٧.٤ من أمثلة السبر والتقسيم عند أبي البقاء وابن فلاَح


من أمثلة السَّبْر والتقسيم عند أبي البقاء وابنِ فَلاَح، فنقول:
نقل السيوطي في (الاقتراح) عن كتاب (التبيين عن مذاهب النحويين البصريين والكوفيين) لأبي البقاء العكبري المتوفَى سنة ٦١٦ هـ أنّ الدليل على أن نعم وبئس فعلان السبر والتقسيم، وذلك أنهما ليسا حرفين بالإجماع، وقد دلَّ الدليل على أنهما ليسا اسمين، أي وإنْ دخل عليهما الجارُّ في شذوذ من الكلام، كما استدل به الكوفيون –ما عدا الكسائيَّ- لاسميتهما بذلك، فلا يُعتدُّ به، والدليل على فعليتهما وجهان:
بناؤهما على الفتح ولا سبب له –أي للبناء- لو كانا اسمين لأن الاسم إنما يبنى إذا أشبه الحرف ولا مشابهة بين نعم وبئس وبين الحرف، فلو كانتا اسمين لأعربتا.أي لأنّ ذلك هو شأن الأسماء التي لا شبه لها بالحروف.

٧.٤ من أمثلة السبر والتقسيم عند أبي البقاء وابن فلاَح


أمّا ادِّعاء اسميتِهما بدليل دخول حرف الجرّ عليهما فيما حكى أبو بكرِ بنُ الأنباري عن أبي العباس أحمدَ بنِ ثعلبٍ عن سلَمةَ عن الفرَّاءِ أنّ أعرابيًّا بُشِّرَ بمولودةٍ فقيل له: نِعمَ المولودةُ مولودتُكَ! فقال: "واللهِ ما هي بنعم المولودةُ: نُصرتُها بُكاءٌ، وبِرُّها سرقةٌ"، وحُكيَ عن بعض فصحاء العرب أنه قال: "نعم السيرُ على بئس العَيْرُ"، فقد أوَّلوه بأنّ الحكاية فيه مقدَّرةٌ، وحرفُ الجر يدخل مع تقدير الحكاية على ما لا شُبهةَ في فعليته، فالتقدير: واللهِ ما هي بمولودةٍ مقولٍ فيها: نعمَ المولودةُ، ونعمَ السيرُ على عَيْرٍ مقولٍ فيه: بئس العَيْرُ، إلاّ أنهم حذفوا الموصوفَ وأقاموا الصفة مُقامه، فصار التقدير: ما هي بمقولٍ فيها: نعم المولودةُ، ونعم السيرُ على مقولٍ فيه: بئس العَيْرُ، ثمّ حذفوا الصفة التي هي "مقول" وأقاموا المَحكيَّ بها مُقامها؛ لأنَّ القول يُحذف كثيرا كما يُذكر كثيرا، فدخل حرفُ الجر على الفعل لفظا وإن كان داخلا على غيره تقديرا، كما هو مبسوطٌ في محله.
قد أثبت العكبري أن (نعم وبئس) فعلان بطريق السبر والتقسيم، فذكر أنهما ليسا حرفين بإجماع النحاة، فالخلاف بين النحاة منحصر في قولين: أحدهما: أنهما اسمان - والآخر: أنهما فعلان.


٧.٤ من أمثلة السبر والتقسيم عند أبي البقاء وابن فلاَح


يبطل أن يكونا اسمين، لأنهما مبنيان على الفتح، ولا سبب للبناء؛ إذ لا مشابهة بينهما وبين الحرف، ولا يبنى من الأسماء إلا ما أشبه الحرف عند أكثر النحويين؛ لقول ابن مالك-رحمه الله- في ألفيته:
والاسم منه معرب ومبنى
لشبه من الحروف مدني
لما انتفت المشابهة بين الحرف، و(نعم وبئس) لم يكن هناك ما يقتضي البناء، فبطل أن يكونا اسمين. ومما ينفي القول باسميتهما أن الاسم إما جامد أو وصف، ولا يتصور الجمود في (نعم وبئس)؛ لأن اشتقاقهما ظاهر، ولا يتصور أن يكونا وصفين؛ إذ لو كانا كذلك لظهر الموصوف. فإذا بطل كونهما اسمين وكونهما حرفين تعين أن يكونا فعلين؛ لأن أنواع الكلمة منحصرة في هذه الثلاثة بالاستقراء.
يَدل على فعلية (نعم وبئس) -كما جاء في (الإنصاف)- اتصال ضمير الرفع بهما على حدّ اتصاله بالفعل المتصرف، فإنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا: " نِعما رجليْنِ، ونِعمُوا رجالاً" كما حكى ذلك الكسائي، واتصال تاء التأنيث الساكنةُ، نحو: نعمت المرأة هند، وبئست المرأة دعد، وهذه التاءُ يَختصُّ بها الفعلُ الماضي لا تتعدَّاه، فلا يجوز الحكمُ باسمية ما اتصلتْ به.


٧.٤ من أمثلة السبر والتقسيم عند أبي البقاء وابن فلاَح


كما نقل السيوطي عن كتاب (المغني) لابن فلاح، وهو منصورُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ مَعْمَرٍ اليمنيُّ، الشيخُ تقيُّ الدين، أبو الخير، المشهور بابن فلاَح النحويِّ نقل عنه السيوطيُّ أنّ الدليل على أن كيف اسم هو السبر والتقسيم فتقول: لا يجوز أن تكون حرفًا لحصول الفائدة منها مع الاسم، وليس ذلك لغير حرف النداء، ولا يجوز أن تكون فعلا؛ لأن الفعل يليها بلا فاصل نحو: كيف تصنع ؟ فيلزم أن يكون اسمًا لأنه الأصل فى الإفادة.
قد استدل ابن فلاح على اسمية (كيف) بطريق السبر والتقسيم، بأن ذكر الأوجه المحتملة ثم اختبرها فأبقى ما كان صالحا، ونفى ما عداه، فبيّن أنه لا يجوز أن تكون (كيف) حرفا؛ لحصول الفائدة فيها مع الاسم، نحو كيف زيد؟ فـ(كيف) خبر مقدم، لصدارته، و(زيد) مبتدأ مؤخر، فقد أتمت كيف معنى يحسن السكوت عليه، فبطل أن تكون حرفًا؛ لأن حصول الفائدة من الاسم والحرف لا يكون لغير حرف النداء، إذ يقوم حرف النداء مقام الفعل، كما سبق بيانه، ولا يجوز أن تكون (كيف) فعلا؛ لأن الفعل يليها من غير فاصل، نحو: كيف تصنع؟ والفعل لا يلي الفعلَ بفاعل يكون فاصلاً، فلما انتفى أن تكون كيف حرفا أو فعلا تعين القول باسميتها. ومن تمام الفائدة نذكر أن كيف اسم استفهام يستفهم به عن كل حال؛ لأن الأحوال أكثر من أن يحاط بها، فجاءوا بـ(كيف) اسمًا مبهما يتضمن جميع الأحوال.
إذا تأملنا الأمثلة السابقة وجدنا في كل منها ذكرًا للأقسام المحتملة، وإبطالًا لما لا يصلح منها، وإبقاء لما يصلح، ويعد هذا أحد قسمين ذكرهما السيوطي نقلا عن الأنباري.