![]() |
مادة هذه المسألة ملخصةٌ عن بابٍ أورده ابن جني في الخصائص بالعنوان نفسه، وقد ذكَر فيه ابن جني أنّ الكلام في معنى تعارض العلل ضربان؛ أحدُهما: حكمٌ يتجاذب وجودَه وحصولَه علتان فأكثرُ منهما، والآخَرُ: حكمان في شيء واحد مختلفان، دعتْ إليهما علتان مختلفتان. |
![]() |
فالأول: سبق ذِكْرُه عن ابن جني في حديثنا في العنصر الثاني من عناصر هذا الدرس وهو جواز التعليل بعلتين، ومثّل له فيما مثّلَ بقلب الواو ياءً في نحو "مسلِمِيَّ لأمرين". ومن الأمثلة التي ذكرها في باب تعارُض العلل لهذا النوع أيضًا: رفعُ المبتدأ؛ فالبصريون يعتلُّون لرفعه بالابتداء، والكوفيون إما يرفعونه بالخبر الذي هو مرافعُه، فالمبتدأ والخبر عندهم يترافعان، وإما بما يعود عليه مِن ذِكْره من الخبر على حسب مواقعِه، "وكذلك رفْعُ الخبر، ورفعُ الفاعل، ورفعُ ما أُقيم مقامه، ورفعُ خبر إنَّ وأخواتِها، وكذلك نصْبُ ما انتصبَ، وجرُّ ما انجرَّ، وجزم ما انجزمَ، مما يتجاذبُه الخلافُ في علله، فكلُّ واحدٍ من هذه الأشياء له حكمٌ واحدٌ تتنازعُه العلل" اهـ. |
![]() |
والثاني من ضربَيْ تعارض العلل: كإعمال أهل الحجاز "ما" النافيةَ تشبيها لها بـ"ليسَ"، أي لكونها مثلَها لنفْي الحال عند الإطلاق، وتركِ بني تميمٍ إعمالَها، وإجرائِهم إياها مجرى "هلْ" ونحوِها مما لا يعمل، "فكأنّ أهل الحجاز لما رأوْها داخلةً على المبتدإ والخبر دخولَ ليسَ عليهما، ونافيةً للحال نفيَها إيّاها، أجرَوْها في الرفع والنصب مجراها. |
![]() |
وكأنّ بني تميمٍ لما رأوْها حرفًا داخلًًا بمعناه (يعني لمجرد إفادة معنى النفي) على الجملة المستقِلة بنفسها، ومباشِرةً لكل واحدٍ من جزأيْها، كقولك: ما زيدٌ أخوكَ، وما قامَ زيدٌ، أجرَوْها مجرى "هل"؛ ألا تراها داخلةً على الجملة لمعنى النفيِ دخولَ "هل" عليها للاستفهام؛ ولذلك كانت عند سيبويه لغةُ التميميين أقوى قياسًا من لغة الحجازيين" اهـ. |
![]() |
وابن جني يشير بذلك إلى قول سيبويه في الكتاب: "هذا بابُ ما أُجريَ مجرى ليس في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز، ثم يَصير إلى أصله. وذلك الحرفُ "ما". تقول: ما عبدُ اللهِ أخاكَ، وما زيدٌ منطلقًا. وأما بنو تميم فيُجرُونها مجرى أما وهل، أي لا يُعملونها في شيءٍ وهو القياسُ؛ لأنه ليس بفعلٍ وليس "ما" كـ"ليسَ"، ولا يكون فيها إضمارٌ" اهـ. |
![]() |
يعني: أنّ القياس في "ما" ألَّا تعملَ؛ لعدم اختصاصها؛ لأنها تدخل على الأسماء والأفعال، فشأنُها شأنُ سائر الحروف غير المختصة كهل، وإنما، وهمزةِ الاستفهام، وهي حرفٌ أما "ليسَ" ففعلٌ على الصحيح، فلا يكون فيها إضمارٌ كليس، أما ليس فيُُضمَر فيها، تقول: لستُ، ولسنا ... إلخ، فمذهب التميميين فيها أقوى من مذهب أهل الحجاز الذين أعملوها حملًا لها على ليس في المعنى، فإنها مثلُها لنفي الحال عند الإطلاق، أي عند عدم التقيُّدِ بزمنٍ آخَرَ غيرِ الحال، ومع ذلك فهي عندهم أضعف من ليس، ولذلك لا يُعملونها إلَّا بشروط كما عرفت في دراستكّ إياها في علم النحو. |
![]() |
وكذلك "ليتما"، وأصلُها "ليتَ" وقد اتصلتْ بها "ما" الزائدة، فمن العرب من يُلغيها عن العمل؛ إلحاقًا لها بأخواتها "إنّ"، و"أنّ"، و"كأنّ"، و"لعلّ"، و"لكنّ" إذا اتصلت بهنّ "ما" الزائدةُ فإنها تكفُّهنّ عن العمل، وتجعلُهنّ حروف ابتداء، وتهيِّئُهنّ للدخول على الجمل الفعلية أيضًا بعد أن كنّ مختصاتٍ بالدخول على الجمل الاسمية، ومَن كفَّ "ليت" عن العمل بـ"ما" قال: لا تكون "ليت" في وجوب العمل بها أقوى من الفعل، وقد نرى الفعلَ إذا كُفَّ بـ"ما" زالَ عن عمله، وذلك كقولهم: قَلَّمَا يقوم زيدٌ، فـ"ما" دخلتْ على (قَلَّ) كافّةً لها عن عملها، ومثلُه كثُرَما، وطالَما، فكما دخلتْ "ما" على الفعل نفسه فكفّتْه عن العمل وهيَّأتْه لغير ما كان قبلها متقاضِيًا له، كذلك تكون "ما" كافّةً لـ"ليت" عن عملها، ومصيِّرةً لها إلى جواز وقوع الجملتين جميعا بعدها. |
![]() |
وبعضُ العرب يجعل "ليتما" ناصبةً للاسم رافعةً للخبر من غير أن تكفَّها "ما" الزائدةُ عن العمل؛ إلحاقًا لها بحروف الجرّ التي تدخل عليها "ما" الزائدةُ فلا تكفُّها عن العمل، مثل الباء كقوله عز وجل: ((فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ)) [النساء: ١٥٥]، المائدة، و"عنْ" كقوله تعالى ((عَمَّا قَلِيلٍ)) [المؤمنون: ٤٠]، و"مِنْ" كقوله تعالى: ((مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ)) [نوح: ٢٥]، في قراءة غير أبي عمرٍو من السبعة. |
![]() |
واللامِ كقول الأعشى: إلى مَلِكٍ خيْرِ أربابِهِ ...... فإنَّ لِمَا كُلِّ شيءٍ قَرَارَا أي: فإنَّ لكلِّ شيءٍ قرارًا. |
![]() |
وذكرَ ابن جني أن الفرق بين "ليت" وبين (كأنّ) و(لعلّ) أنها أشبهُ بالفعل منهما وقال: "ألا تراها مفردةً وهما مركبتان؛ لأنّ الكاف زائدةٌ، واللامَ زائدةٌ" اهـ. وقال السيوطي: "وفُرقَ بينها (أي بين ليت) وبين أخواتها بأنها أشبهُ بالفعل في الإفراد، وعدد الحروف" اهـ. قال الإصباحُ: "فإنّ "ليت" بوزن "ليسَ" بخلاف أخواتها" اهـ. |
![]() |
وابن جني إنما ذكَرَ في الخصائص الفرقَ بينها وبين (كأنّ) و(لعلّ) كما أوضحنا قريبًا. والذي يطمئن إليه الضمير العلمي في هذه المسألة في ضوء ما ورد في الكتاب لشيخ النحاة سيبويه وغيره ممن تناولها بالبحث والدراسة أنّ "ليتما" يجوز كفُّها عن العمل بـ"ما" المتصلةِ بها، وهذا الإلغاءُ حسَنٌ، ويجوز إعمالُها واعتبارُ "ما" زائدةً غيرَ كافّةٍ، يعني: وهذا الإعمالُ أحسنُ. |
![]() |
وقد قال ابن يعيشَ في شرح المفصل: "... ومن ذلك ليتما الإلغاءُ فيها حسَنٌ، والإعمالُ أحسنُ؛ لقوة شبهها بالفعل، وعدم تغيُّرِ معناها" اهـ وعكَسَ ذلك الحكمَ ابنُ الحاجب في كافيته وسارَ شارحه الرضي على مذهبه، فقال ابن الحاجب فيها: "وتلحقُها "ما" فتُلغَى على الأفصح"، وقال الرضي في الشرح شارحًا ذلك: "إذا دخلتْ (ما) على (ليت) جاز أن تعمل، وأن تُلغَى، ورُوي قولُه (أي قولُ النابغة): قالتْ: ألا ليتما هذا الحمام لنا ....... إلى حمامتنا ونصفَُه فقَدِ رفعًا ونصبًا" (يعني برفع "الحمام" على إهمال "ليتما"، ونصبِه على إعمالها، ولم يُسمع الإلغاء والإعمال عن العرب إلَّا مع "ليتما")، وتابعَ الرضي شرحه، فقال: "والإلغاءُ أكثرُ؛ لأنها تخرج بـ"ما" عن الاختصاص بالجملة الاسمية، فالأَوْلى ألَّا تعمل" اهـ. ولم يذكر شاهدًا واحدا على دخول ليتما على الجملة الفعلية. |
![]() |
بل قال أبو حيانَ في ارتشاف الضرَب: "وذهب الفرّاءُ إلى أنه لا يجوز كفُّ "ما" لـ"ليت"، ولا لـ"لعلَّ"، بل يجب إعمالُهما، فتقول: ليتما زيدًا قائمٌ، ولعلّما بكرًا قادِمٌ" اهـ. |
![]() |
قال ابن عصفور في شرح الجمل: "وأما الفرّاءُ فزعمَ أنّ ليت قويَ شبهُها بالفعل لكونها على مثالٍ من أمثلة الفعل؛ ألا ترى أنها على وزن عَلْمَ المخفَّفِ من علِمَ؟" اهـ. |
![]() |
وإنما كان لـ"ليتما" هذه المكانةُ -مع ماذكره ابن جني- أنّ أخواتها ورد في فصيح الكلام وهو القرآن الكريم وبعده كلام العرب زوالُ اختصاصها بالدخول على الجمل الاسمية، قال تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر: ٣٨]، وقال سبحانه: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)) [المؤمنون: ١١٥]، وقال عز من قائل: ((كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ)) [الأنفال: ٦]، وقال امرؤ القيس: ولكنّما أسعى لمجدٍ مؤَثَّلٍ .... وقد يُدرِكُ المجدَ المؤَثَّلَ أمثالِي فأَوْلَى "لكنّما" الفعلَ، والمجد المؤَثَّل: الثابت الموَطَّد. |
![]() |
وقال الفرزدق: أَعِدْ نظَرًا يا عبدَ قيسٍ لعلَّما ....... أضاءتْ لك النارُ الحِمارَ المقَيَّدَا فأَوْلَى "لعلّما" الفعل. قال ابن عصفورٍ في المصدر السابق بعد إيراده الشواهدَ القرآنيةَ والشعرية السابقة التي زال فيها من الأحرفِ الخمسة المذكورةِ اختصاصُها: "وأما (ليتما) فلم تُولِها العربُ الفعلَ قطُّ؛ لا يُحفظ من كلامهم: ليتما يقوم زيدٌ" اهـ. |
![]() |
ومن الضرْب الثاني لتعارض العلل أيضًا "هّلُمَّ"، فقد ألحقَها الحجازيون باسم فعل الأمر؛ لدلالتها على الأمر من غير أن تقبل علامة فعل الأمر، فلا تتصل بها نون التوكيد، وتكونُ بلفظ واحد للمفرد، والمثني، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وبلغتهم جاء التنزيل؛ وقد وردت متعديةً بمعنى: أَحْضِرْ، وهاتِ، ومنه قوله تعالى: ((هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم))[الأنعام: ١٥٠]، ولازمةً بمعنى: اِيتِ، وأَقْبِلْ، وتتعدّى بإلى كقوله عز وجل: ((هَلُمَّ إِلَيْنَا)) [الأحزاب: ١٨]. |
![]() |
والتميميون يُلحِقونها العلامات، فهي عندهم فعلُ أمرٍ، فتتصل بها الضمائر على حدّ اتصالها بالأفعال، فيقولون: هلُمَّ، وهلمِّي، وهلما، وهلموا، وهلْممْنَ على حسب نوع المخاطب وعدده؛ استصحابًا ومراعاةً لأصلها، فهي في الأصل مركبةٌ من (ها) التي للتنبيه، و(لُمَّ) التي هي فعل أمر من قولهم: لَمَّ الله شعْثَه، أي جمَعَه، كأنه قيل: اجمعْ نفسَكَ إلينا، وحُذفتْ ألفُ (ها) لكثرة الاستعمال. |