع والعشرين من فصول (لمع الأدلة) للحديث عن ذكر ما يلحَق بالقياس من وجوه الاستدلال، موضحًا في بداية هذا الفصل أنّ أنواع الاستدلال كثيرةٌ تَخرج عن حدّ الحصر، وأنه سيذكر في هذا الفصل ما يكثر التمسكُ به، وأورد أمورًا أربعة مما يلحَق بالقياس جاعلًا في مقدمتها: التقسيم، ثم ذكر أنّ الاستدلال بالتقسيم ضربان: |
الضرب الأول
 |
أحدهما: أن يَُذكَرَ المستدِلُّ الأقسامَ التى يجوز –يعني عقلا- أن يتعلق الحكم بها فيُبطلَها جميعَها، فيَبطُلَ بذلك قولُه، أي قولُ المُثبتِ للحكم المتعلَّق بها في ضمن ما أبطله من الأقسام، ومثال ذلك: حكم دخول اللام في خبر (لكنَّ) المشدَّدةِ النون قياسا على أختها "إنَّ" ؛ فقد ذهب الكوفيون إلى جوازه ؛ احتجاجا بقول بعض العرب:
ولكنني من حبها لَعميد
|
٨.١ مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباريِّ
 |
وهذا الذي أجازه الكوفيون يَبطل بطريق السبر والتقسيم؛ إذ يقال: إن هذه اللام الداخلة على خبر (لكنَّ) إما أن تكون لام التوكيد، أو لام القسم، ولا يجوز أن تكون هذه اللام للتوكيد ؛ لأن لام التوكيد إنما حسُن دخولها على خبر (إنَّ)؛ لاتفاقهما في معنى واحد، وهو التأكيد، ولذا وجب تأخير اللام عن (إنَّ) ودخولُها على الخبر؛ لئلا يتوالى مؤكِّدانِ، ومن ثم سميت المزحلَقة، أي التي زُحلِقت إلى موضع الخبر، وتدخل على الاسم إذا تأخر، كما في قوله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)) [النازعات: ٢٦]، ونحوه. |
 |
و(لكنَّ) ليست للتأكيد؛ لأنها ليس فيها توكيدٌ، ولا هي موضوعةٌ له، فبطل أن تكون اللام الداخلة في خبرها للتأكيد. |
 |
كما يبطل أن تكون اللام للقسم؛ لأن (إنَّ) واللامَ بينهما مناسبة، وهي وقوع كل منهما في جواب القسم، فمن وقوع (إنَّ) في جواب القسم قولُه تعالى: ((إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) [يّس: ٣]، جوابا لقوله تعالى ((يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)) [يس: الآيتان: ١، ٢]، ولما لم يجز وقوع لكنَّ في جواب القسم امتنع أن تكون اللام للقسم، وإذا بطل أن تكون اللام للتوكيد، وأن تكون للقسم تعين بطلانُ الحكم نفسِه، وهو دخول اللام في خبر لكنَّ، وأما قول الشاعر:
ولكنني من حبها لعميد
|
٨.١ مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباريِّ
 |
فلا حجة فيه لشذوذه؛ إذ لا يعلم له تتمة، ولا قائل، ولا راوٍٍ عدلٌ يقول سمعت ممن يوثق بعربيته، والاستدلال بما هو هكذا في غاية الضعف، ولهذا لا يكاد يُعرف له نظيرٌ في كلام العرب وأشعارهم، ولو كان قياسًا مطردًا لكان ينبغي أن يكثر في كلامهم وأشعارهم، كما جاء في خبر "إنَّ"، وفي عدم ذلك دليلٌ على أنه شاذٌّ لا يُقاس عليه. |
 |
وقد أورد أبو البركات الأنباري هذه المسألة في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف)، وأوضح أنّ الكوفيين ذهبوا إلى أنه يجوز دخول اللام في خبر "لكنَّ" كما يجوز في خبر "إنَّ"، نحو " ما قام زيدٌ لكنَّ عَمرًا لَقائمٌ"، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز. وأنّ الكوفيين قد احتجوا على ذلك بالنقل والقياس؛ أمّا النقلُ فقد جاء عن العرب إدخالُ اللام على خبرها، قال الشاعر:
ولكنني مِن حُبِّها لَكَمِيدُ
|
 |
وقد ذكر محققُ (الإنصاف) شيخنا المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد طيب الله ثراه في تعليقه على هذا الشاهد أنّ أكثر العلماء الذين استشهدوا به يَنُصّون على أنه لا يُعلم قائلُه ولا تُعرَف له تتمةٌ ولا سوابقُ أو لواحقُ، إلاَّ ابنَ عقيل فإنه رواه بيتا كاملا من غير عزْو، هكذا:
يلومونني في حبِّ ليلَى عواذلِي
ولكنني من حبها لَعَمِيدُ
|
٨.١ مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباريِّ
القول الثاني
وهو أن عامل النصب في المستثنى هو إلا؛ لأنها بمعنى أستثني مردود من أربع جهات:
نحو: قام القوم غيرَ زيد، فلو كان النصب بـ(إلا) التي بمعنى (أستثني) لكان التقدير: إلا غيرَ زيد، وهذا يؤدي إلى فساد المعنى.
لو كان عامل النصب (إلا) بمعنى (أستثني) لوجب النصب في النفي، كما يجب في الإيجاب؛ لأنّ فيه أيضا معنى: "أستثنِي"، وذلك نحو: ما قام القوم إلا زيدٌ، أو إلاَّ زيدًا، ولمّا كان المستثنى في النفي يجوز فيه النصب على الاستثناء، ويجوز فيه الإتباعُ على البدلية، دل ذلك على أن (إلا) ليست هي عامل النصب.
أنه لو كان عامل النصب إلا التي بمعنى أستثني لأدى ذلك إلى إعمال معنى الحرف، وذلك لا يجوز.
أنه لو كان عامل النصب (إلا) لأنها بمعنى أستثنى لجاز الرفع بتقدير: (امْتَنَعَ) أي بصيغة الماضي، فيَحتاج لفاعِل هو ذلك المستثنَى، فنحو: قام القوم إلا زيدا، لو قدر فيه (امْتَنَعَ) لوجب رفع زيد؛ لأن الفعل ماض يحتاج إلى فاعل، وقد استوى (أستثني وامْتَنع)؛ لاستقامة المعنى مع كل منهما، فلا يجوز ترجيح أحدهما على الآخر؛ إذ ترجيحُ أحدهما على الآخر –مع كون المعنى مع كلٍّ منهما مستقيمًا ظاهرًا– ضربٌ من ضروب التحكُّم.
٨.١ مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباريِّ
كما أورد ذلك عَضُدَ الدولة وهو أحدُ أمراء بني بُويهِ على أبي عليٍّ الفارسيِّ، وكان معه يومًا في الميدان، فسألَ عضدُ الدولة الفارسيَّ: بمَ ينتصب المستثنَى؟ فقال له الفارسيُّ: بتقدير "أستثنِي"، فقال له: لِمَ قدَّرتَ "أستثنِي" فنصبتَ؟ هلاّ قدَّرتَ "امْتَنَعَ زيدٌ" فرفعتَ! فقال الفارسيُّ معتذرًا: هذا جوابٌ ميدانيٌّ، فإذا رجعتُ قلتُ الجوابَ الصحيحَ. والذي اختاره أبو علي في (الإيضاح) أنه بالفعل المقدَّم بتقوية "إلاَّ". فهذه أربع جهات تُبطل القول بأن عامل النصب هو (إلا)؛ لأنها بمعنى أستثني.
القول الثالث
كما بطل –أيضا- القول الثالث وهو أن عامل النصب (إلا)؛ لأنها مركبة من (إنِ) المخففة و(لا)، والذي يُبطل هذا القول أن فيه إعمال (إن المخففة) و(إنَّ) إذا خففت قل عملها جدًّا، وكان الأكثر إهمالها. كما يبطله أن الحرف إذا ركب مع حرف آخر خرج كل منهما عن حكمه وثبت للمركَّب بالتركيب حكم آخر غيرُ الحكم الذي كان لأجزائه التي رُكِّبَ منها.
القول الرابع
وهو أن عامل النصب هو أنَّ المقدرة قول مردود كذلك؛ إذ يبطله أن (أنَّ) لا تعمل مقدرة وإنما تعمل ظاهرةً.
٨.١ مسلك التقسيم عند أبي البركات الأنباريِّ
إذا بطلت هذه الآراء الثلاثة تعين القول الأول، وهو أن عامل النصب في المستثنى هو الفعل المتقدم بتقوية (إلا)، ويدل على صحة هذا القول أن أصل العمل يكون للفعل، إلا أن الفعل لا يصل إلى المعمول بنفسه، وإنما يصل بـ(إلا)، فكان الفعل هو العامل بواسطتها، ويشهد لصحة هذا القول وجود النظير، وهو عامل النصب في المفعول معه، فإنه الفعل المتقدم بواسطة الواو، على الرأي الراجح من آراء النحويين.