...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
قال الزمخشري: "فصلٌ: وسأل سيبويه الخليل عن قوله -عز وجل: ((لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)) [المنافقون: ١٠] فقال: هذا كقول عمرو بن معدي كرب (دعني فأذهب جانبًا يومًا, وأكفك جانبًا), وكقوله: (بدا لي أني لست مدرك ما مضى، ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيًا) أي: كما جروا الثاني؛ لأن الأول قد تدخله الباء، فكأنها ثابتة فيه، فكذلك جزموا الثاني؛ لأن الأول يكون مجزومًا ولا فاء فيه فكأنه مجزوم" انتهى.
وقال ابن الحاجب معلقًا على كلام الزمخشري: "فصلٌ: قوله: وسأل سيبويه الخليل عن قوله تعالى: ((فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ)) قال الشيخ: فأجابه بمثل ما سأله عنه, وقصد إلى تنبيهه بمثله على أن موضع الأول جزمٌ, فعطف الثاني على الموضع كما في قوله تعالى: ((فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ)), وهو شائعٌ فصيح، ثم مثّله بما هو أبعد منه في التقدير، وهو قوله: (ولا سابقٍ شيئًا).
والفرق بينهما هو أن الأول محقق موضع الجزم فيه؛ لأنك لو جعلت موضع (فأصدق) فعلًا لكان مجزومًا، والثاني غير محقق فيه موضع الجر، وهو قوله: (ليس مدرك ما مضى) إلا بتأويل بعيد, وهو تقدير المعدوم موجودًا؛ فلذلك كان الأول فصيحًا والثاني ضعيفًا" انتهى كلام ابن الحاجب.
وقال ابن يعيش معلقًا على كلام الزمخشري أيضا: "قال الشارح: لولا معناه اطلب والتحضيض، فإذا قلت: (لولا تعطيني) فمعناه: أعطني، فإذا أوتي لها بجواب كان حكمه حكم جواب الأمر إذ كان في معناه، وكان مجزومًا بتقدير حرف الشرط على ما تقدم، وإذا جئت...
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
...بالفاء كان منصوبًا بتقدير أنْ، فإذا عطفت عليه فعلًا آخر جاز فيه وجهان: النصب بالعطف على ما بعد الفاء، والجزم على موضع الفاء، لو لم تدخل، وتقدير سقوطها، ونظير ذلك في الاسم: (إن زيدًا قائمٌ وعمرو وعمرًا) إن نصبت, فبالعطف على ما بعد إن، وإن رفعت فبالعطف على موضع إن قبل دخولها وهو الابتداء، فأما قول عمرو بن معدي كرب: (دعني فأذهب) إلى آخره، فالشاهد فيه أنه عطف على جواب الأمر, واعتقد سقوط الفاء فجزم على المعنى؛ لأنه لو لم تدخل الفاء لكان مجزومًا, وقد شبهه الخليل بقول الآخر: (بدا لي أني) إلى آخره -البيت لصرمة الأنصاري، وقيل: لزهير- والشاهد فيه: أنه خفض (سابق) بالعطف على خبر ليس، على توهم الباء؛ لأن الباء تدخل في خبر ليس كثيرًا، فلما كان خبرها مظنة الباء اعتقد وجودها, فخفض المعطوف عليه وهو قوله: (ولا سابقٍ).
ومثله:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة
ولا ناعبٍ إلا ببين غرابها
بجر ناعبٍ، على توهّم الباء في الخبر الذي هو (مصلحين)، وقريب من ذلك قوله:
أم الحليس لعجوز شهربا
ترضى من اللحم بعظم الرقبة
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
فإنه توهّم "إن" فأدخل اللام في الخبر، حتى كأنه قال: (إن أم الحليس) إذ كان ذلك مما يستعمل كثيرًا، وعكس ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) [الأحقاف: ١٣] قدر حذف إن عند سيبويه, ثم أدخل الفاء في خبر الذين، وحاصله أنه غلط فاعرفه" انتهى كلام ابن يعيش.
وأقول: الوارد في نقل الزمخشري عن سؤال سيبويه الخليل في هذا الموضع، فيه زيادة عما ورد في (الكتاب)، وما ورد فيه من أن الخليل شبه حكم الآية بالحكم في بيت (عمرو بن معدي كرب) لا وجود له في (الكتاب), ولا في شرح السيرافي له, ولا في (التعليقة) لأبي علي الفارسي، فهذا من زيادات الزمخشري وربما دل على أن الكتاب له نسخة أخرى لم تصلنا وفيها تلك الزيادة، وفيما يلي نص سيبويه في هذا الموضع قال: "وسألت الخليل عن قوله -عز وجل: ((فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)) فقال: هذا كقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى
ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا
فإنما جروا هذا؛ لأن الأول قد يدخله الباء, فجاءوا بالثاني وكأنهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله قد يكون جزمًا ولا فاء فيه, تكلموا بالثاني وكأنهم قد جزموا قبله، وعلى هذا توهموا هذا".
وقبل أن أتناول نصوص العلماء الثلاثة في هذا الموضع, ينبغي أن أوضح الفرق بين العطف على الموضع والعطف على المعنى؛ لأن الموضع يحتاج إلى هذا التوضيح، وفيما يلي بيانه:
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
العطف على اللفظ وهو الأصل نحو: (ليس زيد بقائم ولا قاعد)، بجر قاعد، وشرطه: إمكان توجه العامل إلى المعطوف، فلا يجوز في نحو: (ما جاءني من امرأة ولا زيد) إلا رفع (زيد) عطفًا على موضع امرأة؛ لأنه في موضع رفع على الفاعلية، ولا يجوز جر زيد بالعطف على امرأة لعدم إمكان توجه العامل وهو (من) إليه؛ لأن (من) في المثال زائدة، و(من) الزائدة لا تعمل في المعارف.
العطف على الموضع أو المحل كما في نحو: (ليس زيد بقائم ولا قاعدًا) بنصب قاعدا، وله عند المحققين ثلاثة شروط، وهي: أن يكون الموضع بحق الأصالة، وأن يمكن ظهوره في الفصيح، وأن يوجد طالبه، وإذا طبقنا هذه الشروط على المثال نجدها متحققة فيه، فموضع (قائم) في المثال بحق الأصالة هو النصب؛ لأنه خبر ليس، وإنما جر لدخول الباء الزائدة عليه، وهذا النصب يمكن ظهوره في الفصيح إذا حُذفت الباء الزائدة فيقال: (ليس زيد قائما), وطالب النصب في المثال موجود وهو (ليس) التي استوفت اسمها وتطلب نصب (قائم) خبرًا لها، وإذا اختل شرط من هذه الشروط لم يجز العطف على الموضع، فلا يجوز في نحو: (علي ضارب زيدًا) أن يعطف على "زيدًا" بالجر، باعتبار أن اسم الفاعل قد يضاف إلى مفعوله؛ لأن هذه الإضافة ليست بحق الأصالة، وإنما الإعمال هو الأصل في اسم الفاعل المستوفي للشروط، ولا يجوز نصب المعطوف على (زيد) في نحو: (مررت بزيد وعمرو)، على اعتبار أن موضع (زيد) النصب؛...
...لأن هذا الموضع لا يظهر في الفصيح، فإنه لا يقال: (مررت زيدًا), ولا يجوز العطف على اسم إنّ بالرفع في نحو: (إن زيدًا وعمرًا قائمان) على اعتبار أن (عمرو) بالرفع يكون معطوفًا على موضع اسم إن؛ لأن موضعه رفعٌ قبل دخول إن؛ وذلك لأن طالب هذا المحل وهو الابتداء غير موجود، حيث إنه زال بدخول إنّ على الجملة.
العطف على التوهم ويسمى أيضًا العطف على المعنى, إذ ورد في القرآن الكريم، وهو يختلف عن النوعين السابقين من جهة أن الحكم الذي يأخذه المعطوف ليس موجودًا في لفظ المعطوف عليه ولا في محل المعطوف عليه، وإنما يكون مبنيًّا على توهم دخول عامل على المعطوف عليه، وذلك نحو: (ليس زيد قائمًا ولا قاعدٍ) بجر قاعد، وهذا الجر ليس موجودًا في لفظ (قائمًا) ولا في محله، وإنما هو مبني على توهم دخول الباء على (قائمًا) الواقع خبرًا لـ(ليس), والعطف بالجر في المثال صحيح من جهة أنه يصح دخول الباء على خبر ليس، وهو حسنٌ لكثرة دخول الباء في ذلك الموضع؛ ولهذا قال ابن هشام: "وشرط جوازه: صحة دخول ذلك العامل المتوهم، وشرط حسنه كثرة دخوله هناك".
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وإذا احتكمنا إلى ما قرره النحويون في ذلك, حكمنا بأن العطف بجزم (أكن) في قوله تعالى: ((لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)) من قبيل العطف على المعنى، وهو ما يسمى العطف على التوهم في غير القرآن الكريم، والجزم في (أكن) قراءة السبعة ما عدا (أبا عمرو)، والفعل (أكن) بالجزم في تلك القراءة ليس معطوفًا على لفظ (أصدّق)؛ لأنه في اللفظ منصوب، وليس معطوفًا على موضعه لأنه ليس له موضع جزم، إنما هو منصوب بـ(أنْ) مضمرة وجوبًا بعد الفاء المسبوقة بالتحضيض، وهو مع (أنْ) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم مما تقدم، كأنه قيل: (فليكن منك تأخير لي إلى أجل قريب فتصدق مني يعقبه).
وإذا انتفى كون العطف على اللفظ وكونه على الموضع, لم يتبقَّ إلا كونه عطفًا على المعنى؛ وذلك لأن معنى ((لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ)): أخرني إلى أجل قريب أصدق، فهو في معنى طلبٍ جُزم المضارع بعده؛ لكونه في التقدير جوابا لشرط مقدّر، وكأنه قيل: أخِّرني إلى أجل قريب، إن أخرتني أصدق.
وظاهر كلام السيرافي في توجيه الآية على قراءة الجزم: أنها من قبيل العطف على الموضع، وذلك أنه قال: (الأصل في الجواب -يعني جواب (لولا)- أن يكون بغير فاء، والذي يقرأ "وأكونَ" لعطفه لما بعد الفاء، ومثاله في الاسم: (إن عندك زيدا وعمرو وعمرًا)، عطفًا على موضع إن، وعلى المنصوب بعد إن).
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
ثم خرّج بيت زهير، وذكر أن الجر فيه قبيحٌ جدًّا، حيث قال: وأما استشهاده -يعني الخليل- ببيت زهير فالخفض في البيت قبيح جدّا, لا خافض قبله يخفضه ولا مخفوض يعطف عليه، ولا شيء موضعه خفض فيعطف على الموضع؛ لأن الباء إذا أتي بها فموضعها نصب، فإذا حُذفت ونصب الاسم بعدها فقد وقع الاسم المنصوب موقعه ولا موضع لغير النصب، ألا ترى أنا إذا قلنا: (تعلقت بزيد وعمرًا) عطفنا (عمرًا) على موضع الباء, ولا يقال: (تعلقت زيدًا وعمروٍ) ولا يحسن؛ لأن المنصوب ليس في موضع خفض، والخفض في البيت قبيح جدًّا، والذي في كتاب الله -عز وجل- مستحسن جيد، والذي حملت على الموضع مما لا يحتاج فيه إلى تغيير لفظ العامل، فهو أحسن مما يحتاج إلى تغيير لفظه، فمما لا يحتاج إلى تغيير لفظ العامل قولك: (ليس زيدٌ بجبان ولا بخيلا)، (بخيلا) عطف على موضع الباء، ولا يحتاج في نصب (بخيلا) إلى تغيير (ليس)، وكذلك إذا عطفنا (أكن) على موضع الفاء لم تُغير (لولا أخرتني) عن لفظه.
وإلى ذلك ذهب (أبو علي الفارسي) أيضًا, فقال في التعليقة: "لولا حرف فيه معنى التحضيض؛ فلذلك وجب أن يكون الفعل بعده منجزمًا كما انجزم بعد الأمر، وقوله: (فأصدق) وقع موقع فعل مجزوم، و(أكن) على موضع (فأصدق)، كما حمل من قرأ (ويذرْهم) على موضع الفاء مع ما بعده وهو قوله: (فلا هادي له)".
وممن ذهبوا إلى ذلك أيضًا الزجاج شيخ (أبي علي), حيث قال في معانيه: "جزم (وأكن) على موضع (فأصدق)؛ لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين".
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
ومنهم: النحاس في كتابه (إعراب القرآن), والزمخشري في (الكشاف), وأبو البقاء العكبري وأبو محمد مكي, وأبو البركات الأنباري, وابن الشجري في (أماليه).
والتحقيق في ذلك: أن القراءة بجزم (أكن) في هذه الآية من قبيل العطف على المعنى، وقد اختار ذلك أبو حيان في (البحر المحيط)؛ حيث نسب القول بأنها من قبيل العطف على الموضع إلى الزمخشري، ونقل عن ابن عطية أنه قال: "هذا مذهب أبي علي الفارسي، فأما ما حكاه سيبويه عن الخليل فهو غير هذا، وهو أنه جُزِم (وأكن) على توهم الشرط الذي يُدل عليه بالتمني، ولا موضع هنا لأن الشرط ليس بظاهر، وإنما يعطف على الموضع حيث يظهر الشرط، كقوله تعالى: "مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرْهُمْ" فمن قرأ بالجزم عطف على موضع (فلا هادي له) لأنه لو وقع هنالك فعلٌ لكان مجزوما".
ثم قال أبو حيان: "والفرق بين العطف على الموضع والعطف على التوهم: أن العامل في العطف على الموضع موجود دون موفّره, والعامل في العطف على التوهم مفقود وأثره موجود" انتهى.
واختار ذلك أيضًا صاحب (الدر المصون) تلميذ أبي حيان؛ حيث نقل كلام ابن عطية، وعقب عليه قائلا: "وهذا الذي نقله عن سيبويه هو المشهور عند النحويين، ونظّر ذلك سيبويه بقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى
ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
فخفض (ولا سابق) عطفًا على (مدرك) الذي هو خبر (ليس), على توهم زيادة الباء فيه؛ لأنه قد كثر جر خبرها بالباء المزيدة، وهو عكس الآية الكريمة؛ لأنه في الآية جزم على توهم سقوط الفاء، وهنا خفض على توهم وجود الباء، ولكن الجامع توهُّم ما يقتضي جواز ذلك، ولكني لا أحب هذا اللفظ مستعملًا في القرآن، فلا يقال: جزم على التوهم لقبحه لفظا".
ثم ذكر تفرقة شيخه بين العطف على الموضع والعطف على التوهم، وقال: "مثال الأول: (هذا ضارب زيد وعمرًا)، فهذا من العطف على الموضع، فالعامل وهو (ضارب) موجود، وأثره وهو النصب مفقود.
ومثال الثاني ما نحن فيه، فإن العامل للجزم مفقود وأثره موجود، وأصرح منه بيت زهير، فإن الباء مفقودة وأثرها موجود، ولكن أثرها إنما ظهر في المعطوف لا في المعطوف عليه، وكذلك في الآية الكريمة".
وقد نسب ابن هشام في (مغني اللبيب) القول بالعطف على الموضع في قراءة جزم (أكن) إلى السيرافي والفارسي، ورده قائلا: "قال السيرافي والفارسي: هو -يعني الفعل أكن- عطف على محل (فأصدق) كقول الجميع في قول الأخوين: "مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ" بالجزم، ويرد أنهما يسلمان أن الجزم في نحو: (ائتني أكرمك)، بإضمار الشرط، فليست الفاء هنا وما بعدها في موضع جزم؛ لأن ما بعد الفاء منصوب بأن مضمرة، وأن والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم مما تقدم، فكيف تكون الفاء مع ذلك في موضع الجزم، وليس بين المفردين المتعاطفين شرط مقدر؟!" انتهى.
وأقول: الحق أن هذا الخلاف حقيقي؛ لأن العطف على المعنى فيه عطف فعل مجزوم على فعل مجزوم مقدر، وليس عطفًا على موضع فعل.
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
والألوسي يذهب إلى أن الجزم في الآية ليس من قبيل العطف على الموضع، ويقول: "لا موضع هنا في التحقيق، ومع ذلك يستظهر أن هذا الخلاف لفظي, وأن القائلين بالعطف على الموضع يريدون الموضع المتوهم, أي: المقدر، لكنهم فروا من قبح التعبير".
ثم ذكر تفرقة شيخه بين العطف على الموضع والعطف على التوهم، وقال: "مثال الأول: (هذا ضارب زيد وعمرًا)، فهذا من العطف على الموضع، فالعامل وهو (ضارب) موجود، وأثره وهو النصب مفقود.
ومثال الثاني ما نحن فيه، فإن العامل للجزم مفقود وأثره موجود، وأصرح منه بيت زهير، فإن الباء مفقودة وأثرها موجود، ولكن أثرها إنما ظهر في المعطوف لا في المعطوف عليه، وكذلك في الآية الكريمة".
وقد نسب ابن هشام في (مغني اللبيب) القول بالعطف على الموضع في قراءة جزم (أكن) إلى السيرافي والفارسي، ورده قائلا: "قال السيرافي والفارسي: هو -يعني الفعل أكن- عطف على محل (فأصدق) كقول الجميع في قول الأخوين: "مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ" بالجزم، ويرد أنهما يسلمان أن الجزم في نحو: (ائتني أكرمك)، بإضمار الشرط، فليست الفاء هنا وما بعدها في موضع جزم؛ لأن ما بعد الفاء منصوب بأن مضمرة، وأن والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متوهم مما تقدم، فكيف تكون الفاء مع ذلك في موضع الجزم، وليس بين المفردين المتعاطفين شرط مقدر؟!" انتهى.
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وبعد هذا التطواف بأقوال النحويين وآرائهم حول الآية نعود إلى علمائنا الثلاثة، فنلحظ أن الزمخشري نقل كلام سيبويه بالمعنى، وصار نقله عن سيبويه يحتمل القول بالعطف على الموضع, وبخاصة أنه حذف من كلام سيبويه قوله: (فعلى هذا توهموا هذا)، وقد تبين من كلام ابن عطية وأبي حيان والسمين أن سيبويه والخليل لا يذهبان إلى ذلك؛ بدليل أنهما يشبهان قراءة الجزم في الآية بجر (سابق) في بيت زهير، وهذا الجر بلا خلاف من قبيل العطف على المعنى أو التوهم، فهو ليس من قبيل العطف على اللفظ؛ لأن المعطوف عليه وهو (مدرك) ليس مجرورًا لفظًا, كما أنه ليس من قبيل العطف على موضع (مدرك)؛ لأنه منصوب لفظًا مع أنه خبر (لست), ولا يقال بالموضع إلا حيث يتعذر ظهور الإعراب الذي تستحقه الكلمة المعربة، ومثله البيت الذي زاده الزمخشري في نقله عن سيبويه والخليل، وهو قول عمرو بن معدي كرب:
دعني فأذهب جانبًا
يومًا وأكفك جانبًا
فإن الفعل المجزوم (أكفك) لا يصح أن يقال: إنه معطوف لفظًا على (أذهب)؛ لأن هذا منصوب، ولا يصح أن يقال: إن (أذهب) في موضع جزم، و(أكفك) معطوف عليه؛ إذ لا يوجد جازم تسلط على الأول, ولم يظهر عليه الجزم حتى يقال: هو في موضع جزم، وإذا لم يصح هذا ولا هذا كان من قبيل العطف على توهم أنه قال: (إن تدعني أذهب جانبا وأكفك جانبا) حيث كان (دعني فأذهب) في موضع (دعني أذهب).
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وإذا تأملنا في كلام ابن الحاجب نجد أنه ساير الزمخشري في نقله وفهمه، وخرج الآية على أنها من قبيل العطف على الموضع، وقول ابن الحاجب عن الآية: "إن موضع الجزم فيها محقق؛ لأنك لو جعلت موضع (فأصدق) فعلًا لكان مجزومًا" معناه: أنك لو قلت: (لولا أخرتني أصدق) لجزم الفعل بعد التمني بـ لولا أو التحضيض بها، وهذا الفعل المجزوم جازمه غير موجود في ظاهر الكلام، فمن أين تحقق موضع الجزم فيه أو في المقترن بالفاء, وقد علم مما تقدم أن شرط العطف على الموضع أو المحل أن يكون الطالب للمحل موجودًا؟! وكيف يكون موضع (فأصدق) جزما وهو في تأويل مصدر معطوف بالفاء كما بينه ابن هشام؟!
وإذا تأملنا في كلام ابن يعيش, نجد أنه حاول أن يساير الزمخشري في نقله وفهمه، ولم يتعرض لتوجيه الآية، وذكر ما خلاصته أنه يصح أن تقول: (لولا تعطيني أساعد زيدًا) بجزم (أساعد)؛ لأنه وقع في جواب التحضيض بـ لولا، وجزمه بتقدير حرف الشرط، ويصح أن تقول: (لولا تعطيني فأساعد زيدًا) فتأتي بالفاء وتنصب الفعل بعدها، وإذا عطف على ما بعد الفاء فعلٌ آخر جاز فيه النصب بالعطف نحو: (لولا تعطيني فأساعد زيدا, وأنفق عليه) ويجوز فيه الجزم بالعطف على موضع الفاء على تقدير سقوطها نحو: (لولا تعطيني فأساعد زيدًا, وأنفق عليه)، وفي هذا مغالطة من جهة أن تقدير سقوط الفاء في المثال لا يجعل الفعل في موضع جزم، وإنما يكون جزمه على أنه جواب شرط مقدر, ويكون جزمه في الظاهر لا في المحل أو الموضع.
...٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا
٢.٩ رأي العلماء في نوع العطف بجزم (أكن), في قوله تعالى: لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
وقد رجع إلى الصواب في هذا, عندما تناول بيت عمرو بن معدي كرب؛ حيث صرح أن الجزم فيه على المعنى، وكذلك في تناوله لبيت زهير عندما صرح بأن خفض (سابق) بالعطف على خبر (ليس) على توهم الباء؛ لأن الباء تدخل في خبر ليس كثيرًا، فلما كان خبرها مظنة الباء اعتقد وجودها فخفض المعطوف عليه’ وهو قوله: (ولا سابقٍ)، وإذا كان الأمر هكذا في البيت الذي نظّر به سيبويه والخليل للآية، فالأمر كذلك في الآية بالقياس.