![]() |
إن الإجماع مسلك من مسالك العلة عند علماء أصول الفقه، وعنهم أخذه النحاة، وقد ذكر السيوطي أنه إذا أجمع أهل العلم بالعربية على علة لحكم من الأحكام كان هذا الإجماع معتبرا واجبا قبوله، وكان إجماعهم مسلكا من مسالك العلة يجب قبوله ويلزم المصير إليه. |
![]() |
إن المراد بالنص هنا أن يَنُص العربي الفصيح على علة حكم من الأحكام، بحيث يكون كلامه صريحًا لا إشارة فيه ولا تلميح، وهو مأخوذ من قولك: نصصتُ الشىءَ إذا رفعتَه وأظهرته. يقول السيوطي: "الثاني النص بأن ينص العربي على العلة"، وهذه ثلاثة أمثلة في كل مثالٍ منها علةٌ نص عليها عربي فصيح: |
![]() |
المثال الأول: قال أبو عمرو بنُ العلاء: سمعت رجلا من اليمن يقول: "فلان لغوب جاءته كتابِي فاحتقرها" فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال نعم أليس بصحيفة؟ | ||
![]() |
والمثال الثاني: (عن المبرد أنه قال: سمعت عُمارةَ بنَ عَقيلِ بنِ بلالِ بنِ جريرٍ يقرأ: "ولا الليلُ سابقُ النهارَ"، فقلت له ما تريد؟ -أي ما تريدُ بحذف التنوين، ونصب المضاف إليه، فإنه غير معروف في مشهور الكلام- قال: "سابقٌ النهارَ"، فقلتُ له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلتُه لكان أوزن)، فقد قرأ القارئ بما يخالف المعهود في لسان العرب؛ لأن المعهود في هذه الآية ونحوها أمران:الأول: أن ينوَّن اسمُ الفاعل، ويُنصَبَ معمولُه، كما يُقال مثلا: هذا ضاربٌ زيدًا. والثاني: أن يُحذف التنوين من اسم الفاعل ويُجرَّ معموله بالإضافة، فيقالَ مثلا: هذا ضاربُ زيدٍ. |
![]() |
والمثال الثالث: قال سيبويه: سمعنا بعضهم يدعو: "اللهم ضبُعا وذئبا" فقلنا له ما أردت؟ قال أردت: اللهم اجمع فيها ضبُعا وذئبا، كلُّهم يُفسِّر ما نوى. |
![]() |
الإيماء في اللغة مصدر الفعل الرباعي: (أومأ) بمعنى: أشار إشارةً خفية، وقيل: إنّ أصله الإشارةُ بالشفة والحاجب، وأمّا عند الأصوليين فهو اقتران وَصفٍ ملفوظٍ بحكمٍ ولو مستنبَطًا. ومن سَنن العرب أن تُشير إلى المعنى إشارةً، وتُومِئَ إيماءً دون التصريح، والمراد به الدلالة على العلة من طريق الإشارة إليها، دون أن يكون في الكلام دلالةٌ على المراد لا بالمنطوق ولا بالمفهوم ولا بالتعريض ولا بالكناية، ويعد هذا المسلكُ مقابلا لمسلك (النص) إذ يكون في النص تصريحٌ بالعلة؛ بحيث يعرفها من يسمع نص الأعرابي، وليس كذلك في الإيماء؛ إذ لا يفطن إليه إلا لبيب. |
![]() |
السبر في اللغة: الاختبار، يقال سَبَرَ الشيءَ: أي خبره، وفي حديث الغار، قال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدخله حتى أسبُره قبلك، أي: أختبره، وأعتبره، وأنظر هل فيه أحد أو شيء يؤذي. والتقسيم هو ذكر الأقسام المحتمَلة، والسبر والتقسيم مسلك من مسالك العلة عند الأصوليين، وعنهم أخذه النحاة، وقد عرفه السيوطي بقوله: أن يَذكر -أي النحويُّ- جميع الوجوه المحتملة ثم يَسبُرَها، أي يختبرها فيُبقِي ما يصلح ويَنفِي ما عداه بطريقه. ويدل هذا التعريف على أن النحوي ينظر في جميع الوجوه التي يحتملها الحكم النحوي، ويختبرُها جميعًا فمنها ما يصلح ومنها ما لا يصلح، فما كان صالحا منها أبقاه، وما كان غير صالح نفاه. والأمثلة التي ذكرها السيوطي في كتاب الاقتراح: |
![]() |
المثال الأول: قال ابن جني: "وذلك كأنْ تُقَسِّمَ نحو مروان إلى ما يَحتمِل حالُه من التمثيل له، فتقول: لا يخلو مِن أن يكون (فَعْلانَ) أو (مَفْعالا) أو (فَعْوالا) فهذا ما يُبيحُكَ التمثيلُ في بابه، فيُفسِدُ كونَه (مَفْعالا) – أي بزيادة الميم في أوله والألف قبل آخره - أو (فَعْوالا) – أي بزيادة الواو والألف- أنهما مثالان لم يجيئا، فلم يبق إلا (فعلان) "أ.هـ | |
![]() |
والمثال الثاني: ذكر ابن جني أنكَ تقول في تمثيل أَيْمُنٍ من قوله: |
![]() |
من أمثلة السَّبْر والتقسيم عند أبي البقاء وابنِ فَلاَح، فنقول نقل السيوطي في (الاقتراح) عن كتاب (التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين) لأبي البقاء العكبري المتوفَى سنة ٦١٦هـ، أنّ الدليل على أن نعم وبئس فعلان السبر والتقسيم، وذلك أنهما ليسا حرفين بالإجماع، وقد دلَّ الدليل على أنهما ليسا اسمين، أي وإنْ دخل عليهما الجارُّ في شذوذ من الكلام، كما استدل به الكوفيون –ما عدا الكسائيَّ- لاسميتهما بذلك، فلا يُعتدُّ به، والدليل على فعليتهما وجهان: |
![]() |
أحدهما: بناؤهما على الفتح ولا سبب له -أي للبناء- لو كانا اسمين لأن الاسم إنما يبنى إذا أشبه الحرف ولا مشابهة بين نعم وبئس وبين الحرف، فلو كانتا اسمين لأعربتا. أي لأنّ ذلك هو شأن الأسماء التي لا شبه لها بالحروف. | |
![]() |
والثاني: أن كل واحدة منهما لو كانت اسما لكانت إما اسما جامدًا أو وصفًا، ولا سبيل إلى اعتقاد الجمود في أي منهما لأن وجه الاشتقاق فيهما ظاهر لأنهما من نَعِمَ الرجل إذا أصاب نعمة، والمنعَم عليه يُمدَح، ولا يجوز أن يكون أيٌّ منهما وصفًا؛ إذ لو كانت أيٌّ منهما كذلك لظهر الموصوف معها -وهو لم يظهر أصلا- ولأن الصفة ليست على هذا البناء، وإذا بطل كونها حرفا وكونها اسما ثبت أنها فعل" اهـ؛ أي وإنما يدل بطلان كونهما حرفين أو اسمين على ثبوت كونهما فعلين لأنّ أنواع الكلمة منحصرةٌ في الأنواع الثلاثة بالاستقراء، ويَدل على فعليتهما اتصال تاء التأنيث بهما. أمّا ادِّعاء اسميتِهما بدليل دخول حرف الجرّ عليهما فيما حكى أبو بكرِ بنُ الأنباري عن أبي العباس أحمدَ بنِ ثعلبٍ عن سلَمةَ عن الفرَّاءِ أنّ أعرابيا بُشِّرَ بمولودةٍ فقيل له: نِعمَ المولودةُ مولودتُكَ! فقال: "واللهِ ما هي بنعم المولودةُ: نُصرتُها بُكاءٌ، وبِرُّها سرقةٌ". |