٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
اعتمد السيوطي على ما أورده ابن جني في (الخصائص) وما بعدها بعنوان: (باب ذكر الفرق بين العلة الموجِبة، وبين العلة المجوِّزة)، وما أورده في (الخصائص) كذلك بعنوان (بابٌ في تخصيص العلل)، وخلاصةُ المنقول عن البابين في الاقتراح ثلاثةُ أمور:
أنّ أكثر العلل عند النحويين مبناها الإيجابُ، كنصب الفضلة وما شابهها كخبر كان ومفعولَيْ ظنَّ، ورفع العمدة، وجرّ المضاف إليه، وأنّ هناك ضربًا آخَرَ يسمى علةً، وإنما هو في الحقيقة سببٌ يُجوِّز الحكمَ ولا يوجِبه، كأسباب الإمالة فإنّها علةُ جوازٍ لا وجوبٍ، والإمالةُ معناها أنْ تذهب بالفتحة جهةَ الكسرة فإنْ كان بعد الفتحة ألفٌ ذهبتَ بالألف إلى جهة الياء؛ كالفتَى بإمالة الفتحة والألف، وإن لم يكن بعد الفتحة ألفٌ أملتَ الفتحةَ وحدها فأشربتَها شيئًا من صوت الكسرة كنعمَةٍ وسحَرٍ بجعْل فتحة الميم والحاء مُمـالةً، وكـذلك علةُ قلب واو (وُقِّتَتْ) همزةً كقوله تعالى:
((وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ)) [المرسَلات: ١١]، أُبدلت الواوُ همزةٌ لكونها مضمومةً ضمًّا لازمًا وثِقل الضمة عليها فكأنه اجتمع لك واوان، ومع ذلك يجوز إبقاؤها، وقد قرأ أبو عمرو وهو أحد القُرّاء السبعة (وُقِّتَتْ)، وكذا كلُّ موضعٍ جاز فيه إعرابان فأكثر، فظهرَ بهذا الفرقُ بين العلة والسبب، فما كان موجِبًا حكمًا يسمى علةً، وما كان مجوِّزًا حكمًا يسمى سببًا.
أنّ محصول مذهب البصريين، ومُتَصَرَّف أقوالهم مبنيٌّ على جواز تخصيص العلل – يعني ببعض المعلولات وعدمِ اطِّرادها في جميع الأفراد؛ وذلك لأنّ أكثرها يَجري مَجرى التخفيف والفرْق، فلو تكلَّف متكلِّفٌ نقضَها لكان ذلك ممكِنا –وإنْ كان على غير قياسٍ، ومُستثقَلًا، كما لو تكلّفَ تصحيحَ فاء مِيزانٍ ومِيعادٍ، فقال: مِوْزانٌ، ومِوْعادٌ، ونصْبَ الفاعل ورفْعَ المفعول، وليستْ كذلك عللُ المتكلِّمين؛ لأنّها لا قُدرة على غيرها، فعللُ النحويين متأخِّرةٌ عن علل المتكلِّمين، ومتقدِّمةٌ على علل المتفقِّهين، وعلل النحويين بهذا نوعان: نوعٌ لا بدَّ منه؛ لأنّ النفس لا تطيق في معناه غيرَه،
وهذا لاحِقٌ بعلل المتكلِّمين، كقلب الألف واوًا لضمّ ما قبلها، وياءً لكسر ما قبلها، ومنْعِ الابتداء بالساكن، والجمعِ بين الألفَيْن المَدَّتَين، وتقديرِ الحركات في الاسم المقصور، ونوعٌ يمكن تخلُّفُه بمشقّة، وهذا لاحقٌ بعلل الفقهاء، كقلب الواو الساكنة ياءً لكسر ما قبلها؛ إذ يمكن أن تقول في عصافيرَ: عصافِوْرٌ، لكنْ على كُرْهٍ ومشقة، ومنه تقدير الضمةِ والكسرةِ في الاسم المنقوص.
في هذا العنصر أنّ النحويين قد انتزعوا العللَ من كُتُب محمدِ بنِ الحسنِ، وجمعوها منها بالملاطفة والرِّفْق، ومحمدُ بنُ الحسنِ هـو صاحبُ أبي حنيفةَ، ومؤلِّفُ الكتب النادرة في الفقه، وهو ابنُ خالةِ الفَرَّاءِ، توفيَ بالرِّيِّ سنةَ ثمانٍ وتسعينَ ومائةٍ في اليوم الذي مات فيه الكسائيُّ، وقيل: إنّ الرشيد قال: دفنتُ الفقهَ والعربيةَ بالرِّيِّ.
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل
٢.١٥ الفرق بين العلة والسبب، ومحصولُ مذهب البصريين في العلل