٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


قال الزمخشري: "وإن لم تقصد الجزاء فرفعت، كان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه؛ إما صفة كقوله تعالى: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا, يَرِثُنِي)) [مريم: ٥، ٦] أو حالًا كقوله تعالى: ((وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)) [الأنعام: ١١٠]، أو قطعًا واستئنافًا كقولك: (لا تذهب به تغلب عليه) و(قم يدعوك) ومنه بيت الكتاب:
وقال رائدهم: أرسوا نزاولها
فكل حتف امرؤ يجري بمقدار
ومما يحتمل الأمرين -الحال والقطع- قولهم:
ذره يقول ذلك
ومره يحفرها
وقول الأخطل:
كروا إلى حرّتيكم تعمرونهما
كما تكرُّ إلى أوطانها البقر
وقوله تعالى: ((فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى)) [طه: ٧٧]" انتهى.

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


عقب ابن الحاجب على قوله:
"وإن لم تقصد الجزاء", فقال: يعني: بعد هذه الأشياء الخمسة؛ لأن وزانها في المجزوم وزان المنصوب بعد (حتى) وأخواته، فكان جائزًا أن يعدل به إلى جهة أخرى من الإعراب، وتلك الجهة الرفع على الصفة، إن كان قبله ما يصلح وصفًا له، أو على الحال إن كان كذلك، أو على الاستئناف، وقد يقدر الثلاثة وقد يقدر اثنان منها.
مثّل بقوله تعالى: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي)), فهذا يجوز فيه الجزم على الجواب، والرفع على الصفة والاستئناف، وبقوله تعالى: ((ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)) [الأنعام: ٩١] وهذا ظاهرٌ في الحال؛ لأن المعنى: ذرهم على هذه الحال التي هم عليها، ولا يبعد أن يكون استئنافًا إخبارًا بلعبهم على جهة الاستئناف، ومثّل بالقطع بقوله: (لا تذهب به تُغلب عليه) وهو ما لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأن الجزم لا يستقيم، إذ يصير المعنى: فإنك إلا تذهب به تغلب عليه، وهو عكس المعنى، فيصير مثل: (لا تدن من الأسد يأكلك)، والرفع على الحال غير مستقيم؛ إذ يصير المعنى: لا تذهب به في حال كونك مغلوبًا عليه، والغرض الإخبار بالغلبة بعد الذهاب، لا النهي عن الذهاب في حال الغلبة.
فإن قلت: اجعله حالا مقدرة، فهو أيضًا ضعيف من جهة أن الغرض الإخبار بأنك تُغلب عليه إذا ذهبت به، وإذا جعلته حالًا، كان نهيًا عن الذهاب في حال كونك مقدرًا غلبتك، وهما معنيان مختلفان.

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


ثم قال: قوله: (قم يدعوك), قال الشيخ: أيضًا الوجه الرفع على القطع؛ لأن المراد بذكر (يدعوك) تعليل الأمر بالقيام، فلا يحسن جعله مجزومًا لئلا ينعكس المعنى، إذ يصير القيام سببًا للدعاء وهو عكس المعنى، ولا يستقيم أن يكون حالًا لئلا يفوت معنى التعليل المذكور، فتعين القطع ليحصل المعنى المراد، ومنه بيت الكتاب:
........ أرسوا نزاولها
................
والكلام فيه كالكلام في (قم يدعوك)؛ إذ الغرض تعليل الأمر بالإرساء والمزاولة للخمر، فلا يحسن جزمه ولا جعله حالًا كما تقدم.
قوله:
ذره يقول ذلك
ومره يحفرها
وقال الشيخ: يجوز الأمران، والحال أظهر في: "ذره يقول ذلك"؛ إذ المعنى: ذره على هذه الحال، والقطع أظهر في: "ومره يحفرها"؛ لأن المعنى لا يقوى إذا كان التقدير (مره حافرًا لها)، إلا على تأويل التقدير، والجزم في هذين المثالين ظاهر.

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


وقول الأخطل:
كروا إلى حرّتيكم تعمرونهما
...................
يجوز فيه الجزم، على أن يكون الكرّ سببًا للعمارة، ويجوز القطع على أن يكون المخبر به مستأنفًا بعد الأمر بالكرّ، وعلى أن تكون حالًا مقدرة، كما في: مره يحفرها, وقوله تعالى:((فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا)) يجوز أن يكون مجزومًا على الجواب، وعلى أن تكون (لا) ناهية، ويجوز أن يكون مرفوعًا على الحال من المضمر ((فَاضْرِبْ)) وعلى الاستئناف.
قال ابن يعيش، شارحًا كلام الزمخشري في هذا الموضع: "قال الشارح: يريد أن هذه الأشياء التي تجزم على الجواب في الأمر والنهي وأخواتهما، إذا لم تَقصد الجواب والجزاء رَفعت، والرفع على أحد ثلاثة أشياء: إما الصفة إن كان قبله ما يصح وصفه به، وإما حالًا إن كان قبله معرفة، وإما على القطع والاستئناف.
مثال الأول: قولك: (أعطني درهما أنفقه) إذا لم تقصد الجزاء رفعت على الصفة، ومنه قوله تعالى: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي)) فقرئ بالجزم والرفع، فالجزم على الجواب والرفع على الصفة، أي: هب لي من لدنك وليا وارثا، والرفع هنا أحسن من الجزم، وذلك من جهة المعنى والإعراب؛ فأما المعنى فلأنه إذا رفع فقد سأل وليًا وارثًا؛ لأن من الأولياء من لا يرث، وإذا...

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


...جزم كان المعنى: إن وهبته لي ورثني، فكيف يخبر الله سبحانه بما هو أعلم به منه؟ ومثله قوله تعالى: ((رِدْءًا يُصَدِّقُنِي)) [القصص: ٣٤] بالرفع والجزم.
مثال الثاني: (خلِّ زيدًا يمزح) أي: مازحًا؛ لأنه لا يصلح أن يكون وصفًا لما قبله لكونه معرفة والفعل نكرة، ومثله قوله تعالى: ((ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)) فهو حال من المفعول في ((ذَرْهُمْ)), ولا يكون حالًا من المضمر في ((خَوْضِهِمْ))؛ لأنه مضاف والحال لا يكون من المضاف إليه.
مثال الثالث: أن يكون مقطوعًا عما قبله مستأنفًا كقولك: (لا تذهب به تغلب عليه), وذلك أن الجزم ههنا على الجواب، لا يصح لفساد المعنى؛ إذ يصير التقدير: إلا تذهب به تغلب عليه، فيصير عدم الذهاب به سبب الغلب عليه، وليس المعنى عليه، فكان مستأنفًا، كأنك أخبرت أنه ممن يغلب عليه على كل حال، وكذلك: (قم يدعوك) أي: إنه يدعوك، فأمرته بالقيام وأخبرته أنه يدعوه البتة، ولم ترد الجواب على أنه إن قام دعاه، وأما بيت الكتاب وهو:
وقال رائدهم: أرسوا نزاولها
فكل حتف امرئ يقضى بمقدار

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


البيت للأخطل, والشاهد فيه رفع "نزاولها" على القطع والاستئناف، ولو أمكنه الجزم على الجواب لجاز، يصف شربًا ذهب رائدهم في طلب الخمر فظفر بها، فقال لهم: أرسوا؛ أي: انزلوا نشربها. نزاولها؛ أي: نخاتل صاحبها عنها:
فكل حتف امرئ يقضى بمقدار
.............................
أي: الموت لا بد منه، فلنحصل على لذة النفس قبل الموت.
قال: ومما يحتمل الأمرين -الحال والقطع: ذره يقول ذاك؛ يجوز الرفع في (يقول) على الحال، أي: ذره قائلًا، ويجوز أن يكون مستأنفًا كأنه قال: ذره فإنه ممن يقول ذاك.
وأما قولهم: مره يحفرها، فيجوز فيه الجزم والرفع، فالجزم من وجه واحد، وهو الجواب كأنه قال: إن أمرته يحفرها، وأما الرفع فعلى ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون (يحفرها) على معنى: فإنه ممن يحفرها، كما كان في (لا تدن من الأسد يأكلك).
الثاني: أن يكون على الحال، كأنه قال: (مره في حال حفرها)، ولو كان اسمًا لظهر النصب فيه، فكنت تقول: (مره حافرًا لها).

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


الثالث أقلها: وذلك أن تريد: مره أن يحفرها، فتحذف (أنْ) وترفع الفعل؛ لأن عامله لا يضمر، وقد أجاز بعض الكوفيين النصب على تقدير (أن)، وعليه قوله:
ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟
والجزم أظهر. ومنه قول الأخطل:
كروا إلى حرّتيكم تعمرونهما
كما تكرُّ إلى أوطانها البقر
والشاهد فيه رفع (تعمرونهما) إما على الاستئناف وقطعه عما قبله، وإما على الحال، كأنه قال: (عامرين) أي: مقدرين ذلك وصائرين إليه، ولو أمكنه الجزم على الجواب لجاز، (الحرة): أرض ذات حجارة سود، وكأنه يعيرهم بنزولهم في الحرة لحصانتها، وهي حرة بني سليم، وثناها بحرة أخرى تجاورها.
أما قوله تعالى: ((فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى)), فيجوز أن يكون رفع (لَا تَخَافُ، وَلَا تَخْشَى) على الحال من الفاعل في ((اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ)) غير خائفٍ دركًا ولا خاشيًا، ويقوي رفع ((لَا تَخَافُ)) إجماع القراء على...

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


...رفع ((وَلَا تَخْشَى)) وهو معطوف على الأول، ويجوز أن يكون رفعه على القطع والاستئناف، أي: أنت لا تخاف دركًا، ويجوز أن يكون صفة لطريق، والتقدير: لا تخاف فيه دركًا، ثم حذف حرف الجر فوصل الفعل فنصب الضمير الذي كان مجرورًا، ثم حذف المفعول اتساعًا، كقوله تعالى: ((وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ)) [لقمان: ٣٣] والتقدير: لا يجزي فيه، ومن جزم ((لَا تَخَافُ)) جعله جوابًا لقوله ((واضْرِبْ لَهُمْ)) على تقدير: إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك، ويرفع ((تَخْشَى)) على القطع -أي: وأنت غير خاشٍ- فاعرفه" انتهى.
أقول: حديث العلماء الثلاثة في هذا الموضع، حول المضارع الواقع بعد الطلب عند عدم قصد الجزاء، بألا يقصد كونه مترتبًا على الطلب ومسبَّبًا عنه، وقد بين الزمخشري أن المضارع يرفع في تلك الحالة, وأن رفعه على ثلاثة أوجه، وهي: كونه في موقع الصفة، وكونه في موقع الحال، وكونه مستأنفًا مقطوعًا مما قبله، كما بين أن بعض الأمثلة يحتمل فيها المضارع أكثر من وجه، ومثّل للمضارع الذي يحتمل كونه حالًا وكونه مستأنفًا بنحو: ذره يقول ذاك، ومره يحفرها. وذكر له شاهدًا من الشعر وشاهدًا من القران الكريم.
في تعقيب ابن الحاجب على كلامه, بيّن أن الرفع جائز في المضارع بعد الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، إذا لم يقصد فيه معنى الجزاء، وأنه جاز أن يعدل به إلى جهة أخرى غير الجزم؛ لأنه بمنزلة المنصوب بعد (حتى) وأخواتها، وفي ذلك إشارة منه إلى أنه قد يكون هذا المضارع منصوبًا تاليًا لـ (فاء) السببية، ثم سقطت (الفاء) ولكن لم يقصد به الجزاء، فزال منه...

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


...معنى الترتب والمسببية الذي يقتضي له الجزم.
ثم بين أنه إذا لم يجزم عُدل به إلى الرفع على الصفة، إن كان قبله ما يصلح وصفًا له، أو الرفع على الحال إن كان قبله يصلح لذلك، أو الرفع على الاستئناف، وأنه قد يصلح في الرفع لهذه الأوجه الثلاثة أو الوجهين منها. ثم تناول ما ذكره الزمخشري من الأمثلة والشواهد، ببيان الأوجه التي تخرّج عليها، وسيأتي بيان ذلك.
كذلك بين ابن يعيش أن رفع المضارع بعد هذه الأشياء، يكون على الصفة، إن كان قبله ما يصح وصفه به، أو على الحال إن كان قبله معرفة، أو على القطع والاستئناف.
وتناول الأمثلة والشواهد التي ذكرها الزمخشري بالبيان والتوضيح، وزاد عليها مثالين، يُرفع في أحدهما على الصفة وفي الآخر على الحال، وهما: (أعطني درهما أنفقه) و(خلِّ زيدًا يمزح)، وشاهدًا من القرآن يرفع فيه على الصفة وهو قوله تعالى: ((فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي)) [القصص: ٣٤], وذكر في هذا الشاهد أن المضارع يجوز فيه الرفع والجزم، فالجزم على قصد الجزاء، والرفع على عدم قصده، وكل منهما قراءة سبعية، فقد قرأها عاصم وحمزة بالرفع وقرأ الباقون بالجزم, وفيما يلي ما ذكره الزمخشري من الأمثلة والشواهد، مع توضيحها بما ورد عند ابن الحاجب وابن يعيش:

٢.٨ حديث العلماء الثلاثة حول المضارع الواقع بعد الطلب, عند عدم قصد الجزاء


شواهد القرآن الكريم
استشهد الزمخشري بقوله تعالى: ((فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي)) على أن المضارع ((يَرِثُنِي)) مرفوع؛ لأنه لم يقصد فيه الجزاء، وأنه في موقع الصفة، وذكر ابن الحاجب أنه يجوز فيه الجزم على الجواب والرفع على الصفة والاستئناف، وذكر ابن يعيش أنه قُرئ بالجزم والرفع، فالجزم على الجواب والرفع على الصفة، والمعنى في الرفع: هب لي من لدنك وليًا وارثًا، وذكر أن الرفع فيه أحسن من الجزم في المعنى والإعراب، وكل من الجزم والرفع كما ذكر علماء القراءات قراءة سبعية، فالجزم قراءة أبي عمرو والكسائي, والرفع قراءة باقي السبعة.