٦.١٥ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة
 |
ذكر السيوطي نقلًا عن أبي البركات الأنباريِّ أنّ العلماء قد اختلفوا في التعليل بالعلة القاصرة، وهي التي لا تتجاوز محلَّ النَّص المعلَّل بها إلى غيره؛ فجوَّزها قومٌ، ومنعها قومٌ، ومثّلَ لها بالعلة في قولهم "ما جاءتْ حاجتَكَ؟" بنصب حاجتِكَ، وقولِهم: "عسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا"؛ فإنّ "جاءتْ" و"عسى" فيهما أُجريا مُجرَى "صارَ"، فجُعلَ لهما اسمٌ مرفوعٌ وخبرٌ منصوبٌ، ولا يجوز أن يَجرِيا مَجرى صارَ في غير هذين المثالين، فلا يقال: ما جاءتْ حالتَكَ؟ أي صارتْ، ولا: جاء زيدٌ قائمًا، أي صار زيدٌ قائمًا، كما لا يجوز: عسى الغُوَيْرُ أنعُمًا، ولا: عسى زيدٌ قائمًا، بإجراء عسى مُجرى صارَ. وبيانُ ذلك أنّ الأصل في "جاءَ" أن يكون فعلًا كسائر الأفعال، ومن العرب من لا يجعله متعدِّيا فيقول: جاء زيدٌ إلى عمرٍو، ومنهم من يُعدِّيه فيقول: جاء زيدٌ عمرًا، فأمّا قول العرب "ما جاءتْ حاجتَكَ؟" فمعناه: أيةُ حاجةٍ صارتْ حاجتَكَ؟، فـ"ما" في التركيب اسمُ استفهامٍ مبتدأٌ في محل رفع، و"جاءتْ" بمعنى صارتْ، فهي فعلٌ ناسخٌ ككانَ، واسمُها ضميرٌ مستترٌ فيها، و"حاجتَكَ" خبرُها ومضاف إليه، والجملة الفعلية خبر "ما" في محل رفع، وأمّا قولُهم "عسى الغُويرُ أبؤسًا" فالغُويْرُ تصغير غارٍ، والأبؤسُ جمعُ بؤْسٍ وهو الشِّدةُ، والمعنى: لعلَ الشرَّ يأتيكم مِن قِبَلِ هذا الغار. |
 |
يُضرب للرجل يقال له: لعلّ الشرّ جاء من قِبَلِكَ، والشاهد في المثالين العربيين أنّ العلة فيهما لا تتجاوزُهما لغيرِهما، واستدلّ الأنباريُّ على صحتها بأنها ساوتِ العلةَ المتعدِّيةَ في الإخالةِ والمناسبة، وزادتْ عليها بظاهر النقل، أي فيما هي خاصةٌ به، ومقصورةٌ عليه، فإن لم يكن ذلك علامةً للصحة، فلا أقلَّ من ألاَّ يكون علامةً على الفساد. |
٦.١٥ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة
٦.١٥ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة
٦.١٥ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة