ملخص الدرس


اعتمد السيوطي في مسألة جواز تعليل الحكم بعلتين على النقل من كتابي (الخصائص)، و(لمع الأدلة)؛ فذكر نقلًا في (باب في حكم المعلول بعلتين) من أمثلة هذا الباب قولَهم: هؤلاءِ مسلِمِيَّ؛ فإنّ الأصل: مسلِمويَ، فقُلبت الواوُ ياءً لأمرين كلُّ واحدٍ منهما على حدته موجِبٌ للقلب من غير احتياج إلى الآخَر: أحدُهما: اجتماعُ الواو والياء وسبْقُ الأولى منهما بالسكون، والآخَرُ: أنّ ياء المتكلم أبدًا تَكسِرُ الحرفَ الذي قبلها لمناسبتها، فوجبَ قلبُ الواو ياءً، وإدغامها في الياء ليُمكنَ كسرُ ما قبلَ ياء المتكلم، فهذه علةٌ غيرُ الأولى في وجوب قلب الواو ياء. ومن المعلول بعلتين قولهم "سِيٌّ" في "لا سيَّما"، والسِّيُّ هو المِثلُ والنظير. تقول: أُتقن علومَ العربية ولا سيَّما النحوُ، و"سِيٌّ " أصلُه: سِوْيٌ، قُلبت الواوُ ياءً؛ لأنها ساكنةٌ غيرُ مدغمةٍ وبعد كسرة، أو لأنها ساكنةٌ قبل الياء، فهاتان علتان؛ إحداهما كعلة قلب "ميزان" وأصله: مِوْزانٌ، والأخرى كعلة "طَيٍّ" و"لَيٍّ" مصدرَيْ "طَوَيْتُ" و"لَوَيْتُ"، وأصل المصدرين: طَوْيٌ ولَوْيٌ، وكلٌّ من هاتين العلتين مؤثرةٌ على حِدَةٍ في القلب. وذكر السيوطي في باب (تقاوُدِ السماعِ وتفارُعِ الانتزاع) أنه قد يكثر الشيءُ فيُسألُ عن علته، كرفع الفاعل، ونصب المفعول، فيذهبُ قومٌ إلى شيءٍ، وآخرون إلى غيره، فيجب تأملُ القولين، واعتمادُ أقواهما، ورفضُ الآخَر، فإن تساويا في القوة لم يُنكَر اعتقادُهما جميعًا، فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين. ونقل السيوطي: أنّ العلماء اختلفوا في تعليل الحكم بعلتين فصاعدًا؛ فذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز؛ لأنّ هذه العلة مشبَّهةٌ بالعلة العقلية، والعلةُ العقلية لا يَثبت الحكم معها إلَّا بعلة واحدة، فكذلك ما كان مشبَّهًا بها. وذهب قومٌ إلى أنه يجوز أن يُعلَّل بعلتين فصاعدًا، وذلك مثل أنْ يُدَلّ على كون الفاعل يُنزَّل منزلةَ الجزء من الفعل بعلل متعدِّدةٍ:

ملخص الدرس


الأولى: أنه تُسَكَّن له لام الفعل إذا اتصل به ضمير رفعٍ متحركٍ.
والثانية: أنه يَمتنعُ العطفُ عليه إذا كان ضميرًا متصلًا قبل الفصل بينه وبين ما عُطف عليه بشيء.
والثالثة: وقوعُ الإعراب بعده في الأمثلة الخمسة.
والرابعة: اتصال تاءِ التأنيث بالفعل إذا كان الفاعل أو نائبُه مؤنثًا.
والخامسة: قولُ العرب في النسب إلى (كنتُ): كُنْتِيٌّ.
والسادسة: قولهم "حبَّذا" من نحو: حبّذا زيدٌ. يعني أنهم ركّبوا حَبَّ وهو فعلٌ مع اسم الإشارة "ذا".
والسابعة: قولهم "لا أُحبِّذُه"، أي لا أقول له مادحًا إياه: حبّذا، فـ"لا" نافيةٌ، و"أُحبِّذُ" فعلٌ مضارعٌ فاعله ضميرٌ مستترٌ تقديره "أنا" والهاء مفعوله، وقد تغلّب على المركب في هذا القول جانبُ الفعلية.
والثامنة: إبدالُهم تاءَ الضمير طاءً في قولهم "فحصْطُ برِجلي"، وأصله: "فحصْتُ".

ملخص الدرس


وتمسّك مجيزو التعدُّدِ في الدلالة على جواز ذلك بأنّ هذه العلةَ ليست موجِبةً، وإنما هي أَمارةٌ ودلالةٌ على الحكم، وكما يجوز أن يُستدلّ على الحكم بأنواعٍ من الأَمارات والدلالات، فكذلك يجوز أن يُستدلّ عليه بأنواع من العلل.
إنّ نحو: مررتُ بزيدٍ، ونظائرَه مما يتعدّى فيه الفعل بحرف من حروف الجرّ، يُستدّل به على أنّ الجارّ والمجرور معدودٌ من جملة الفعل، كما يُستدلّ به على ضدّ ذلك، أي على أنه معدودٌ من جملة الاسم المجرورِ به، ووجهُ كونه معدودًا من جملة الفعل أنه معَدٍّ للفعل، فهو بمنزلة همزة التعدية التي تكون مجعولةً حرفًا من بنية الفعل وهي همزة أَفْعَلَ، فكذلك ما عاقبها، يعني ما ناب عنها وخلَفَها. ووجهُ كونه جارِيًا مجرى بعض مجروره أمران: أحدُهما أنه يُحكَم لموضع الجارّ والمجرور بالنصب، فيُعطَفُ عليهما بالنصب مراعاة لموضعهما في نحو مررتُ بزيدٍ وعمرًا، فـ"عمْرًا" منصوبٌ عطفًا على موضع "بزيدٍ" عند ابن جني، والآخَرُ: أنه لا يُفصل بينهما بفاصل؛ لأنهما بمنزلة الجزء الواحد. فالسيوطي لم يذكر في (الاقتراح) ما أجازه ابن جني من نحو: مررتُ بزيدٍ وعمرًا؛ لأنه لا يُجيز ما أجازه ابن جني من مثل هذا الإعراب، وإنما يختار مذهب المحققين في اشتراطهم في العطف على الموضع إمكانَ ظهورِ هذا الموضعِ في فصيح الكلام، أما قول جرير: تمرُّون الديارَ ولم تعُوجُوا ...... كلامكُم عليَّ إذن حرام فمقصورٌ على السماع، أو ضرورةٌ.

ملخص الدرس


قال السيوطي ملخِّصًا ما قال ابنُ جني في تصحيح الواو الواقعة عينًا لكلمتي القوَدِ والحَوَكةِ ونظائرِهما: "فإنّ القاعدة في مثله الإعلالُ بقلب الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، لكنّهم شبَّهوا حركةَ العين التابعةَ لها بحرف اللِّين التابعِ لها فكأنَّ فَعَلًا فَعَالٌ، فكما صحَّ نحوُ جَوَابٍ، وهَيامٍ، صحّ بابُ القَوَدِ والغَيَبِ ونحوه" اهـ. يعني أنّ القاعدة الصرفية تقضِي بقلب الواو والياء ألفين إذا تحرّكتا وانفتح ما قبلهما، ولكنّ الكلماتِ التي جاءت عن العرب بتصحيح العين مما يخالِف بظاهِره هذه القاعدةَ كالقوَدِ والحوَكَة والغَيَب؛ وكلُّها على وزن (فَعَلٍ)، فقد شبّهوا الفتحةَ التي هي حركةُ العين في هذه الكلمات بحرف الألف، فعوملتْ معاملةَ ما كان وزنُه (فَعَالًا) كجَوَاب وهَيَام، ومن شروط قلب الواو والياء ألفين إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما أن يتحرّكَ ما بعدهما إن كانتا عينين، ولذلك صحّت العينُ في نحو بيَان، وطوِيل، وغَيُور؛ لسكون ما بعدهما.
يريد ابن جني بدَوْر الاعتلال: أن يُعَلَّلَ الشيءُ بعلة معَلَّلةٍ بذلك الشيء. والدَّوْرُ بين شيئين: توقفُ كلٍّ منهما على الآخَر. وهذا من مصطلحات المتكلِّمين. ولهم فيه تقاسيم وبحوث. ذكَرَ السيوطي "ذهب محمدُ بنُ يزيدَ في وجوب إسكان اللام في نحو ضربْنَ، وضربْتُ إلى أنه لحركة ما بعده من الضمير: يعني مع الحركتين قبلُ. وذهب أيضًا في حركة الضمير من نحو هذا أنها إنما وجبتْ لسكون ما قبله. فتارةً اعتَلَّ لهذا بهذا، ثم دارَ تارةً أخرى، فاعتَلَّ لهذا بهذا". واستطردَ السيوطي ناقِلًا عن ابن جني بالمعنى، فقال: "قال: وهو نظيرُ ما أجازه سيبويه في جرِّ "الوجهِ" من قولك: "الحسَنِ الوجهِ"، وأنه جعلَه تشبيهًا بـ"الضارِبِ الرجلِ"، مع أنّ جرَّ "الرجلِ" تشبيهًا بـ"الحسَنِ الوجهِ". قال: إلَّا أنّ مسألة سيبويه أقوى من مسألة المبرِّد؛ لأنّ الشيء لا يكون علةَ نفسِهِ، وإذا لم يكن كذلك كان مِن أنْ يكونَ علّةَ علَّتِه أبعدَ".

ملخص الدرس


ورجّحَ ابن جني تعليل سيبويه جرَّ "الوجهِ" تشبيهَا بجرّ "الرّجلِ" في المثالين المذكورين ونحوهما؛ لأنّ لهذا الحمل مسوِّغًا قويًّا أشار إليه ابن جني بقوله: "وذلك أنّ الفروع إذا تمكّنتْ قويَتْ قوةً تُسَوِّغ حملَ الأصول عليها. وذلك لإرادتهم تثبيتَ الفرعِ والشهادةَ له بقوّةِ الحُكم". أما تعليل المبرِّد فليس له هذه القوةُ؛ إذ جعلَ الشيءَ علةَ نفسِه، فتسكينُ اللام في باب "ضربْتُ" لحركة الضمير، وحركةُ الضمير لسكون اللام، فقال عنه ابن جني: "شنيعُ الظاهرِ، والعُذْرُ فيه أضعف منه في مسألة الكتاب".
ذكَر ابن جني أنّ الكلام في معنى تعارض العلل ضربان؛ أحدُهما: حكمٌ يتجاذب وجودَه وحصولَه علتان فأكثرُ منهما، والآخَرُ: حكمان في شيء واحد مختلفان، دعتْ إليهما علتان مختلفتان. فالأول: سبق ذِكْرُه عن ابن جني في حديثنا في العنصر الثاني من عناصر هذا الدرس وهو جواز التعليل بعلتين، ومثّل له فيما مثّلَ بقلب الواو ياءً في نحو مسلِمِيَّ لأمرين. ومن الأمثلة التي ذكرها في باب تعارُض العلل لهذا النوع أيضًا: رفعُ المبتدإ؛ فالبصريون يعتلُّون لرفعه بالابتداء، والكوفيون إما يرفعونه بالخبر الذي هو مرافعُه، فالمبتدأ والخبر عندهم يترافعان، وإما بما يعود عليه مِن ذِكْره من الخبر على حسب مواقعِه. والثاني من ضربَيْ تعارض العلل: كإعمال أهل الحجاز "ما" النافيةَ تشبيها لها بـ"ليسَ"، أي لكونها مثلَها لنفْي الحال عند الإطلاق، وتركِ بني تميمٍ إعمالَها، وإجرائِهم إياها مجرى "هلْ" ونحوِها مما لا يعمل، "فكأنّ أهل الحجاز لما رأوْها داخلةً على المبتدإ والخبر دخولَ ليسَ عليهما، ونافيةً للحال نفيَها إيّاها، أجرَوْها في الرفع والنصب مجراها. وكأنّ بني تميمٍ لما رأوْها حرفًا داخلًا بمعناه على الجملة المستقِلة بنفسها، ومباشِرةً لكل واحدٍ من جزأيْها، كقولك: ما زيدٌ أخوكَ،

ملخص الدرس


وما قامَ زيدٌ، أجرَوْها مجرى "هل"؛ ألاَ تراها داخلةً على الجملة لمعنى النفيِ دخولَ "هل" عليها للاستفهام؛ ولذلك كانت عند سيبويه لغةُ التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين". والقياس في "ما" ألَّا تعملَ؛ لعدم اختصاصها، لأنها تدخل على الأسماء والأفعال، فشأنُها شأنُ سائر الحروف غير المختصة كهل، وإنما، وهمزةِ الاستفهام، وهي حرفٌ أما "ليسَ" ففعلٌ على الصحيح، فلا يكون فيها إضمارٌ كليس، أما ليس فيُُضمَر فيها، تقول: لستُ، ولسنا.... إلخ، فمذهب التميميين فيها أقوى من مذهب أهل الحجاز الذين أعملوها حملًا لها على ليس في المعنى، فإنها مثلُها لنفي الحال عند الإطلاق، أي عند عدم التقيُّدِ بزمنٍ آخَرَ غيرِ الحال، ومع ذلك فهي عندهم أضعف من ليس، ولذلك لا يُعملونها إلَّا بشروط كما عرفت في دراستك إياها في علم النحو. وذكرَ ابن جني أن الفرق بين "ليت" وبين (كأنّ) و(لعلّ) أنها أشبهُ بالفعل منهما. والذي يطمئن إليه الضمير العلمي في هذه المسألة: أنّ "ليتما" يجوز كفُّها عن العمل بـ"ما" المتصلةِ بها، وهذا الإلغاءُ حسَنٌ، ويجوز إعمالُها واعتبارُ "ما" زائدةً غيرَ كافّةٍ، ورُوي قولُه (أي قولُ النابغة): قالتْ: ألا ليتما هذا الحمام لنا ..... إلى حمامتنا ونصفَُه فقَدِ رفعًا ونصبًا.

ملخص الدرس


قال أبو حيانَ: "وذهب الفرّاءُ إلى أنه لا يجوز كفُّ "ما" لـِ"ليت"، ولا لـ"لعلَّ"، بل يجب إعمالُهما، فتقول: ليتما زيدًا قائمٌ، ولعلّما بكرًا قادِمٌ". قال ابن عصفور: "وأما الفرّاءُ فزعمَ أنّ ليت قويَ شبهُها بالفعل لكونها على مثالٍ من أمثلة الفعل؛ ألاَ ترى أنها على وزن عَلْمَ المخفَّفِ من علِمَ؟" ومن الضرْب الثاني لتعارض العلل أيضًا "هّلُمَّ"، فقد ألحقَها الحجازيون باسم فعل الأمر؛ لدلالتها على الأمر من غير أن تقبل علامة فعل الأمر، فلا تتصل بها نون التوكيد، وتكونُ بلفظ واحد للمفرد، والمثني، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وبلغتهم جاء التنزيل؛ وقد وردت متعديةً بمعنى: أَحْضِرْ، وهاتِ، ومنه قوله تعالى: ((هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم)) [الأنعام: ١٥٠]، ولازمةً بمعنى: اِيتِ، وأَقْبِلْ، وتتعدّى بإلى كقوله عز وجل: ((هَلُمَّ إِلَيْنَا)) [الأحزاب: ١٨]. والتميميون يُلحِقونها العلامات، فهي عندهم فعلُ أمرٍ، فتتصل بها الضمائر على حدّ اتصالها بالأفعال، فيقولون: هلُمَّ، وهلمِّي، وهلما، وهلموا، وهلْممْنَ على حسب نوع المخاطب وعدده؛ استصحابًا ومراعاةً لأصلها، فهي في الأصل مركبةٌ من (ها) التي للتنبيه، و(لُمَّ) التي هي فعل أمر من قولهم: لَمَّ الله شعْثَه، أي جمَعَه، كأنه قيل: اجمعْ نفسَكَ إلينا، وحُذفتْ ألفُ (ها) لكثرة الاستعمال.
قال السيوطي: "يجوز التعليل بالأمور العدمية، كتعليل بعضهم بناءَ الضمير باستغنائه عن الإعراب باختلاف صيَغِه؛ لحصول الامتياز بذلك". والخلاصة أنّ بيان الوظائف المختلفة التي يؤديها الضميرُ في الجملة العربية حاصل من غير حاجته إلى الإعراب للتمييز بينها؛ وذلك بسبب اختلاف صيغه الدالة على هذه الوظائف. والتعليلُ باختلاف الصيغ لبناء الضمير لحصول الامتياز بها مع عدم الحاجة إلى الإعراب لذلك، هو ما عبّر عنه السيوطيُّ بالأمور العدمية.

ملخص الدرس