١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
انتهى كلام ابن يعيش.
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
|
...صالحًا لأن يُبدَل من الشرط المجزوم قبله أو صالحًا أن يبدل منه المضارع الذي بعده، فيكون هو الجواب مجزومًا وما بعده بدل منه، وجعل مثال ما يصلح لأن يبدل مما قبله البيت (متى تأتنا تلمم بنا) إلى آخره، ومثل لما يصلح لأن يبدل منه ما بعده بنحو: (إن تأتني أحسن إليك أعطك).
|
 |
وعلى هذا يتعين الرفع عند عدم تحقق الشرط كما في المثال: (إن تأتني تسألني أعطك)، وأما المثال: (إن تأتني تمشي أمشِ معك) فيجوز فيه الرفع على الأصل ويجوز فيه الجزم بأن يقال: إن تأتني تمشِ أمشِ معك؛ لصلاحية إبدال المضارع المتوسط مما قبله؛ لكون المشي نوعًا من الإتيان.
|
 |
وابن يعيش يقسّم المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء دون حرف عطف قسمين:
|
ولما فرغ من التقسيم والتمثيل, خرّج بيت الحطيئة فجعله من القسم الأول, وجعل (تعشو) مرفوعًا في موضع الحال، والتقدير: متى تأته عاشيًا، ثم خرّج بيت (عبيد الله بن الحر) وجعله من القسم الثاني الذي يجوز فيه الجزم، على أن (تلمم) بدل من (تأتنا)، وقال في إجازة الرفع: "ولو رفع على الحال لجاز في العربية، لولا انكسار وزن البيت"، وقد فاته ما ذكره ابن الحاجب من أن المضارع المتوسط يجوز فيه الجزم أيضًا، إذا صلح ما بعده أن يبدل منه، كما في المثال: إن تأتني أحسن إليك أعطك دينارًا.
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
يجب فيه الرفع، وهو الذي ليس فيه معنى فعل الشرط، فلا يصح إبداله منه فيجزم, كما في المثال: (إن تأتنا تسألنا نعطك), و(إن يأتني زيد يضحك أكرمه), وهو في موقع الحال كما ذكر هو وابن الحاجب، والتقدير: إن تأتني سائلا وإن يأتني زيد ضاحكا، ثم يجيز ابن يعيش في هذا القسم الجزم على أن يكون من قبيل بدل الغلط، وبدل الغلط يأتي في الأفعال مثل بدل الكل، وأما البعض والاشتمال فلا يكونان بين فعلين، وجدير بالذكر أن بدل الغلط لا يكون في كلام الفصحاء.
يجوز فيه الرفع على الحال والجزم على البدل، وهو ما يكون فيه معنى فعل الشرط ويصح إبداله منه، كما في المثال: (إن تأتني تمشي أمشِ معك).
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
حكم الفعل المضارع المعطوف على جواب الشرط
 |
يقول الزمخشري: "وتقول: (إن تأتني آتك فأحدثك) بالجزم، ويجوز الرفع على الابتداء، وكذلك الواو وثم، قال الله تعالى: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ)) وقرئ: "ويذرْهم"، وقال: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)) [محمد: ٣٨]، وقال: ((وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)) [آل عمران: ١١١]".
|
 |
ويقول ابن الحاجب معلقًا على كلامه هذا: "فصلٌ: قوله: (وتقول: إن تأتني آتك فأحدثك) بالجزم إلى آخره، قال الشيخ: ذكر في هذا الفصل ما وقع بعد حروف العطف مجزومًا على العطف ومقطوعًا, جريًا على ما ذكره في المنصوب؛ حيث ذكر بعد تلك الأفعال المنصوبة حروف العطف، فكذلك فعل ههنا, فيجوز هنا ما جاز هناك، فإن جزمت في هذه المسألة فعلى العطف، وإن قطعت فعلى الاستئناف، وإذا استأنفت الجملة كان لك في تقديرها وجهان:
|
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
أن تجعلها مشتركًا بينها وبين الإتيان في المسببية، كما في معنى المجزوم، إلا أنك أتيت بأحد المسببين بالفعل الصريح فجزمته, وأتيت في الثاني بما مقصودك به الجملة المستقلة لا العطف على مجرد الفعل، فكان مثل قولك: (إن تأتني أكرمك وما أسيء إليك).
أن تجعله مقطوعًا عن المسببية, وإنما أتيت به مخبرًا بوقوعه بعد الإتيان على معنى التعقيب لا على معنى أنه مسبب، فهذان وجهان مستقيمان, فأجرهما فيما أتى مثله.
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
 |
قوله: (وكذلك الواو وثم), قال الشيخ: يعني في جواز الجزم والرفع، ثم مثّل بقوله تعالى: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ)) [الأعراف: ١٨٦] وقد قرئ جزمًا ورفعًا، فالجزم عطفًا على موضع ((فَلَا هَادِيَ لَهُ)), ويصح العطف على الموضع إذا قصد، كما يصح على اللفظ، فيكون التشريك بينهما في المسببية، ومن قرأ (ويذرُهم) بالرفع كان على وجهين؛ أحدهما: أن يقصد إلى عطف الجملة بما هي جملة لا باعتبار عطف مجرد الفعل على موضع الجزم المتقدم، فعلى ذلك يكونان أيضًا مشتركين في المسببية، ويجوز أن يكون إخبارًا بوقوع ذلك لا على تشريك بينه وبين ما قبله، كما ذكر في الفاء" انتهى.
|
 |
ويقول ابن يعيش معلقًا على كلام الزمخشري: "قال الشارح: اعلم أنك إذا عطفت فعلًا على الجواب المجزوم فلك فيه وجهان: الجزم بالعطف على المجزوم على إشراك الثاني مع الأول في الجواب، والرفع على القطع والاستئناف، وذلك قولك: (إن تأتني آتك فأحدثك) كأنه وعده إن أتاه فإنه يأتيه فيحدثه عقيبه، ويجوز الرفع بالقطع واستئناف ما بعده كما قال، يريد أن يعربه فيعجمه؛ أي: فهو يعجمه على كل حال.
|
 |
ومثله قوله تعالى: ((وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)) [البقرة: ٢٨٤] قرئ (فيغفر) جزمًا ورفعًا على ما تقدم، ولا فرق في ذلك بين الفاء والواو وثم من حروف العطف، حكم الجميع واحد في ذلك، وأما قوله تعالى: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ)) فقد قرئ (ويذرهم) جزمًا ورفعًا, فالجزم بالعطف على الجزاء وهو ((فَلَا هَادِيَ لَهُ))؛ لأن...
|
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
|
...موضعه جزم، والمراد بالموضع أنه لو كان الجواب فعلًا لكان مجزومًا، والرفع على القطع والاستئناف على معنى: (وهو يذرهم في طغيانهم), فعطف هنا بالواو كما عطف في الآية قبلها بالفاء.
|
 |
وأما قوله تعالى: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)), وقوله: ((وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)) ففيهما شاهدٌ على العطف بـ "ثم" كما عطف بالفاء، إلا أنه جُزم في الأولى ورفع في الثانية، وكلٌّ جائز صحيح وحكم الجميع واحد إلا الفاء، فإنه قد أجاز بعضهم فيه النصب، وقرأ الزعفراني: "يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ" وقد استضعفه سيبويه؛ لأنه موجب فصار من قبيل: (وألحق بالحجاز فأستريحَ), والذي حسنه قليلًا كونه معطوفًا على الجزاء, والجزاء لا يجب إلا بوجوب الشرط، وقد يتحقق وقد لا يتحقق، فاعرفه" انتهى كلام ابن يعيش.
|
 |
وأقول: حديث العلماء الثلاثة في هذا الموضع يتناول حكم الفعل المضارع المعطوف على جواب الشرط، وهذا الفعل يجوز فيه ثلاثة أوجه، أشار إليها ابن مالك في قوله في (الألفية):
|
|
والفعل من بعد الجزا إن يقترن |
بالفاء أو الواو بتسديس قمن |
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
 |
وقوله: بالفاء أو الواو، جرى فيه على مذهب البصريين, وهو أن الحكم في هذا الموضع يختص بالمضارع المعطوف بأحدهما، ولقد ألحق الكوفيون ثم بالفاء والواو.
|
 |
وبيان ذلك: أن المضارع إذا وقع بعد جزاء الشرط وكان مقترنًا بالفاء أو الواو, يجوز للمتكلم فيه ثلاثة أوجه:
|
الجزم باعتبار أنه معطوف على الجزاء، والجزاء مجزومٌ لفظًا أو محلًّا.
الرفع على أنه مستأنف.
النصب بأن مضمرة وجوبًا، وسوغ ذلك النصب أن الجزاء غير متحقق الوقوع, فيشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
 |
وابن الحاجب اقتصر على إجازة الوجهين أيضًا، وذكر أن الجزم على العطف والرفع على الاستئناف، ثم ذكر في تقدير الاستئناف وجهين:
|
أن يقصد بالمعطوف مشاركته للمعطوف عليه في المسببية، إلا أنه مقصود به الجملة لا صريح الفعل الذي يستحق الجزم.
ألا يقصد بالمعطوف مشاركته للمعطوف عليه في معنى المسببية, وإنما جيء به على سبيل الإخبار المستأنف. وقد أتبع هذا بتطبيقه على قوله تعالى: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)).
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
 |
وابن يعيش ذكر جواز وجهي الجزم والرفع في المعطوف على الجواب المجزوم، فالجزم على إشراك الثاني الأول في كونه جوابًا، والرفع على القطع والاستئناف، وأجاز الوجهين في المثال الذي ذكره الزمخشري وهو (إن تأتني آتك فأحدثك)، فيجوز فيه أيضًا (فأحدثك) بالرفع، وجعل الرفع في ذلك نظير رفع (يعجمه) في قول (الراجز):
يريد أن يعربه فيعجمه
|
 |
فهو مقطوع مما قبله ومستأنف، ومعناه: (فهو يعجمه على كل حال). ثم مثّل لجواز الوجهين أيضًا بالآية: ((وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ)) حيث قرئ (يغفر) بالرفع والجزم على ما سبق بيانه.
|
 |
ثم مشى على مذهب الكوفيين كالزمخشري وابن الحاجب في عدم التفرقة في هذا الحكم بين الواو والفاء وثم، وذكر أن حكم الجميع واحد، ثم تناول الآية: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ)) فذكر أن يذرهم قرئ بالجزم والرفع، وبين أن الجزم بالعطف على موضع ((فَلَا هَادِيَ لَهُ))؛ لأن موضعه جزم، بمعنى: أنه لو كان في موضعه فعل لكان مجزومًا، وأن الرفع على القطع والاستئناف بتقدير: وهو يذرهم في طغيانهم. كما ذكر الآيتين الأخيرتين فيما أورده الزمخشري، وهما الآيتان اللتان ورد فيهما العطف بـ "ثم", وذكر إن إحداهما شاهد على جزم المعطوف بـ "ثم"، والثانية شاهد على رفعه، وكلاهما جائز صحيح.
|
١.٩ تناول العلماء الثلاثة حكمين للمضارع, في باب المضارع المجزوم
 |
ثم ذكر جواز نصب المضارع المعطوف على الجواب بالفاء خاصة، واحتج له بقراءة ابن عباس والزعفراني: "يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبَ مَنْ يَشَاءُ"، وذكر أن سيبويه استضعف هذا النصب؛ لأن ما قبل الفعل موجب وشرط النصب بعد الفاء أن يتقدم على الفاء طلب محض، أو نفي محض، فهو يشبه النصب في قول من قال:
|
|
سأترك منزلي لبني تميم |
وألحق بالحجاز فأستريح |
 |
ثم ذكر أن الذي يحسن النصب قليلًا أنه معطوف على جواب الشرط، وهو لا يجب إلا بوجوب الشرط، فكان بمنزلة غير الموجب وهو الذي لم يتحقق ثبوته، وقد قال سيبويه في ذلك: "فإذا انقضى الكلام ثم جئت بـ "ثم", فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت، وكذلك الواو والفاء، قال الله تعالى: ((وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)), وقال تبارك وتعالى: ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ))، إلا أنه قد يجوز النصب بالفاء والواو، وبلغنا أن بعضهم قرأ: "يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبَ مَنْ يَشَاءُ".
|
 |
فقول سيبويه: قد يجوز النصب، "قد" فيه للتقليل؛ ولهذا قال السيرافي في شرحه للكتاب في هذا الموضع: وذكر سيبويه أن النصب ضعيف، ثم قال: وسبب ضعفه أن جواب الشرط خبر موجب.
|