![]() |
المسلك السابع من مسالك العلة: الطرد، وقد نقله السيوطي في (الاقتراح) ملخصًا عن (لمع الأدلة) الفصل السادسَ عشرَ، وقد صدّره أبو البركات الأنباريُّ بتعريف هذا المسلك، فأوضح "أنَّ الطردَ هو الذي يوجَد معه الحكمُ، وتُفقَد الإخالةُ في العلة"، وانتقل إلى بيان موقف العلماء من حُجِّيته؛ فذكر أنّهم قد اختلفوا في كونه حجةً على فريقين: |
![]() |
فذهب قوم إلى أنه ليس بحجة؛ لأنّ مجرد الطرد لا يوجب غلبةَ الظنّ -أي بعلة جامعة بين الأصل والفرع- أَلاَ ترَى أنكَ لو عللتَ بناءَ "ليس" بكونها جامدةً لا تتصرَّفُ؛ لاطراد البناء في كل فعلٍ جامدٍ لا يتصرّف، وعللتَ إعرابَ الاسمِ الذي لا ينصرف بعدم الانصراف؛ لاطراد الإعراب في كل اسمٍ غير منصرِف، لَمَا كانَ ذلك الطردُ يُغَلِّبُ على الظنّ أنّ بناء "ليس" لعدم التصرُّف، ولا أنّ إعراب ما لا ينصرف لعدم الانصراف، أي أنك لو عللت بناءَ "ليس" بالجمود، وإعراب ما لا ينصرف بعدم الانصراف، لَمَا جعَلَ الطردُ الظنَّ غالِبا بما عللتَ ؛ لاحتمال أنّ بناء "ليس" وإعرابَ ما لا ينصرف لأمرٍ آخرَ غير ما عللتَ به، فتنتفي غلَبةُ الظنِّ؛ لأنَّا نعلم على سبيل اليقين أنّ "ليس" إنما بُنيَ لأنَّه فعل والأصلُ في الأفعال البناء، وأنّ ما لا ينصرف إنما أُعرب لأنه اسمٌ والأصل في الأسماء الإعراب، فكلٌّ منهما على أصل بابه. |
| وإذا ثبتَ بطلانُ هذه العلة مع اطرادها، عُلمَ أنّ مجرد الطرد لا يُكتفَى به -أي في القياس في نقل حكم الأصل للفرع ونحوه- فلا بدَّ من إخالةٍ أو شبَهٍ؛ لِيُحمَل الفرع على الأصل بواحدٍ منهما. وقالوا: ويدُلُّ على أنّ الطرد لا يكون علةً أنه لو كان علةً لأدَّى إلى الدَّوْر – أي لأدَّى إلى توقف الشيء على ما يَتوقَّف عليه. ويسمَّى الدَّوْرَ المُصَرَّحَ، كما يتوقَّف "أ" على "ب"، وبالعكس، أو بمراتبَ، ويسمى الدَّوْرَ المضمر، كما يتوقف "أ" على "ب"، و"ب" على "ج"، و"ج" على "أ"، وكلاهما باطل، وما أدَّى إلى الباطل باطلٌ. |
![]() |
أَلاَ ترى أنه إذا قيلَ له -أي للمستدِلّ مثلًا- ما الدليلُ على صحة دعواك؟ فيقول: أنْ أدعِيَ أنَّ هذه العلةَ علةٌ في محلٍّ آخَرَ. | ||
![]() |
فإذا قيل له: وما الدليلُ على أنها علةٌ في محل آخَر ؟ فيقول: دعوايَ على أنها علةٌ في مسألتنا. فدعواهُ دليلٌ على صحة دعواه -أي دعوى أنها علةٌ في محل آخرَ دليلٌ على صحة دعواه في مسألتنا، وإثباتُ كلٍّ موقوفٌ على إثبات الآخَر، وهذا هو الدَّوْرُ. | ||
![]() |
فإذا قيل له: وما الدليلُ على أنها علةٌ في الموضعين جميعا ؟ فيقول: وجودُ الحكم معها في كل موضع دليلٌ على أنها علةٌ -أي لوجوده عند وجودها، وذلك هو شأن العلة. | ||
![]() |
فإذا قيل له: فإنّ الحكم قد يوجَد مع الشرط كما يوجَد مع العلة -أي فيُحتاجُ إلى الفرق- فما الدليل على أنّ الحكم ثبت بها -أي بالعلة- في المحلّ الذي هو فيه؟ [قال في الفيض: "قولُه: (في المحل الذي هو) كذا في الأصول بتذكير الضمير، والظاهرُ أن يقال "هي"، أي العلةُ فيه، وهو الفرع]. |
![]() |
أي أنّ صحة تركيب السؤال السابق أن يقال له: فما الدليلُ على أنّ الحكم ثبت بها في المحل الذي هي فيه ؟ -أي: ما الدليل على أن حكم الأصل ثبت للفرع في الموضع الذي العلة في هذا الفرع؛ لأنَّ شأن العلة أن يثبت بها الحكمُ في الفرع عند قيام علة الأصل في الفرع؟ فيقول: كونُها علةً -فإذا قيل له: وما الدليلُ على كونها علةً؟- أي وهلاّ كانتْ شرطا وليست علةً -فيقول: وجودُ الحكم معها في كل موضع وُجدتْ فيه- يعني وليس ذلك للشرط؛ إذ شأنُ الشرط فقدُ المشروط عند فقْدِه، أمّا عند وجوده فيجوز الوجودُ والعدمُ -فيصيرُ الكلامُ دَوْرًا- أي لأنه أثبتَ الحكمَ بها، وأثبتها به. |
![]() |
خلاصةُ هذا المذهب: أنّ مجرد الطردَ دون إخالةٍ أو شبَهٍ ليس بحجة ؛ لأمرين ؛ أولُهما: أنّ مجرد الطرد لا يوجِبُ غلبَةَ الظنِّ بعلة جامعةٍ بين الأصل والفرع، والآخر: أنّ الطرد لا يكون علةً ؛ إذ لوكان علةً لأدَّى إلى الدَّوْرِ، وذلك باطل، وما أدَّى إلى الباطل باطلٌ. | |
![]() |
قال قومٌ آخَرون: إنّ الطرد حجةٌ، واستدلوا على ذلك بثلاثة أدلة، وهي: |
![]() |
الأول: قولهم:" الدليل على صحة العلة اطرادُها وسلامتُها من النقض. وهذا موجودٌ هاهنا. | ||
![]() |
الثاني: ربما قالوا: عجْزُ المعترِضِ -أي عن الفرق بين الموضعََيْنِ المطَّردَةِ فيهِما العلةُ- دليلٌ على صحة العلة. أي عجْزُ المعترِضِ على المستدِلِّ عن إيجاد الفرْق بين الموضعَيْنِ اللذين ذكَر المستدِلُّ أنّ العلة موجودة فيهما دليل على صحتها؛ أي لأنّها لو لم تكن علةً لهما لأبْدَى المعترِضُ فرقا وما عجز عن ذلك. |
![]() |
الثالث: ربما قالوا: الطردُ نوعٌ من القياس، أي لصِدْق تعريف القياس عليه، فوجبَ أن يكون حجةً كما لو كان فيه إخالةٌ أو شبَهٌ، أي كغيره من أنواع القياس الصحيح. |
![]() |
قال أبو البركات الأنباريُّ معقِّبًا على هذه الحُجج الثلاث: "وهذا ليس بصحيح: |
![]() |
فأمّا قولهم: "الدليل على صحة العلة اطرادُها وسلامتُها من النقض"، فلا حجةَ لهم فيه، فإنهم جعلوا الطردَ دليلًا على صحة العلة – أي: لعمومه- وادَّعَوْا هاهنا أنه العلةُ نفسُها، وليس من ضرورةِ كونِه دليلا على صحة العلة أن يكون هو العلةََ، بل ينبغي على قولهم أن يُبيِّنوا العلةَ ثمّ يدُلُّوا على صحتها بالطرد؛ لأنّ الطردَ نظرٌ ثانٍ بعدَ ثبوت العلة -أي النظَر إليه مرتبةٌ أخرى، ونظَرٌ آخرُ من المُناظِر- وكان ينبغي أن يُبيِّنوا العلة ثم يطرُدوها. | ||
![]() |
وقولُهم: "إنَّ عجْزِ المعارِضِ دليلٌ على صحة العلة" –قلنا- أي في الردّ عليه-: بل عجزُكَ عن تصحيح العلة عند المطالبة دليلٌ على فسادها. |
![]() |
وقولهم: "نوعُ قياس، فينبغي أن يكون حجةً كما لو كان فيه إخالةٌ أو شبَهٌ". قلنا: هذا تمسُّكٌ بالطرد في إثبات الطرد -أي أخْذٌ واستدلالٌ وتعلُّقٌ بالطرد في إثباته. وقد تَقرَّرَ أنّ الشيء لا يكون دليلَ نفسه ؛ لِمَا في ذلك من الدَّوْر، وسَبْقِ الشيءِ على نفسه، وتأخُّرِه عنها، واتحادِ الدليل ِوالمدلول -فإنّ ما فيه إخالةٌ أو شبَهٌ لم يكن حجةً لكونه قياسا لقبًا وتسميةً، وإنما كان حجةً لِمَا فيه مِن الإخالة والشبَهِ المُغَلَّبِ على الظنّ، وليس ذلك موجودًا هاهنا فوجبَ ألاَّ يكون حجةً " اهـ. |