![]() |
خصَّص الأنباريُّ الفصل الرابع والعشرين من فصول (لمع الأدلة) للحديث عن ذكر ما يلحَق بالقياس من وجوه الاستدلال، موضحًا في بداية هذا الفصل أنّ أنواع الاستدلال كثيرةٌ تَخرج عن حدّ الحصر، وأنه سيذكر في هذا الفصل ما يكثر التمسكُ به، وأورد أمورًا أربعة مما يلحَق بالقياس جاعلًا في مقدمتها: التقسيم، ثم ذكر أنّ الاستدلال بالتقسيم ضربان: |
![]() |
أحدهما: أن يَُذكَرَ المستدِلُّ الأقسامَ التى يجوز -يعني عقلا- أن يتعلق الحكم بها فيُبطلَها جميعَها، فيَبطُلَ بذلك قولُه، أي قولُ المُثبتِ للحكم المتعلَّق بها في ضمن ما أبطله من الأقسام. |
![]() |
إنّ الكوفيين ذهبوا إلى أنه يجوز دخول اللام في خبر "لكنَّ" كما يجوز في خبر "إنَّ"، نحو " ما قام زيدٌ لكنَّ عَمرًا لَقائمٌ"، وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز، وأنّ الكوفيين قد احتجوا على ذلك بالنقل والقياس؛ أمّا النقلُ فقد جاء عن العرب إدخالُ اللام على خبرها. وقد ذكر محققُ (الإنصاف) شيخنا المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد طيب الله ثراه في تعليقه على هذا الشاهد أنّ أكثر العلماء الذين استشهدوا به يَنُصّون على أنه لا يُعلم قائلُه ولا تُعرَف له تتمةٌ ولا سوابقُ أو لواحقُ، إلاَّ ابنَ عقيل فإنه رواه بيتا كاملا من غير عزْو. وأمّا حجة الكوفيين القياسية، فهي أنّ الأصل في "لكنَّ" إنَّ زيدتْ عليها "لا" والكافُ، فصارتا جميعًا حرفًا واحدا. |
![]() |
قد ردَّ البصريون حجة الكوفيين السماعية بما ذكره في (لمع الأدلة) وقد أوردناه فيما سبق، وأجابوا عن الحجة القياسية بأنها مجرد دعوَى من غير دليل ولا معنى. |
![]() |
والثانى من ضربَي التقسيم: أن تُذكر الأقسامُ التي يجوز أن يتعلق الحكم بها، فيُبطلَها المستدِلُّ إلا الذي يتعلق الحكم به من جهته، فيصحُّ قولُه. ومن ذلك: عامل النصب في المستثنى الموجب وهو: نحو: قام القوم إلا زيدا، فقد اختُلف فيه على أربعة أقوال: |
![]() |
الأول: أن عامل النصب هو الفعل المتقدم بتقوية (إلا). | ||
![]() |
والثاني: أن عامل النصب هو (إلاّ) نفسُها ؛ لأنها بمعنى أَستثني. | ||
![]() |
الثالث: أن عامل النصب هو إلا نفسُها لأنها مركبة من (إنِ) المخففة و"لا" وأُدغمت النون في اللام لتقاربهما مخرجا. | ||
![]() |
الرابع: أن عامل النصب هو (أَنَّ) المقدرة؛ إذ التقدير فيه: قام القوم إلا أنَّ زيدا لم يقم. |
![]() |
خلاصة ما سبق أن السبر والتقسيم مسلك من مسالك العلة عند النحويين، وأن الأقسام المحتمَلة منها ما يصلح فيبقى، وما لا يصلح فينفى. |
![]() |
المناسبة، فنقول: المسلك الخامس لما ورد في (الاقتراح) هو (المناسبة)، وقد ذكر السيوطي أنّ المناسبة تسمى –أيضا- "الإخالةَ"؛ لأنّ بها يُخالُ -أي يُظَنُّ- أنّ الوصفَ علةٌ، ويُسمّى قياسُها قياسَ علةٍ، قال ابن الطَّيِّب في (الفيض): "قولُه: (الإخالة) بالخاء المعجمة، كأنه مصدر أَخَالَهُ، أي صيَّرَه خائلاً، أي ظانًّا، كما أشار إليه". |
![]() |
معنى ما ذكر السيوطي وابن الطيِّب أنّ هذا المسلك طريقُه غلبَةُ الظنِّ والإخالة، وأنّ المتكلم بالعلة قد سلك إلى الوصول إليها طريقَ القياس على الأصل وقد غلَب على ظنه أنها العلة للحكم في الفرع المسئول عنه؛ ومن هنا كان قياسُها -كما قال السيوطي- قياسَ علة، وقد عرَّف السيوطيُّ تبعا لأبي البركات الأنباريِّ هذا القياسَ بأنه حملُ الفرع على الأصل بالعلة التي عُلِّقَ عليها الحكمُ في الأصل، ومثَّلَ له بحمل ما لم يُسَمَّ فاعلُه -وهو النائبُ عن الفاعل- في الرفع، بعلة الإسناد، وبحمل المضارع -يعني عند خلوه من نوني التوكيد والنسوة- على الاسم في الإعراب، بعلة اعتوار -أي توارُدِ- المعاني عليه. | |
![]() |
ذكر الأنباريُّ في الفصل الرابعَ عشرَ من (لمع الأدلة) أنه يُستدلُّ على صحة العلة بشيئين: التأثيرِ، وشهادةِ الأصول". |
![]() |
قال أبو البركات الأنباريُّ معقِّبًا على رأي القائلين بوجوب إبراز الإخالة بحجة أنّ عدم وجوبها يُزيل الارتباط بين الدليل والحكم: "وأُجيبَ بوجود الارتباط فإنه قد صُرِّحَ بالحكم، فصار بمنزلة ما قامتْ عليه البيِّنةُ بعدَ الدَّعوَى، فأمَّا المطالبةُ بوجه الإخالة والمناسبة فمنزلة عدالة الشهود، فلا يجب ذلك على المُدَّعِي ولكنْ على الخصم أن يقدح في الشهود -أي فإذا قدَحَ الخصمُ في الشهود فعلى المُدَّعِي حينئذٍ تزكيتُهم، وإظهارُ عدالتِهم، فكذلك لا يجب على المستدِلِّ إبرازُ الإخالة، وإنّما على المعترِض أن يقدح. |
![]() |
نحن نلحظ أنّ الأنباريَّ قد رجّح في هذا الخلافَ الرأي الذي صدَّر به المسألةَ وهو رأيَ القائلين بعدم الوجوب، وختم الخلاف بالردِّ على حجة القائلين بالوجوب ففنَّدَها وأيَّدَ رأي مخالفيهم. وما ذهب إليه هو الصواب. |
![]() |
قياس الشبَه، فنقول: هذا المسلك هو االسادس من مسالك العلة، اعلم أنّ قياس الشبَهِ أنْ يُحمل الفرعُ على الأصل بضرْبٍ من الشبَه، غيرِ العلة التي عُلِّقَ عليها الحكمُ في الأصل". وبهذا التعريف علمنا من بداية الأمر أنّ بين مسلك المناسبة والإخالة وبين مسلك قياس الشبه اتفاقًا وافتراقًا؛ فأمّا الاتفاق بينهما فمن جهة أنّ كليهما حملُ الفرع على الأصل، وأمّا الافتراق فلأنّ العلة التي في الفرع هي عين العلة التي عُلِّق عليها الحكم في الأصل في المناسبة والإخالة. أمّا في قياس الشبَه فالعلة التي في الفرع غيرُ العلة التي عُلِّق عليها الحكم في الأصل، وإنما هي بضربٍ من الشَّبَه. |
![]() |
الطردُ، وهو المسلك السابع من مسالك العلة: أنَّ الطردَ هو الذي يوجَد معه الحكمُ، وتُفقَد الإخالةُ في العلة"، وانتقل إلى بيان موقف العلماء من حُجِّيته؛ فذكر أنهم قد اختلفوا في كونه حجةً على فريقين؛ فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة؛ لأنّ مجرد الطرد لا يوجب غلبةَ الظنّ -أي بعلة جامعة بين الأصل والفرع- أَلاَ ترَى أنكَ لو عللتَ بناءَ "ليس" بكونها جامدةً لا تتصرَّفُ؛ لاطراد البناء في كل فعلٍ جامدٍ لا يتصرّف، وعللتَ إعرابَ الاسمِ الذي لا ينصرف بعدم الانصراف؛ لاطراد الإعراب في كل اسمٍ غير منصرِف، لَمَا كانَ ذلك الطردُ يُغَلِّبُ على الظنّ أنّ بناء "ليس" لعدم التصرُّف، ولا أنّ إعراب ما لا ينصرف لعدم الانصراف، أي أنك لو عللت بناءَ "ليس" بالجمود، وإعراب ما لا ينصرف بعدم الانصراف، لَمَا جعَلَ الطردُ الظنَّ غالِبا بما عللتَ؛ لاحتمال أنّ بناء "ليس" وإعرابَ ما لا ينصرف لأمرٍ آخرَ غير ما عللتَ به، فتنتفي غلَبةُ الظنِّ؛ لأنَّا نعلم على سبيل اليقين أنّ "ليس" إنما بُنيَ لأنَّه فعل والأصلُ في الأفعال البناء، وأنّ ما لا ينصرف إنما أُعرب لأنه اسمٌ والأصل في الأسماء الإعراب، فكلٌّ منهما على أصل بابه. وإذا ثبتَ بطلانُ هذه العلة مع اطرادها، عُلمَ أنّ مجرد الطرد لا يُكتفَى به -أي في القياس في نقل حكم الأصل للفرع ونحوه- فلا بدَّ من إخالةٍ أو شبَهٍ؛ لِيُحمَل الفرع على الأصل بواحدٍ منهما. |