٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


إن الحكمَ من أركان القياس، وقد وصفه أحد الباحثين بأنه ثمرة القياس ونتيجته العملية؛ لأنَّ عملية إلحاق المقيس بالمقيس عليه، لو لم يترتب عليها إعطاء حكم الأصل للفرع لبطلت العملية القياسية بأسرها؛ لأنَّه لا قياس بلا حكمٍ، وقد أورد السيوطي مسألتين تتعلقان بالحكم:
المسألة الأولى: تقسيم الحكم قسمين:
أحدهما: حكمٌ ثبت استعماله عن العرب.
والآخر: حكمٌ ثبت بالقياس والاستنباط.
المسألة الثانية: حكم القياس على الأصل الْمُخْتلف في حكمه.

٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


أما المسألة الأولى فقد بدأها السيوطي بقوله: "إنما يُقاس على حكمٍ ثبت استعمالُه عن العرب، وهل يجوز أن يُقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط؟ ظاهر كلامهم: نعم". ومعنى ما قاله السيوطي أن هناك إجماعًا على أنَّ الحكمَ إذا ثبت استعمالُه عن العرب كان القياسُ عليه مما لا خلاف فيه، كرفع نائب الفاعل قياسًا على الفاعل، والذي نلحظه في هذا المثال أنَّ الحكمَ مستفادٌ من استعمال العرب، فلا خلاف بين العلماء في جوازه. أما إذا كان الحكمُ مما ثبت بالقياس والاستنباط فالظاهر من كلامهم أنه كسابقه، يجوز القياس عليه. وقد أشار السيوطي في هذا الصدد إلى أن ابنَ جني قد أفرد بابًا في (الخصائص) عنوانه: (بابٌ في الاعتلال لهم بأفعالهم) أي: في الاعتلال للعرب، ومعنى الاعتلال: طلب العلة وإظهارُها، ومعنى اعتلال النحوي للعرب: أن يذكر علةً لأحكام كلامهم، ويوجِّهَها بتوجيه مأخوذ من أصول قواعد خطاباتهم بأفعالهم الصادرة منهم، فيستنبط منها توجيهات لأفعال أُخر في الكلام، والمراد بأفعالهم: تصرفاتُهم في الكلام.
ومن الأمثلة الدالة على أنَّ الحكم الثابت بالقياس والاستنباط يجوز القياس عليه: قياسُ الصفة المشبهة على اسم الفاعل في حكم ثبت لاسم الفاعل بالاستنباط والقياس، وليس بالسماع عن العرب، وهذا الحكم هو أنَّ اسم الفاعل لا يتحمل الضمير إذا جرى على غير مَن هو له، وهذا الحكمُ ثابتٌ بالاستنباط، وتُقاس الصفة المشبهة عليه ويثبت لها حكمُ اسم الفاعل.

٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


وقبل أن نذكر ما أورده ابنُ جني في (الخصائص)، ونقله عنه السيوطي في (الاقتراح) يحسُن بنا أن نشرح هذه المسألة النحوية؛ لما يترتب على شرحها من فائدة محققة تُعين على فهم هذه المسألة الأصولية، فنقول وبالله التوفيق: أجمع البصريون والكوفيون على أنَّ الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على مَن هو له لا يجب إبرازه، فلو قلتَ: زيدٌ مُكرِمِي، وجعفرٌ مكرمُكَ، لم يلزم إبراز الضمير؛ لأنه جرى لفظًا ومعنًى على مَن هو له. ومعنى جريه على مَن هو له أنه وقعَ خبرًا رافعًا لضميرٍ يعود على مبتدَئِهِ، فهو في المعنى لمبتدئه.
فإذا جرى اسم الفاعل على غير مَن هو له خبرًا أو صفة وجب عند البصريين إبراز الضمير الذي يرفعُه اسمُ الفاعل مطلقًا، أي سواءٌ ألبسَ أم لم يُلبسُ، وذلك نحو أن تقول عند إرادة الإخبار بضاربية زيدٍ ومضروبية عمرٍو: (زيدٌ عمرٌو ضارِبُه هو)، فاسمُ الفاعلِ في الجملة المذكورة جارٍ على غير من هو له؛ لأنَّه لم يقع خبرًا عن زيدٍ الواقعِ مبتدأً أولَ، وإنما هو خبرٌ عن عمرٍو الواقعِ مبتدأً ثانيًا، والضمير البارزُ (هو) عائدٌ على زيدٍ، وبذلك عُلمَ أنّ الضاربية له، ولو لم يبرز واستترَ لأفادَ التركيبُ عكسَ هذا المعنى، ومثال ما أُمن فيه اللبسُ: (زيدٌ هندٌ ضاربُها هو)، و(هندٌ زيدٌ ضاربتُه هي)، وإنما أُبرزَ الضميرُ في المثالين مع أمن اللبس؛ طردًا للباب على وتيرةٍ واحدة.
وقيد الكوفيون وجوبَ إبرازِ الضمير باللبس، فقالوا: لا يجب إبرازُ الضمير إلاَّ فيما يؤدي عدمُ إبرازه إلى اللبس.
والراجح ما ذهب إليه البصريون، وأدلة الفريقين في المسألة الثامنة من كتاب (الإنصاف) لأبي البركات الأنباري.

٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


فإذا كان الأمر كذلك في اسم الفاعل الذي هو أقوى شبَهًا بالفعل من الصفة المشبهة، فإنه يجب أن يبرز الضمير مع الصفة المشبهة به؛ لأنَّها ضعيفة الشبه بالفعل؛ إذ هي مشبهة باسم الفاعل القاصر، ولضعفها وجب إبراز ضميرها عند جريانها على غير من هي له من باب أَوْلى؛ قياسًا على اسم الفاعل، وفي ذلك يقول ابنُ جني في (الخصائص): "ومن الاعتلال لهم بأفعالهم أن تقول: إذا كان اسمُ الفاعل على قوة تحمله للضمير متى جرى على غير مَن هو له صفةً أو صلةً أو حالًا أو خبرًا لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعلُ، فما ظنك بالصفة المشبهة باسمِ الفاعل نحو قولك: (زيدٌ هندٌ شديدٌ عليها هو) إذا أجريتَ (شديد) خبرًا عن (هند)، وكذلك قولك: (أخواك زيدٌ حسنٌ في عينه هما)، (والزيدون هند ظريفٌ في نفسها هم)" اهـ.
وإذ قد بيّنا هذه المسألة من جهة النحو نعود إلى القضية الأصولية التي ساق ابنُ جني وتبعه السيوطي هذه المسألة دليلًا عليها، فنقول: إنَّ عندنا أصلًا مقيسًا عليه، وهو اسم الفاعل، وعندنا فرعٌ مقيس وهو الصفة المشبهة، وعندنا حكمٌ ثابتٌ للأصل المقيس عليه، وهو وجوب إبراز الضمير في اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له، وهذا الحكم إنما هو ثابت بالاستنباط والقياس على الفعل الرافعِ للاسم الظاهر حيث لا تلحقُه العلاماتُ الدالة على التثنية أو الجمع، وجاز القياس عليه، فدل ذلك على أنه يجوز أن يُقاس على ما ثبت بالقياس والاستنباط.
ومن هنا يَتبين أنَّ الحكم يجوز القياس عليه سواء أكان حكمًا ثابتًا عن استعمال العرب، أم كان حكمًا ثابتًا بالقياس والاستنباط.

٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


أما المسألة الثانية التي أوردها السيوطي في هذا الفصل فهي: حكم القياس على الأصل الْمُخْتلف في حكمه. وقد اعتمد السيوطي في هذه المسألة على كلام الأنباري، غير أنه قد اختصره، وقدم فيه وأخر كما نبه على ذلك محقق (الاقتراح) الأستاذ الدكتور: أحمد محمد قاسم -رحمه الله- غير أنه قد سها فذكر أن كلام الأنباري في الفصل العشرين من كتابه (لمع الأدلة)، وليس كذلك، وإنما هو في الفصل الثاني والعشرين الذي عنوانه: (في الأصل الذي يُردُّ إليه الفرع إذا كان مختَلَفًا فيه).
وقد ذكر الأنباري في هذا الفصل أنَّ اختلاف العلماء في ذلك على قولين:
أحدهما: أنه يجوز القياس على الأصل الْمُختلَف فيه؛ لأنَّ المختلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة الْمُتّفَق عليه.
والآخر: أنَّه لا يجوز القياس عليه.
قال -رحمه الله: "اعلم أنَّ العلماء اختلفوا في ذلك، فذهب قومٌ إلى أنه جائز ..... وتمسكوا في الدلالة على جواز ذلك بأن الأصل الْمُختَلف فيه إذا قام الدليل عليه صار بمنزلة الْمُتّفَق عليه. وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز، وتمسكوا في الدلالة على أنه لا يجوز بأنه لو جاز القياس على المُختلف فيه لأدى ذلك إلى مُحال؛ وذلك لأنَّ الْمُختلف فيه فرعٌ لغيره، فكيف يكون أصلًا والفرع ضد الأصل؟". اهـ.

٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


وواضحٌ مما سبق أمران:
أحدهما: أنَّ الأنباري ذكر حجةَ كلِّ فريق من الفريقين، وقد نقل ذلك كلّه السيوطيُّ في (الاقتراح).
الآخر: أنَّ الأنباري والسيوطي يذهبان مذهبَ القائلين بأنه يجوز القياس على الأصل الْمُختلَف فيه؛ ودليل ذلك أمور ثلاثة:
الأول: أنهما قدّما هذا المذهبَ على غيره.
الثاني: أنهما ردا على حجة القائلين بالمنع؛ فإنَّ حجة هؤلاء المانعين هي أن الْمُختلَف فيه فرعٌ لغيره، فكيف يستقيم أن يكون فرعًا وأن يُقاسَ عليه بعد ذلك فيكونَ أصلًا؟ وقد ردّ الأنباريُّ ووافقه السيوطيُّ بأنه يجوز أن يكون الشيء فرعًا لشيء وأصلًا لشيء آخر، وهذان مثالان من ذلك:

٢.١٤ ما يُقاسُ عليه من الأحكام


فاسمُ الفاعل فرعٌ عن الفعل في العمل؛ لأنَّ الأصل للعمل أن يكون للأفعال بدليل أنَّ الأفعال كلَّها عاملة، وإنما أُعمل اسمُ الفاعل عملَ الفعل؛ لأمور متعددة:
أولها: أنَّ الاسم استحق الإعراب بالأصالة، والفعل استحق العمل بالأصالة، فلما أُعرب الفعل المضارع دخل فيما يستحقه الاسمُ وهو الإعراب، فأُعمل اسمُ الفاعل ليدخلَ فيما يستحقه الفعل وهو العمل، ولذلك قال سيبويه في (الكتاب): "فكل واحدٍ منهما داخلٌ على صاحبه" اهـ.
ثانيها: أنَّ اسمَ الفاعل يجري مُجرى الفعل المضارع في حركاته وسكناته.
ثالثها: أنَّ اسمَ الفاعل يُثَنّى ويُجمع، كما أنَّ الفعل تلحقه علامة التثنية والجمع.