١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


كان حريّا بالعلماء الثلاثة قبل حديث اجتماع الشرط مع القسم أن يتحدثوا عن الفعل المضارع المعطوف على الشرط كما تحدثوا عن المضارع المعطوف على جوابه، وسأذكر هنا ذلك بإيجاز فأقول:
المضارع المقرون بالواو أو الفاء المتوسط بين الشرط والجزاء، لا يجوز فيه غير وجهين ذكرهما ابن مالك، حيث قال في (الألفية):
وجزم أو نصب لفعل إثر فاء
أو واو بالجملتين اكتُنفا
أي: إنه لو توسط المضارع المقرون بالفاء أو الواو بين جملة الشرط وجملة الجواب, لم يجز فيه غير وجهين:

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


الجزم بالعطف على فعل الشرط المجزوم لفظًا أو محلًّا، كما في قوله تعالى: ((وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)) [البقرة: ٢٧١], وقوله تعالى: ((إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) [يوسف: ٩٠], وهذا الوجه هو الأجود والأشهر.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


ومذهب الجمهور: أن المضارع المتوسط إذا وقع بعد ثم، فليس فيه غير الجزم ولا يجوز فيه النصب، والكوفيون يلحقون ثم بالفاء والواو ويجيزون معها النصب، مستدلين بقراءة الحسن وقتادة: "ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركَه الموت فقد وقع أجره على الله" وهي بنصب يدركه، وعلى هذا يجوز عندهم نحو: (إن تأتني ثم تحدثَني أكرمك)، وقراءة الجماعة في الآية بجزم يدركه، وأما قراءة النصب فلم يثبت بها البصريون حكمًا لندورها.
وقبل أن أتناول حديث العلماء الثلاثة حول (حكم اجتماع الشرط والقسم), أذكر فيما يلي خلاصةً لما ذكره ابن مالك وشراح الألفية في هذا الموضع؛ لأستنير به في ذلك فأقول:
قال ابن مالك في (الألفية):
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم
جواب ما أخرت فهو ملتزم
وإن تواليا, وقبل ذو خبر
فالشرط رجح مطلقًا بلا حظر
وربما رجح بعد قسمي
شرطٌ بلا ذي خبر مقدم

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


وقال المرادي: "القسم كالشرط في احتياجه إلى جواب, إلا أن جوابه مؤكد باللام أو إن أو منفي، فإذا اجتمع الشرط والقسم حذف جواب المتأخر منهما استغناءً بجواب المتقدم". ثم قال: "هذا إذا لم يتقدم عليهما ذو خبر، فإن تقدم عليهما جعل الجواب للشرط مطلقًا وحذف جواب القسم تقدم أو تأخر، والمراد بذي الخبر ما يطلب خبرًا من مبتدأ واسم كان ونحوه".
ويتضح من ذلك أن اجتماع الشرط والقسم له صورتان:
الصورة الأولى
أن يجتمعا ولم يتقدم عليهما ما يطلب خبرًا, والحكم في تلك الصورة وجوب حذف جواب المتأخر منهما استغناء عنه بجواب المتقدم؛ لشدة الاعتناء بالمتقدم، مثال تقدم الشرط: (إن جاء زيد والله أكرمه، وإن لم يزرني والله فلن أزوره) والجواب في المثالين للشرط، لكنه مجزوم في الأول ومقرون بالفاء في الثاني، وقد حذف جواب القسم فيهما استغناءً عنه بما ذكر من جواب الشرط.
ومثال تقدم القسم: (والله إن زارني محمد لأكرمنه، والله إن لم يحضر زيد إن عمرًا ليحضر، والله إن لم يزرني زيد ما يفرح علي) والجواب في الأمثلة الثلاثة للقسم، وقد صدر في الأول باللام وفي الثاني بإن وفي الثالث بما النافية.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


الصورة الثانية
أن يجتمعا وأن يتقدم عليهما ما يطلب خبرًا، فيجعل الجواب حينئذ للشرط مطلقًا؛ أي: سواء تقدم على القسم أو تأخر عنه، فمثال تقدمه على القسم: (زيد إن لم يحضر والله أكرمك، وإن زيدا إن لم يحضر والله أكرمك).
ومثال تأخره على القسم: (محمد والله إن يحضر يكرمك، وإن محمدا والله إن يحضر يكرمك), وهذا معنى قول ابن مالك: "فالشرط رجح مطلقًا"؛ أي: رجح كفة الشرط واجعل الجواب له عندما يتقدم ذو الخبر, سواء أكان متقدمًا على القسم أم متأخرًا عنه.
وإنما جُعل الجواب للشرط في تلك الحالة؛ لكونه جزءًا من الخبر المطلوب، وحذفه يخلّ بمعنى جملة الشرط الواقعة خبرًا، بخلاف القسم فإن حذف جوابه لا يخل بشيء في الجملة؛ حيث إنه مسوق لمجرد التوكيد.
وقول ابن مالك: "رجح"، يفيد جواز جعل الجواب للقسم المتقدم رجوعًا إلى الأصل المقرر في الصورة الأولى، فيصح أن يقال: (محمد والله إن حضر لأكرمنه، وإن محمدًا والله إن لم يحضر لأعاتبنه), وإلى هذا ذهب ابن الناظم وابن عصفور وغيرهما، وذهب ابن مالك في (التسهيل) و(الكافية) إلى وجوب جعل الجواب للشرط إذا اجتمع مع القسم, وتقدم عليهما ما يطلب خبرًا للعلة التي ذكرناها، فلا يجوز جعل الجواب للقسم.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


الخلاف حول الصورة الأولى لاجتماعهما تقدم أن الشرط والقسم إذا اجتمعا ولم يتقدم عليهما ما يطلب خبرًا؛ تكون العناية بالمتقدم منهما، فيجعل الجواب له وجوبًا ويحذف جواب المتأخر استغناء عنه بجواب المتقدم، وهذا مذهب الجمهور، وقد خالفهم الفراء وتبعه ابن مالك، فأجازا جعل الجواب للشرط مع كونه متأخرًا عن القسم، واستدل الفراء على ما ذهب إليه بقول الأعشى:
لئن مُنيت بنا عن غبّ معركة
لا تلفنا عن دماء القوم ننفتلُ
وبقول امرأة من عقيل:
لئن كان ما حُدّثت عنه صادقًا
أصم في نهار القيظ للشمس باديًا
فقد تقدم القسم على الشرط في البيتين؛ لأن اللام في لئن موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله لئن، وقد جعل الجواب فيهما للشرط مع كونه متأخرًا، فقوله: لا تلفنا، جواب الشرط بدليل جزمه، وكذلك أصم في البيت الثاني، والجمهور تأولوا البيتين على أن اللام في لئن زائدة، وليست موطئة للقسم، وهو تأويل غير مقبول؛ لأن القسم واضح في البيتين، وقيل: إن ترجيح الشرط هنا على القسم مع تأخره لضرورة الشعر، فلا ينافي قاعدة وجوب جعل الجواب للمتقدم.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


حكم القسم المتأخر إذا اقترن بالفاء
إذا اجتمع الشرط والقسم، وتأخر القسم مقرونًا بالفاء؛ لم يكن في الكلام حذف ولا استغناء، فإذا قيل: (إن تزرني فوالله لأكرمنك)، فهذا القول لا حذف فيه، وجملة لأكرمنك جواب القسم، وجملة القسم وجوابه جواب الشرط، وقد أجاز ابن السراج أن يستمر هذا الحكم مع عدم وجود الفاء على تقدير نيتها؛ ولهذا يجوز عنده نحو: (إن تقم والله لأزورنك) على تقدير: فوالله لأزورنك، وهذا لا يجوز على مذهب الجمهور؛ لأن هذه الفاء واقعة في جواب الشرط في تلك الحالة، ولا تحذف هذه الفاء إلا في ضرورة الشعر، فالصواب على مذهب الجمهور أن يقال: إن تقم والله أزرك.
بعد هذا الذي قدمته نقلًا عن شراح الألفية, أبدأ في عرض ما قاله العلماء الثلاثة في هذا الموضع، فأقول:
قال الزمخشري: "وتقول: (والله إن أتيتني لا أفعلُ) بالرفع، (وأنا والله إن تأتني لا آتك) بالجزم؛ لأن الأول لليمين والثاني للشرط" انتهى.
وقال ابن الحاجب معقبًا على قوله هذا: "فصلٌ: قوله: وتقول: (والله إن أتيتني لأفعل) إلى آخره، قال الشيخ: عقد هذا الفصل في أنه إذا اجتمع الشرط والقسم، فإن تقدم القسم أول الكلام كان الحكم في الجواب له، ووجب أن يكون الفعل ماضيًا أو في حكمه كمسألة الكتاب، وهو قوله: (والله إن أتيتني لا أفعل) بالرفع، أما كون الجواب للقسم فلأنه تقدم أول الكلام, فدل على أنه المقصود عند المتكلم، فجعل آخر الكلام لما هو المقصود أولى، أما كون الفعل ماضيًا أو في حكمه فلأنه لما اجتمع على الشرط في الجزاء...

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


...بجعله للقسم, أراد أن يكون الشرط غير معمول في اللفظ؛ ليتناسب مع أخيه، فإن توسط القسم وهو متقدم على الشرط فلا يخلو إما أن تجعله معترضًا أو تجعله معتبَرًا.
فإن جعلته معترضًا كان ما بعده لما قبله، إذ وجود المعترض وعدمه في أحكام ما معه سواء، وهي مسألة الكتاب، كقولك: (أنا والله إن تأتني لا آتك), وإن جعلت القسم في هذه المسألة معتبرًا, كان حكمه حكم المسألة الأولى على السواء، فإن تقدم الشرط على القسم كان الكلام في كونه معترضًا وغير معترض كذلك، فإن جعلته معترضًا قلت: (إن تأتني والله آتك) بالجزم, وإن جعلته معتبرًا قلت: (إن تأتني فوالله لآتينك).
ولا فرق بين أن يكون القسم في المسألة الأولى مرادًا أو ملفوظًا به أو ملفوظًا بما يدل عليه، فمثال الملفوظ بما يدل عليه قوله تعالى: ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ)) [الأحزاب: ٦٠] وشبهه, ومثال ما هو مراد وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه قوله تعالى: ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام: ١٢١]، فلولا تقدير القسم لم يجز أن يقال: (إن أكرمتني إنني لا أكرمك), وإذا قدر القسم وجب ذلك؛ لأن المعاملة له على ما تقدم، وقول من قال: "التقدير: فإنكم"، فحذفت الفاء مردود؛ لأن ذلك ضعيف وبأنه لا يكون إلا في ضرورة الشعر" انتهى كلام ابن الحاجب.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


وقال ابن يعيش: "اعلم أن اليمين لا بد لها من جواب؛ لأن القسم جملة يؤكد بها جملة أخرى، فإذا أقسمت على المجازاة فالقسم إنما يقع على الجواب؛ لأن جواب المجازاة خبرٌ يقع فيه التصديق والتكذيب، والقسم إنما يؤكد الأخبار، ألا ترى أنك لا تقول: والله هل تقوم، ولا: والله قم؛ لأن ذلك ليس بخبر، فلما كان القسم معتمدًا به الجواب بطل الجزم، وصار لفظه كلفظه لو كان في غير مجازاة، فتقول: (والله إن أتيتني لا أفعل) بالرفع؛ لأنه جواب القسم والشرط ملغي، كأنك قلت: (والله لا أفعل إن أتيتني)، وصار الشرط معلقًا على جواب اليمين كما كان معلقًا عليه الظرف من نحو إذا قلت: (والله لا أفعل يوم الجمعة), وتقول: (والله إن أتيتني آتيك) والمراد: لا آتيك، فلا تحذف من القسم في الجحد؛ للعلم بموضعها، إذ لو كان إيجابًا لزمته اللام والنون، نحو: (الله لآتينك)، ومنه قوله تعالى: ((قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتأ.
ولو جزمت الشرط وقلت: والله إن تأتني لا آتيك -لم يحسن؛ لأن حرف الشرط لا يجزم ما لا جواب له، والجواب هنا للقسم، فإن تقدّم القسمَ شيءٌ، ثم أتى بعده للمجازاة، اعتمدت المجازاة على ذلك الشيء، وألغي القسم، نحو قولك: (أنا والله إن تأتني لا آتك) اعتمد الشرط والجزاء على أنا، وصار القسم حشوًا ملغى، كأنه ليس في اللفظ، ألا ترى أنك تقول: (زيد والله منطلق).
ولو قدمت القسم لزمك أن تأتي باللام فتقول: (والله لزيد منطلق), فبان الفرق أن القسم إذا وقع حشوًا ألغي، وكان من قبيل الجمل المعترضة في الكلام، فأنا مبتدأ والشرط وجوابه خبر المبتدأ، والقسم اعترض بين المبتدأ وخبره، ولا حكم له، فاعرفه" انتهى كلام ابن يعيش.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


وأقول: قد ذكر الزمخشري في هذا الموضع مثالين، اجتمع في كل منهما شرط وقسم، والجواب في أحدهما للقسم، وفي الآخر للشرط؛ ولهذا جاء المضارع في موضع الجواب في الأول مرفوعًا وفي الثاني مجزومًا، والمثال الأول هو قول القائل: (والله إن أتيتني لا أفعلُ), والثاني هو قول القائل: (أنا والله إن تأتني لا آتِك), ثم ذكر تعليل رفع المضارع في الأول بأنه واقع في جواب اليمين وهو القسم، وذكر في تعليل جزمه في الثاني بأنه واقع في جواب الشرط، ولم يذكر شيئًا غير هذا.
وهذان المثالان من أمثلة الكتاب، فقد عقد سيبويه لاجتماع الشرط والقسم بابًا عنوانه: (هذا باب الجزاء إذا كان القسم في أوله)، ثم قال: "وذلك قولك: (والله إن أتيتني لا أفعل) لا يكون إلا معتمدة عليه اليمين، ألا ترى أنك لو قلت: (والله إن تأتني آتك) لم يجز؟ ولو قلت: (والله من يأتني آته) كان محالًا؟ واليمين لا تكون لغوًا كـ "لا والألف"؛ لأن اليمين لآخر الكلام، وما بينهما لا يمنع الآخر أن يكون على اليمين، وإذا قلت: (أإن تأتني آتك) فكأنك لم تذكر الألف، واليمين ليست هكذا في كلامهم، ألا ترى أنك تقول: (زيد منطلق)، فلو أدخلت اليمين غيرت الكلام".
ثم قال: "وتقول: (أنا والله إن تأتني لا آتك)؛ لأن هذا الكلام مبني على أنا، ألا ترى أنه حسنٌ أن تقول: (أنا والله إن تأتني آتك)؟ فالقسم ههنا لغوٌ، فإذا بدأت بالقسم لم يجز إلا أن يكون عليه، ألا ترى أنك تقول: (لئن أتيتني لا أفعل ذاك)؛ لأنها لام قسم؟ ولا يحسن في الكلام: (لئن تأتني لا أفعل)؛ لأن الآخر لا يكون مجزومًا" انتهى.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


ولقد شرح السيرافي كلامه الأول شرحًا وافيًا مع التعليل، فقال: "إذا أقسمت على المجازاة, فالقسم إنما يقع على الجواب؛ لأن جواب المجازاة هو إخبار ووعد يقع فيه التصديق والتكذيب والوفاء والإخلاف، ألا ترى أنك لو قلت: (إن جاء زيد أعطاه عمرو دينارًا) لم يقع لك بمجيء زيد ولا بتأخره تصديق ولا تكذيب, وإنما يقع لك التصديق والتكذيب بإعطاء عمرو زيدًا دينارًا ومنعه إياه بعد مجيئه، والقسم إنما يؤكّد الأخبار، وما ليس بخبر لا يقع عليه القسم؟ ألا ترى أنك لا تقول: والله هل خرج زيد؟ ولا: والله قم يا زيد، ولا: والله لا تتكلم يا عمرو؛ لأن الاستفهام والأمر والنهي ليس بإخبار، فلما كان القسم معتمدًا به الجواب بطل الجزم فيه، فصار لفظه كلفظه لو كان في غير مجازاة، فتقول: (والله إن أتيتني لا أفعل)، كأنك قلت: (والله لا أفعل إن أتيتني)، وصار الشرط معلقًا على جواب اليمين كما يعلق عليه الظرف إذا قلت: (والله لأفعل يوم الجمعة).
وتقول: (والله إن أتيتني آتيك) على معنى: لا آتيك؛ لأن جواب اليمين يجوز إسقاط لامه إذا كان جحدًا، قال الله -عز وجل: ((قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ)) في معنى: تالله لا تفتأ تذكر، و(والله أوذيك) على معنى: والله لا أوذيك، وإنما جاز إسقاط "لا" منه؛ لأنه لا يشكل بالإيجاب، لأن الإيجاب يحتاج إلى لام ونون كقولك: (والله لآتينك ووالله لأخرجن).
ولا يجوز إسقاط واحدة من اللام والنون، فإذا أسقطوا :لا" من الجحد؛ علم أنه جحد بسقوط اللام والنون منه، ويدخلون اللام أيضًا على الشرط؛ لأنه أول ما يلقى اليمين كقولك: (والله لو أتيتني لأكرمنك) فإدخالها في الثاني واجب لازم؛ لأنه مقصور بالقسم، وإدخالها...

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


...في الأول لأنه صدر الكلام، والشرط والجواب هما في الأصل جملتان متباينتان، ربطهما حرف المجازاة فصارتا كشيء واحد، فمن أدخل اللام في الأول فلأنهما كجملة واحدة صدرها الشرط، ثم تعيد في جواب اليمين الحرف الذي يوجبه اليمين، ومن لم يدخل اللام في الأول اكتفى بدخول علامة جواب اليمين في الموضع الذي هو حقه.
وإن جزمت للشرط فقلت: (والله لئن تأتني لا أفعل) لم يحسن؛ لأن الشرط لا يجزم إذا لم يكن بعده جواب له، وقولك: (لا أفعل) هو جواب القسم، وليس بجواب له، وقد يسقط الجزم ويبقى جوابه؛ كقولك: (لئن أتيتني لآتينك) و(لئن زرتني لا أترك زيارتك)؛ لأن لفظ جواب القسم قد دل على القسم المحذوف". وواضح تأثر ابن يعيش بكلامه هذا.
وقد شرح السيرافي كلام سيبويه عن المثال الثاني فقال: "فإذا تقدم القسم شيء ثم أتى بعده المجازاة؛ اعتمدت المجازاة على ذلك الشيء وألغي القسم، كقولك: (أنا والله إن تأتني لا آتك)، اعتمد إن تأتني لآتك، على أنا، كأنه ليس بعده القسم، ألا ترى أنك تقول: (زيد والله منطلق)، ولو قلت: (والله لزيد منطلق) لزمته اللام؟ ومثله إذن إذا تقدمت على القسم, عملت واعتمد الفعل عليها، كقولك: (إذن والله أكرمك) و(إذن والله لا أكرمك)، وإن تقدم اليمين اعتمد الفعل عليها، كقولك: (والله إذن لأكرمنّك)، و(والله إذن لأكرمك).
وذكر أبو علي الفارسي في تعليقه على هذا الموضع، أن اليمين لا تكون لغوًا إذا كانت متقدمة، وإنما تلغى إذا وقعت بين كلام غير مبتدأ بها، وهذا الذي ذكره يلخص الحكم في المثالين اللذين تناولهما الزمخشري؛ وذلك لأن المثال الأول فيما ذكره تقدم فيه...
فائدة
إذا قلت: (لئن جاءني محمد لأكرمنه), فاللام الأولى الداخلة على أداة الشرط يسميها بعض النحويين اللام المؤذِنة؛ لأنها تؤذن وتعلن بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها، لا على الشرط، وتسمى أيضًا اللام الموطئة؛ لأنها وطأت الجواب للقسم؛ أي: مهّدته له، واللام الثانية الداخلة على جواب القسم تسمّى لام جواب القسم، أو لام القسم، وينبغي أن أبين هنا للدارس كيف يميز بين جواب الشرط وجواب القسم فأقول:

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


...القسم أو اليمين؛ فلهذا كان الجواب له، وكان حكم المضارع فيه الرفع، والمثال الثاني تأخر فيه القسم أو اليمين بتقدم المبتدأ أنا؛ فلهذا لم يكن له جواب، وكان الجواب للشرط، وكان حكم المضارع فيه الجزم.
يتبين من كلام النحويين أن جواب الشرط يأتي على خمسة أوجه:
أن يكون فعلًا مضارعًا مجزومًا، نحو: (من يزرني أكرمه).

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


وأما جواب القسم, فله خمس صور أيضًا:
أن يكون جملة إنشائية, وذلك في القسم الاستعطافي الذي تؤكد به جملة طلبية، كما في قول الشاعر:
بربك, هل ضممت إليك ليلى         قبيل الصبح, أو قبلت فاها؟
وقول الآخر:
بعيشك يا سلمى, ارحمي ذا صبابة         أبى غير ما يرضيك في السر والجهر
فالجواب في الأول جملة: (هل ضممت إليك ليلى), وفي الثاني جملة: (ارحمي ذا صبابة).

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


وأعود إلى تناول ما كتبه كل من ابن الحاجب وابن يعيش في هذا الموضع فأقول: قد أحسن ابن الحاجب في تعليله لجعل الجواب للقسم إذا تقدم على الشرط؛ حيث قرر أن تقدمه في أول الكلام دل على أنه المقصود عند المتكلم، فكان جعل آخر الكلام لما هو المقصود أولى من جعله لما يليه، وهو الشرط، وقول ابن الحاجب: ووجب أن يكون الفعل ماضيًا أو في حكمه؛ يريد بما في حكم الماضي المضارع المقترن بـ "لم" نحو: (والله إن لم تزرني لأهجرنك)، وإنما وجب ذلك حتى لا يكون لأداة الشرط عمل ظاهر في الشرط, مع كونها لم تعمل في الجواب، والمطلوب أن يتحقق التناسب بينهما.
وفي كلام ابن الحاجب تفصيل للقول في القسم الواقع متوسطًا في الكلام, وهو الذي تقدم عليه ما يطلب خبرًا وهو المبتدأ، كما في مثال سيبوبه: (أنا والله إن تأتني لا آتك)، وإن واسمها نحو: (إن محمدًا إن يحضر والله يكرمك) وكان واسمها نحو: (كان محمد والله إن يحضر يكرمك)، وقد تقدم أن ابن مالك ومن تبعه من النحويين يرون أن الجواب في ذلك يرتجح كونه للشرط؛ حيث يقول ابن مالك:
وإن تواليا وقبل ذو خبر
فالشرط رجح مطلقًا بلا حذر
أما ابن الحاجب، فيفرّق في المسألة بين أن يكون القسم معترضًا وأن يكون معتبرًا، ثم يقول: "فإن جعلته معترضًا كان ما بعده لما قبله، إذ وجود المعترض وعدمه في أحكام ما معه سواء" ومعنى كلامه هذا: أن جملة الشرط الواقعة بعد القسم تكون خبرًا عما قبله، ومعنى ذلك: أن المضارع يجزم جوابًا للشرط، وتكون الجملة الشرطية كلها في موقع الخبر. ولو طبقنا ذلك على مثال سيبويه يكون (لا...

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


... آتك)جوابًا للشرط (إن تأتني)، والجملة الشرطية (إن تأتني لا آتك) في موضع الخبر عن المبتدأ (أنا)، ولفظ القسم معترض بين المبتدأ وخبره.
ثم يقول: "وإن جعلت القسم في هذه المسألة معتبرًا كان حكمه حكم المسألة الأولى على السواء" وهذا معناه: أنه في تلك الحالة يجعل الجواب للقسم؛ نظرًا لتقدمه، فيقال: (أنا والله إن تأتني لا آتيك) في النفي، و(أنا والله إن تأتني لآتينك) في الإثبات.
وفي تناوله لتقدم الشرط على القسم, يفرق أيضًا بين أن يكون القسم حينئذ معترضًا وبين أن يكون معتبرًا، فإن كان معترضًا جعل الجواب للشرط، نحو: (إن تأتني والله آتك)، وإن كان معتبرًا كان الجواب له كما في المثال: (إن تأتني فوالله لآتينك).
ويلحظ أنه في التمثيل للقسم المعتبر قرن القسم بالفاء، والقسم إذا اقترن بالفاء لم يكن في الكلام حذف ولا استغناء كما تقدم بيانه، فإذا قيل: (إن تزرني فوالله لأكرمنك) فهذا القول لا حذف فيه، وجملة (لأكرمنك) جواب القسم، وجملة القسم وجوابه جواب الشرط، وقد تقدم عن ابن مالك وشراح (الألفية) أنه إذا اجتمع الشرط والقسم، وتقدم الشرط على القسم كان الجواب للشرط، وهذا يتحقق فيما إذا لم يقترن القسم بالفاء، وهو ما يعده ابن الحاجب معترضًا، وفيما إذا اقترن القسم بها وهو ما يعده معتبرًا.
وينبه ابن الحاجب في آخر كلامه في هذا الموضع على أنه لا فرق في مسألة تقدم القسم على الشرط، بين أن يكون القسم ملفوظًا به كما في مثال سيبويه: (والله إن أتيتني لا أفعل)، أو ملفوظًا بما يدل عليه كاللام الموطئة للقسم كما في قوله تعالى: ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ...

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


... الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ)) [الأحزاب: ٦٠], أو مرادًا وليس في اللفظ ما يدل عليه كما في قوله تعالى: ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) [الأنعام: ١٢١]، فهذه الآية عنده على تقدير قسم متقدم على شرط، والدليل على أن القسم مراد أن قوله تعالى: ((إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) من جملة الصور التي يتلقى بها القسم، وهي صورة الجملة الاسمية المثبتة المقرونة بـ "إنّ واللام"، ولولا تقدير القسم ما جاءت الجملة بهذه الصورة؛ إذ لا يجوز أن يقال: إن أكرمتني إني لأكرمك، ولا يصح في الآية جعل الجملة جوابًا للشرط المذكور؛ لأن جواب الشرط إذا كان جملة اسمية وجب اقترانه بالفاء، ولا يجوز أن يقال: هي جواب الشرط، وقد حذفت منه الفاء الرابطة؛ لأن الفاء الرابطة لا يجوز حذفها إلا في ضرورة الشعر عند الجمهور، كما في بيت حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
والشر بالشر عند الله مثلان
ولم تحذف في النثر إلا ندورًا, كما في الحديث الذي أخرجه البخاري: ((فإن جاء صاحبها, وإلا استمتع بها)) وتقدير الكلام في هذا الحديث: فإن جاء صاحبها فأدها إليه وإن لا يجئ فاستمتع بها، ففيه حذف جواب الشرط الأول، وحذف فعل الشرط الثاني، وحذف الفاء الرابطة من الجواب، وليس من المقبول تخريج القرآن الكريم على شيء نادر.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


وهذه الآية خرّجها أبو البقاء وجماعة على أن قوله تعالى: ((إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) في موضع جواب شرط, وهو ((وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ)) على إرادة الفاء، أي: فإنكم، وذكر هؤلاء أن الذي حسّن حذف الفاء كون الشرط بلفظ الماضي، وقد وصف أبو الحسن الباقولي في (كشف المشكلات) هذا التخريج بأنه فاسد.
ووصف أبو حيان حذف الفاء فيه بأنه من الضرائر، فلا يكون في القرآن الكريم، ثم قال: وإنما الجواب محذوف و((إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)) جواب قسم محذوف، التقدير: والله إن أطعتموهم، كقوله: ((وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ)) [المائدة: ٧٣] وقوله: ((وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ)) [الأعراف: ٢٣], وأكثر ما يُستعمل هذا التركيب بتقديم اللام المؤذنة بالقسم المحذوف على "إنْ" الشرطية، كقوله: ((لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ)) [الحشر: ١٢] وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه.
وهذا الذي ذكره أبو حيان صار عليه السمين أيضا, وكذلك الألوسي حيث قال في (روح المعاني): الكلام هنا كما قال أبو حيان, وغيره على تقدير القسم وحذف لام التوطئة؛ أي: ولئن أطعتموهم والله إنكم لمشركون، وحذف جواب الشرط لسد القسم مسده, وجعل أبو البقاء وتبعه بعضهم المذكور جواب الشرط ولا قسم، وادعى أن حذف الفاء منه حسن، إذا كان الشرط بلفظ الماضي كما هنا، واعترض بأن هذا لم يوجد في الكتب العربية، بل اتفق الكل على وجوب الفاء في الجملة الاسمية، ولم يجوزوا تركها إلا في ضرورة الشعر، وفيه أن المبرد أجاز ذلك في (الاختيار) كما ذكره المرادي في (شرح التسهيل).
وبهذا ينتهي الحديث حول ما ذكره العلماء الثلاثة في باب المضارع المجزوم.

١.١٠ حديث العلماء الثلاثة حول حكم اجتماع الشرط والقسم


فالذي صار عليه ابن الحاجب هو اختيار كثير من المحققين كأبي حيان والسمين والألوسي، وقد اختاره أيضًا الشهاب في حاشيته على البيضاوي، وذكر أنه اختيار الرضي وأبي حيان.
وما ذكره ابن يعيش في هذا الموضع ما هو إلا تلخيص لما ذكره السيرافي في شرحه له، فقد قرر كالسيرافي أن القسم إذا تقدم على الشرط وقع القسم على الجواب؛ لأنه الذي يحتمل التصديق والتكذيب، فلما صار معتمدًا للقسم بطل فيه الجزم وصار جوابًا للقسم، كما قرر أن القسم يؤكد الإخبار، فلا يقسم على ما معناه استفهام أو طلب، وقرر أن "لا" تحذف من جواب القسم للعلم
بموضعها؛ لأن الجواب لو كان موجبًا للزمته اللام والنون، وقرر أن القسم إذا تقدم عليه شيء اعتمد الشرط على ذلك
الشيء وألغي القسم، وقرر أن القسم إذا وقع حشوًا ألغي وكان من قبيل الجمل المعترضة، ولم يفصل تفصيل ابن
الحاجب في القسم، ولم يفرق بين ما يعد معترضًا وبين ما يعد معتبرًا.