![]() |
هل يُوصف المقيس بأنه من كلام العرب أو لا؟ الذي دفع السيوطيَّ إلى طرح هذا السؤال هو أنَّ المقيس يتنازعه أمران؛ لأنَّه قد صيغ في قوالب العرب، وجاء على نهج كلامهم، ونُسج على منوالهم. ثم إنَّ العرب لم تتكلم به، فإذا نُظر إلى الأمر الأول قيل: إنَّ المقيس يُوصف بأنه من كلام العرب. |
![]() |
وإذا نُظر إلى الأمر الثاني قيل: إنَّه ليس من كلامهم. هذا هو مراد السيوطي من سؤاله، وقد أجاب عنه بأنَّ المقيس يُوصف بأنه من كلام العرب؛ إذ قال: "قال المازني: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب". |
![]() |
والأمثلةُ التي ذكرها ولم يذكرها السيوطي في (الاقتراح)، وهي تدل على أن المقيس يوصف بأنه من كلام العرب، ويدل على ذلك أمور: |
![]() |
منها: إعراب بعض الكلمات غير العربية. |
![]() |
ومنها: إجراء الكلمات الأعجمية مُجرى العربية، فإنَّ العرب قد أجرت الكلمات الأعجمية مُجرى كلامها العربي في الصرف والمنع من الصرف. |
![]() |
ومنها: الاشتقاق من الأعجمي، فإنَّ العرب قد اشتقت من بعض الكلمات الأعجمية. |
![]() |
ووجه الاستدلال بهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها أن العرب قد أعربت غيرَ العربي، وأجرته مُجرى الكلام العربي، واشتقت منه، فدل ذلك كلُّه على أنَّ المقيس على كلام العرب يجوز وصفه بأنه من كلامهم. وقد قال أبو علي "لو شاء شاعرٌ، أو ساجعٌ، أو مُتَّسِعٌ، أن يَبني بإلحاق اللام اسمًا، وفعلًا، وصفة، لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب. |
![]() |
إن الحكمَ هو الركن الثالث من أركان القياس، وقد وصفه أحد الباحثين بأنه ثمرة القياس ونتيجته العملية؛ لأنَّ عملية إلحاق المقيس بالمقيس عليه لو لم يترتب عليها إعطاء حكم الأصل للفرع لبطلت العملية القياسية بأسرها؛ لأنَّه لا قياس بلا حكمٍ. وقد أورد السيوطي مسألتين تتعلقان بالحكم. |
![]() |
المسألة الأولى: تقسيم الحكم قسمين: |
![]() |
أحدهما: حكمٌ ثبت استعماله عن العرب. |
![]() |
الآخر: حكمٌ ثبت بالقياس والاستنباط. |
![]() |
المسألة الثانية: حكم القياس على الأصل الْمُخْتلف في حكمه. |
![]() |
فإذا كان الأمر كذلك في اسم الفاعل الذي هو أقوى شبَها بالفعل من الصفة المشبهة، فإنه يجب أن يبرز الضمير مع الصفة المشبهة به؛ لأنَّها ضعيفة الشبه بالفعل؛ إذ هي مشبهة باسم الفاعل القاصر، ولضعفها وجب إبراز ضميرها عند جريانها على غير من هي له من باب أَوْلى؛ قياسًا على اسم الفاعل. |
![]() |
أما المسألة الثانية التي أوردها السيوطي في هذا الفصل فهي: حكم القياس على الأصل الْمُخْتلف في حكمه. وقد اعتمد السيوطي في هذه المسألة على كلام الأنباري، غير أنه قد اختصره، وقدم فيه وأخر. |
![]() |
وقد ذكر الأنباري في هذا الفصل أنّ اختلاف العلماء في ذلك على قولين: |
![]() |
أحدهما: أنه يجوز القياس على الأصل الْمُختلَف فيه؛ لأن المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة الْمُتّفَق عليه. |
![]() |
والآخر: أنه لا يجوز القياس عليه. قال: "اعلم أنَّ العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب قومٌ إلى أنه جائز ..... وتمسكوا في الدلالة على جواز ذلك بأن الأصل الْمُختَلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة الْمُتّفَق عليه. وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز، وتمسكوا في الدلالة على أنه لا يجوز بأنه لو جاز القياس على المُختلف فيه لأدى ذلك إلى مُحال؛ وذلك لأنَّ الْمُختلف فيه فرعٌ لغيره، فكيف يكون أصلًا والفرع ضد الأصل؟". اهـ. وواضحٌ مما سبق أمران: أحدهما: أنَّ الأنباري ذكر حجةَ كلِّ فريق من الفريقين، وقد نقل ذلك كلّه السيوطيُّ في الاقتراح. والآخر: أنَّ الأنباري والسيوطي يذهبان مذهبَ القائلين بأنه يجوز القياس على الأصل الْمُختلَف فيه؛ ودليل ذلك أمور ثلاثة: الأول: أنَّهما قدّما هذا المذهبَ على غيره. والثاني: أنهما ردا على حجة القائلين بالمنع؛ فإنَّ حجة هؤلاء المانعين هي أنَّ الْمُختلَف فيه فرعٌ لغيره، فكيف يستقيم أن يكون فرعًا وأن يُقاسَ عليه بعد ذلك فيكونَ أصلًا؟ وقد ردّ الأنباريُّ ووافقه السيوطيُّ بأنه يجوز أن يكون الشيء فرعًا لشيء وأصلًا لشيء آخر. |