![]() |
العلة النحوية – كما قال ابن الفرخان في كتابه (المستوفَى)– في غاية الوَثاقة؛ فهي غيرُ مدخولةٍ أو مُتَسَمَّحٍ فيها، وليست –كما ذهب إليه غَفلَةُ العَوامِّ– واهيةً أو مُتَمَحَّلة. أمّا قول ابن فارسٍ اللغوي -رحمه الله: مرّت بنـا هيفاءُ ممشوقةٌ.... تركيـَّـةٌ تُنْمَى لتركيِّ تَرْنـو بطرْفٍ فاتِرٍ فاتِنٍ..... أضعفُ من حُجةِ نحويِّ |
![]() |
فهو يَعني العلل المتكلَّفةَ التي يتخيّلها بعض النحاة، أمّا العلل المعتمدة فهي –كما قال عنها ابن جني في (الخصائص) مشيرًا إلى وَثاقتها، وقوّتها، وظهور وجهِها: "أقربُ إلى علل المتكلِّمين، منها إلى علل المتفقِّهين؛ وذلك أنهم يُحِيلون على الحِسّ، ويحتجّون فيه بثقَل الحالّ أو خِفّتها على النفس، وليس كذلك حديثُ علل الفقه..." إلخ ما قال، فأوضح أنَّ أكثر العلل النحوية تظهر حكمتُها؛ لأنَّها تعتمد على الحِسّ الذي هو أقوى الأدلة، وعللُ الأحكام الفقهية كثيرًا ما تَخفَى حكمتُها عن الفقهاء؛ لأنّ عللهم مبنيةٌ على الظنون، إذ الفقه مبناه على غلَبة الظنّ، لأنَّها أمورٌ تتعلّق بأمور تعبُّديّة، فإذا عجَز الفقيه عن تعليل الحكم قال: هذا تعبُّدُيّ، وما عجَزَ النحويون عن تعليل حكمه قالوا عنه: |
![]() |
أمّا الاختلافُ اليسيرُ بين اللهجات العربية في الأحكام كالخلاف بين "ما" الحجازية والتميمية، فهو شيءٌ غيرُ مُحتَفَلٍ به لقلته، ولكونه في الفروع، ومع هذا فلكلٍّ وجهُه من القياس يؤخّذ به، ولو كانت هذه اللغةُ حَشْوًا قليلًا، وحَثْوًا مَهِيلًا –(يعني: لو كانت عشوائيّةً واعتباطيّةً)– لكثُرَ خِلافها، وتعادت أوصافها، فجاء عنهم جرُّ الفاعل، ورفعُ المضاف إليه، والنصبُ بحروف الجزم" اهـ. |
![]() |
وأمّا الحديث عن أقسامها، فقد ذكر السيوطيُّ نقلًا عن كتاب (ثمارِ الصناعة) لأبي عبد الله الحسينِ بنِ موسى الدِّينَوَرِيِّ المعروفِ بالجليسِ أنّ اعتلالات النحويين صِنفانِ: علةٌ تطَّرِد على كلام العرب، وتنساق إلى قانون لغتهم، وعلةٌ تُظهرُ حِكمتَهم، وتَكشف عن صحة أغراضهم ومقاصدِهم. |
![]() |
والأولى هي الأكثرُ استعمالًا، والأشدُّ تداولًا، والمشهور منها أربعةٌ وعشرون نوعًا، وأوردَ السيوطيُّ هذه الأنواعَ الأربعةَ والعشرين عن الجليس، وأردفها بذكر أمثلةٍ لثلاثةٍ وعشرين منها نقلًا عن كتاب (التذكِرة) لأحمدَ بنِ عبد القادرِ بنِ أحمدَ بنِ مكتومٍ القيسيِّ، تاجِ الدينِ المتوفى سنة تِسعٍ وأربعين وسبعِمائةٍ، ذاكِرًا أنّ ابنَ مكتومٍ قد اعتاص عليه شرحُ علةٍ منها وشرحَها ومثَّلَ لها شمسُ الدين بنُ الصائغ الحنفيُّ, والعلل وأمثلتها كالآتي: |
![]() |
العلة الأولى: علةُ سماعٍ، وذلك كقولهم: "امرأةٌ ثَدْياءُ" أي عظيمةُ الثديين، ولا يقال: رجلٌ أَثْدَى؛ لعدم سماع ذلك. |
![]() |
العلة الثانية: علةُ تشبيه، كإعراب الفعل المضارع لمضارعته للاسم، أي لمشابهته له، وبناءِ بعض الأسماء لمشابهتها للحرف. |
![]() |
العلة الثالثة: علة استغناء، كاستغنائهم بترَكَ عن وَدَعَ، ووَزَرَ. |
![]() |
العلة الرابعة: علة استثقال، كاستثقالهم الواوَ في نحو (يَعِدُ) لوقوعها بين عدوَّتَيْها: الياء والكسرة. |
![]() |
العلةالخامسة: علة فَرْقٍ، وذلك فيما ذهبوا إليه من رفع الفاعل ونصب المفعول للفرق بينهما، وفتحِ نون الجمع وكسر نون المثنى للفرق بينهما كذلك. |
![]() |
العلة السادسة: علة توكيد، كإدخالهم نونَ التوكيد الخفيفةَ والثقيلة في فعل الأمر لتوكيد إيقاعه. |
![]() |
العلة السابعة: علة تعويض، كتعويضهم الميمَ المشددةَ عوضًا في "اللهمّ" من حرف النداء. |
![]() |
العلة الثامنة: علة نظيرٍ، ككسرهم أحد الساكنيْن إذا التقَيا في الجزم كقوله تعالى: ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [البيِّنة: ١]؛ حملًا على الجرّ؛ إذ الجزمُ في الأفعال نظيرُ الجرّ في الأسماء لاختصاص كلِّ واحدٍ منهما بنوع من الكلمة والعملِ فيه. |
![]() |
العلة التاسعة: علة نقيض، كنصبهم اسمَ (لا) النافية للجنس؛ حملًا على نصب (إنّ) لاسمها؛ لأنّ (لا) نقيضةُ (إنّ)؛ لأن (إنّ) لتوكيد الإثبات، و(لا) لتوكيد النفي، فهما متناقضان. |
![]() |
العلة العاشرة: علة حملٍ على المعنى، كقوله تعالى: ((فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ)) [البقرة: ٢٧٥] بتذكير فعل الموعظة، وهي مؤنثةٌ حملًا لها على المعنى، وهو الوعظُ. |
![]() |
العلة الحادية عشرة: علة مشاكَلَةٍ، كتنوين (سلاسلَ) مع كونه على صيـغة منتهى الجمـوع في قولـه تعـالى: ((سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا)) [الإنسان: ٤] لمشاكلته لما بعده، والمشاكلةُ: أن يُذكَر الشيءُ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. |
![]() |
العلة الثانية عشرة: علة معادَلَة، وذلك مثلُ جرِّهم ما لا ينصرف بالفتح حملًا على النصب، ثم عادَلوا بينهمـا (أي بين النصب والجرّ)، فحملوا النصبَ على الجرّ في جمع المؤنث السالم، فجعلوا علامتيهما في هذا الجمع الكسرةَ. |
![]() |
العلة الثالثة عشرة: علة مجاوَرة، مثلُ جرِّهم نعتَ المرفوع في قولهم: "هذا جُحْرُ ضبٍّ خربٍ" لمجاورته للمجرور كما سبق بيانه. |
![]() |
العلة الرابعة عشرة: علة وجوبٍ، كتعليلهم رفعَ الفاعلِ ونحوِه. |
![]() |
العلة الخامسة عشرة: علة جوازٍ، وذلك ما ذكروه في تعليل الإمالة من الأسباب المعروفة. |
![]() |
العلة السادسة عشرة: علةُ تغليب، كتغليبهم المذكّرَ على المؤنث في قوله تعالى: ((وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)) [التحريم: ١٢]، فأدرجها في جمع المذكر السالم. |
![]() |
العلة السابعة عشرة: علةُ اختصار، كالترخيم، وهو حذْفُ آخِر المنادى، وكحذْفِ النون في قوله تعالى: ((وَلَمْ يَكُ)) [النحل: ١٢٠]. |
![]() |
العلة الثامنة عشرة: علة تخفيف؛ كإدغام المتماثليْنِ أو المتقاربين. |
![]() |
العلة التاسعة عشرة: علة أصل؛ كـ(استحوذ) في قوله تعالى: ((اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ)) [المجادلة: ١٩] من غير إعلالٍ رجوعًا إلى الأصل، ومثل (يُؤَكرِمُ) من غير حذف الهمزة بمقتضى القياس رجوعًا إلى الأصل. قال الراجز: فإنه أهلٌ لأنْ يُؤَكْرَما |
![]() |
العلة العلة العشرون: علةُ أَوْلَى، كقولهم إنّ الفاعل أَوْلَى برتبة التقديم من المفعول. |
![]() |
العلةُ الحاديةُ والعشرون: علةُ دلالةِ حالٍ، كقول المستهِلّ (أي الذي يرى الهلالَ): الهلالُ، أي هذا الهلالُ، فحُذفَ المبتدأُ لدلالة الحال عليه. |
![]() |
العلة الثانيةُ والعشرون: علةُ إشعارٍ، أي إعلام، كقولهـم في جمـع (موسى)، و(مصطفَى): موسَوْنَ، ومصطفَوْنَ، بفتح ما قبل الواو فيهما؛ إشعارًا بأنّ المحذوف ألفٌ، والأصل: موسيُونَ، ومصطفَيُونَ، تحركت الياء فيهما وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم حُذفتْ لالتقائها ساكنةً مع الواو الساكنة. |
![]() |
العلةُ الثالثةُ والعشرون: علةُ تضادٍّ، مثل قولهم في أفعال القلوب وهي الأفعال التي يجوز إلغاؤها: إنّ هذه الأفعالَ متى تقدّمتْ وأُكِّدتْ بالمصدر، أو بضميره، لم تُلغَ أصلًا؛ لِمَا بين التأكيد والإلغاء من التضادِّ؛ إذ التأكيد يدل على الاهتمام والاعتداد، والإلغاءُ يدل على خلاف ذلك. |
![]() |
العلة الرابعةُ والعشرون: وهي العلة التي اعتاص على ابن مكتومٍ شرحُها، وشرحَها الشيخ شمسُ الدين بنُ الصائغِ الذي رآها مذكورةً في كتب المحققين كابن الخشاب البغدادي، فهي علةُ تحليلٍ، وذلك كاستدلالهـم على اسميـة (كيف) بنفي حرفيتها؛ لأنها مع الاسم كلامٌ، أي ولا يكون الحرفُ مع الاسم كلامًا، وبنفي فعليَّتها لمجاورتها الفِعلَ بلا فاصلٍ كقوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بَأَصْحَابِ الفِيل)) [الفيل: ١]، أي ولا يُجاورُ الفعلُ الفعلَ بلا فاصلٍ، فتَحَلَّلَ عَقْدُ شُبَهِ خلافِ المُدَّعِي. |
![]() |
وأمّا الصنف الثاني من العلل فلم يتعرّض له الجليسُ، ولا بيَّنه، وإنما بيَّنه ابنُ السرّاجِ في كتابه: (الأصولِ في النحو)، فقال: "واعتلالاتُ النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدِّي إلى كلام العرب، كقولنا: كلُّ فاعلٍ مرفوعٌ، وضربٌ آخرُ يسمَّى علةَ العلة، مثل أن يقولوا: لِمَ صارَ الفاعلُ مرفوعًا والمفعولُ به منصوبًا؟ ولِمَ إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحًا قُلبَتا ألفا؟ وهذا لا يُكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما نََستخرِج منه حكمتَها، ونُُبيِّن بهـا فضلَ هذه اللغةِ على غيرها من اللغات" اهـ. |
![]() |
وعقّب عليه ابن جني في (الخصائص) بأنّ هذا الذي سمّاه علةَ العلة إنما هو تَجوُّزٌ في اللفظ، فأمّا في الحقيقة فإنه شرحٌ وتفسيرٌ وتتميمٌ للعلة؛ ألاَ ترى أنه إذا قيل له: فلِمَ ارتفعَ الفاعلُ؟ قال: لإسناد الفعلِ إليه، ولو شاء لابتدأَ هذا فقال: في جوابِ رفْعِ زيدٍ من قولنا: قامَ زيدٌ: إنما ارتفعَ لإسناد الفعل إليه، فكان مُغنِيًا عن قوله: إنما ارتفعَ بفعلِه، حتى تسألَه فيما بعدُ عن العلة التي ارتفعَ لها الفاعلُ، وهذا هو الذي أراده المُجيبُ بقوله: ارتفعَ بفعله، أي بإسناد الفعل إليه" اهـ. |