...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


قال الزمخشري: "وحق المضمر أن يكون من جنس المظهر، فلا يجوز أن تقول: (لا تدنُ من الأسد يأكلك) بالجزم؛ لأن النفي لا يدل على الإثبات؛ ولذلك امتنع الإضمار في النفي، فلم يقل: (ما تأتينا تحدثنا) ولكنك ترفع على القطع، كأنك قلت: (لا تدن منه فإنه يأكلك)، وإن أدخلت (الفاء) ونصبت فحسن".
قد علق ابن الحاجب على أول كلامه هذا فقال: "قال الشيخ: يعني أن الشرط المقدر، إنما يكون من جنس الفعل المصرح به في الإثبات والنفي والغرض؛ ولذلك امتنع مسألة (لا تدنُ من الأسد يأكلك) إذا قدرنا فعل الشرط من جنس المظهر؛ وجب أن يكون نفيًا، فيكون التقدير: (أنك إن لا تدن منه يأكلك)؛ لأن الأول نفي، وإذا قدر كذلك فسد المعنى؛ إذ انتفاء الدنو ليس سببًا للأكل في العادة".
وعلق على قوله: "ولذلك امتنع الإضمار في النفي، فلم يقل: (ما تأتينا تحدثنا)" فقال: "قال الشيخ: وهذا الكلام غير مستقيم؛ فإنه لم يمتنع الإضمار في النفي، لِما ذكره من تعذر تقدير النفي في المسألة، التي فرضها من قولك: (ما تأتينا تحدثنا)، فإنه لو كان كذلك لجاز (ما تأتينا تجهل أمرنا) لصحة تقدير النفي، أو لكان الجواب بعد النهي ممتنعًا لامتناع (لا تدن من الأسد يأكلك)؛ لتعذر تقدير النفي في هذه المسألة، وليس امتناع التقدير في المسألة؛ لأنه يفسد المعنى فيها بذلك التقدير الذي يمنع أصل الباب مع استقامة المعنى، فيجب التعليل بما ذكرنا آنفًا من فوات معنى الطلب من النفي؛ لأنه خبرٌ محض، فكان كالإثبات، وقد تقدم الكلام على النصب بالفاء عقيبه، وأجري به مجرى الطلب.

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


وقد أجاز الكسائي (لا تدن من الأسد يأكلك) وشبهه, وحجته: أنه يقدر فيه الإثبات؛ نظرًا إلى قوة المعنى، فجعل القرينة المعنوية حاكمة على القرينة اللفظية، فجوّز الجزم على معنى أن الدنو سبب له لا نفيه، وإذا ثبت ذلك في كلام العرب، فلا بعد فيه".
قال ابن يعيش في شرح ذلك: "قال الشارح: اعلم أن المعنى إذا كان مرادًا لم يجز حذف الحرف الدال عليه؛ لأنه يكون إخلالًا بالمقصود، اللهم إلا أن يكون ثم ما يدل على المعنى، أو على اللفظ الموضوع بإزاء ذلك المعنى، فيحصل العلم بالمعنى ضرورة العلم بلفظه، وههنا إنما ساغ حرف الشرط وأداته؛ لتقدم ما يدل عليه من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، فيلزم أن يكون المضمر من جنس الظاهر؛ إذ لو خالفه لما دل عليه.
فإذا كان الظاهر موجبًا كان المضمر موجبًا، وإذا كان نفيًا كان المضمر مثله، والأمر كالموجب من حيث كان طلب إيجاب، والنهي كالنفي من حيث كان طلب نفي؛ فلذلك كان حكم الأمر كحكم الموجب، فكما يكون الموجب بأداة وبغير أداة نحو: (إن زيدًا قائم) و(زيد قائم)، كذلك يكون الأمر بأداة وبغير أداة، نحو: (ليقم زيد) و(قم يا زيد)، وكما لا يكون النفي إلا بأداة، كان النهي كذلك نحو: (لا تقم).
فإذا كان الظاهر أمرًا كان المضمر فعلًا موجبًا، وذلك إذا قلت: (أكرمني أكرمك), كان التقدير: إن تكرمني أكرمك، وإذا قلت: (لا تعصِ الله يدخلك الجنة) كان المعنى: إن لا تعصِ الله يدخلك الجنة.

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


قال النحويون: إنه لا يجوز أن تقول: (لا تدن من الأسد يأكلك) بالجزم؛ لأن التقدير عندهم أن يعاد لفظ الأمر والنهي، فيجعل شرطًا جوابه ما ذكر بعد الأمر والنهي، فيصير التقدير: إن لا تدن من الأسد يأكلك، وهذا محال، قال: ولذلك امتنع (ما تأتينا تحدثنا) بالجزم، يشير إلى أن المانع من جواز الجزم مع النفي من حيث امتنع مع النهي؛ لأنه يصير التقدير: ما تأتينا إلا تأتنا تحدثنا، وذلك محال، وليس الأمر على ما ظن؛ لأن النهي يجوز في موضع ويمتنع في آخر، ألا ترى أنك إذا قلت: (لا تعصِ الله يدخلك الجنة) كان صحيحًا؛ لأن التقدير (إلا تعصه) وهذا كلام سديد، ولو قلت: (لا تعصِ الله يدخلك النار) كان محالًا؛ لأن عدم المعصية لا يوجب النار، وأنت في طرف النفي لا تجوز الجواب بالجزم بحال، فعلم أن العلة المانعة في طرف النفي، غير العلة المانعة في طرف النهي.
وإنما لم يجز الجواب مع النفي بالجزم؛ لأنه ليس فيه معنى الشرط، إذ كان النفي فيه يقع على القطع، نحو قولك: (ما يقوم زيد) فقد قطع بأنه ليس يقوم، بخلاف الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، فليس فيه قطع بوقوع الفعل، فمن هنا تضمن معنى الشرط.
قال: ولكنك ترفع على القطع، يريد: إذا رفعت الفعل في جواب النهي؛ جاز على الاستئناف، لا على أنه جواب، كأنك قلت: (لا تدن من الأسد، إنه مما يأكلك، فاحذره) ومثله: (لا تذهب به، تُغلب عليه), الجزم فاسد والرفع جيد، فإن جئت بـ(الفاء)...

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


...ونصبت كان حسنًا؛ لأن الجواب بـ(الفاء) مع النصب تقديره تقدير العطف، فكأنه قال: (لا يكن منك دنو فأكل)، وكذلك الرفع فاعرفه" انتهى.
أقول: المسألة هنا مبنية على أن المضارع المجزوم بعد الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض، جوابٌ لشرط مقدر يدل عليه الطلب، فيقدر قبله حرف شرط وفعل شرط، كما في نحو: (زرني أكرمك)، فإنه يقدر فيه: (إن تزرني أكرمك)، وكما في نحو: (لا تهمل دروسك تنجح)، فإنه يقدر فيه: (إن لا تهمل دروسك تنجح) وهكذا.
كلام العلماء الثلاثة يدور حول هذا الشرط المقدر وفعله, وأثره فيما يقبل من الكلام وما لا يقبل؛ فالزمخشري يقرر أن الشرط المضمر -أي المقدر- مع أداته لا بد أن يكون من جنس الطلب إثباتًا ونفيًا كما في المثالين، فإن كان المعنى مستقيمًا صح جزم الفعل المضارع، وإن كان المعنى فاسدًا وجب رفع المضارع على القطع، كما في نحو: (لا تهمل دروسك ترسب)، فهذا لا يجوز فيه الجزم؛ لأننا إذا قدرنا الشرط من جنس فعل النهي وقلنا: (إن لا تهمل دروسك ترسب) كان المعنى فاسدًا، ومثله (لا تدنُ من الأسد يأكلك)، فإنه لا يجوز فيه جزم (يأكلك)؛ لأن المعنى فاسد بتقدير: (إن لا تدن من الأسد يأكلك) فيجب رفع (يأكلك)، ومعنى الرفع على القطع أنه يكون كلامًا مستأنفًا على تقدير مبتدأ، والمعنى: هو يأكلك إن دنوت منه، وكذلك في المثال الثاني يكون المعنى: أنت ترسب إن أهملت دروسك.

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


قول الزمخشري: لأن النفي لا يدل على الإثبات، فيه إشارة إلى اشتراط غيره من النحويين لجزم المضارع أن يقصد الجزاء، أي: ترتب معنى المضارع المجزوم وتسببه عما يدل عليه الطلب، و(أكل الأسد) للإنسان في المثال إنما يترتب على الإثبات وهو (دنوّه منه) لا على (انتفاء دنوه)، والطلب في المثال فيه نفيٌ للدنو من جهة نهي المخاطب عنه، وهذا النفي لا يدل على الإثبات وهو (الدنو) الذي يترتب عليه (الأكل)؛ فلهذا كان المعنى فاسدًا عند جزم المضارع، وكان سبيله القطع والاستئناف.
وقوله: ولذلك امتنع الإضمار في النفي، فلم يُقل: (ما تأتينا تحدثنا) معناه: أن الجزم امتنع في المضارع (تحدثنا) في المثال؛ لأن الحديث مثبت يترتب على مثبت وهو المجيء، و(ما تأتينا) نفي لا يدل على إثبات؛ فلهذا امتنع الجزم في (تحدثنا) بإضمار شرط وفعل الشرط من جنس ما تقدم؛ لأن المعنى يكون فاسدًا لو قيل: (إن لا تأتنا تحدثنا).
ابن الحاجب لا يوافق الزمخشري على تعليل منع الجزم في المضارع بعد النفي، بكون النفي لا يدل على الإثبات، ويرى أن امتناعه من جهة أن الفعل المنفي داخل في الخبر وليس من جملة الطلب، الذي لا يكون إلا لغرض ويدل على تسبب، وفيه معنى الشرط والجزاء؛ ولهذا قال في موضع سبق: ولذلك امتنع الجزم بعد النفي، فلم يقل: (ما تأتينا تجهل أمرنا) لا للتعليل الذي يذكره في الفصل الذي يأتي، ووصف كلامه في هذا الموضع بأنه غير مستقيم.

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


قول الزمخشري عن المثال: (لا تدن من الأسد يأكلك)، وإن أدخلت (الفاء) فنصبت فحسن، معناه: أنه يصح أن يقال: (لا تدن من الأسد فيأكلك) بنصب المضارع بـ(أن) مضمرة وجوبًا بعد (فاء) السببية المسبوقة بالنهي، والنحويون يقررون أن (الفاء) الواقعة بعد غير النفي، إذا سقطت وقُصد الجزاء؛ جُزم المضارع المنصوب الذي يليها، وفي ذلك يقول ابن مالك:
وبعد غير النفي جزمًا اعتمد
إن تسقط الفا والجزاء قد قصد
ويشترطون لجزمه بعد النهي شرطًا آخر كما سبق بيانه، وهو صحة وقوع (إنْ لا) في موضع النهي، بأن تضع موضع النهي شرطًا مقرونًا بـ(لا) النافية مع صحة المعنى، وفي هذا يقول ابن مالك:
وشرط جزم بعد نهي أن تضع
(إن) قبل (لا) دون تخالف يقع
فالجزم يمتنع في نحو: (لا تدنُ من الأسد يأكلك)؛ لأنه يقدر له شرطٌ وفعل شرط من جنس فعل النهي، فيكون المعنى فاسدًا، والنصب بعد الفاء لا يقدّر له شيء ولا يفسد معه المعنى؛ ولهذا حسن.
وكلام ابن الحاجب في هذا الموضع لا يخرج عما ذكره الزمخشري، وإنما اتجه إلى تفسير كون المضمر من جنس المُظهر، وفسر المضمر بالشرط المقدر قبل الفعل المجزوم، وفسر المظهر بالفعل المصرح به، أي: الوارد في الأمر والنهي...

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


... والاستفهام والعرض والتمني، وفسر كون الشرط المقدر من جنس الفعل المصرح به، بأنه في الإثبات والنفي والغرض، فيدخل في الإثبات الأمر وما كان مثله كالعرض، ويدخل في النفي النهي لكون الترك شبيها به، ويدخل في الغرض ما عدا ذلك من أنواع الطلب.
ثم تحدث ابن الحاجب عن إجازة الكسائي نحو: (لا تدن من الأسد يأكلْك)، وبين حجته في تلك الإجازة، وهو أنه يجعل القرينة المعنوية حاكمة على القرينة اللفظية؛ فلهذا يقدر فعل الشرط مثبتًا، والتقدير عنده: إن تدنُ من الأسد يأكلك، وقد تقدم أن ابن عصفور ينسب تلك الإجازة إلى جميع الكوفيين، وأنهم استدلوا على مذهبهم بالسماع والقياس، وأن البصريين ردوا على استدلالهم بأمرين.
ابن يعيش في شرحه لهذا الموضع ذكر قاعدة للحذف، خلاصتها: أنه لا يجوز حذف شيء من الكلام، إلا إذا وُجد دليل عليه، ورتب على هذه القاعدة تسويغ حذف أداة الشرط وفعل الشرط؛ لتقدم ما يدل عليهما من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، وضرورة أن يكون المضمر من جنس الظاهر؛ لأنه إذا خالفه لم يكن دالًّا عليه، فإذا كان الظاهر موجبًا -أي غير منفي- كان المضمر مثله، وإذا كان منفيًّا كان المضمر مثله.
ثم بين أن حكم الأمر كحكم الموجب، من حيث كان طلب إيجاب، وأن النهي كالنفي من حيث كان طلب ترك، فإذا كان...

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


...الظاهر أمرًا، كان المضمر فعلًا موجبًا، كما في (أكرمني أكرمك), والتقدير: إن تكرمني أكرمك، وإذا كان الظاهر نهيًا، كان المضمر فعلًا منفيًّا، كما في: (لا تعص الله يدخلك الجنة) والتقدير: إن لا تعصِ الله يدخلك الجنة.
ثم عبر عن ذلك بصيغة أخرى، وهي أنه يعاد لفظ الأمر والنهي، فيجعل شرطًا جوابه ما ذكر بعد الأمر والنهي؛ ولهذا امتنع الجزم في نحو: (لا تدن من الأسد يأكلك)؛ لأن المضمر هنا يكون فعلًا منفيًّا، فيكون المعنى معه فاسدًا.
كما اعترض ابن الحاجب على الزمخشري، في تعليله لمنع الجزم مع النفي، اعترض عليه ابن يعيش أيضًا، بقوله: وليس الأمر على ما ظن، وبين أن العلة المانعة في طرف النفي غير العلة المانعة في طرف النهي، وأن الجزم لم يجز مع النفي؛ لأنه ليس فيه معنى الشرط؛ لأن النفي يقع على القطع، بخلاف النهي فإنه ليس فيه قطع بوقوع الفعل، فمن هنا تضمن معنى الشرط.
ثم بين أن المعنى مع النهي، تارة يكون صحيحًا مع الجزم وتارة يكون فاسدًا، وكأنه يشير إلى قصد الجزاء وترتب شيء على شيء، وأن المجزوم إذا صح ترتّبه وتسببه عن المقدر من جنس الظاهر، كان الكلام صحيح المعنى، وإذا لم يصح ترتبه وتسببه عن المقدر، كان الكلام فاسد المعنى، كما إذا قيل: (لا تعصِ الله يدخلك الجنة), فهذا كلامٌ صحيح المعنى، لصحة تقدير: (إن لا تعصِ الله يدخلك الجنة)، فإذا قيل: (لا تعصِ الله يدخلك النار) بالجزم، كان كلامًا فاسد المعنى؛ لعدم صحة تقدير: (إلا تعص الله يدخلك النار).

...١.٨ شرح ابن الحاجب وابن يعيش لكلام الزمخشري, في مسائل متعلقة


قول ابن يعيش: لأن الجواب بـ(الفاء) مع النصب تقديره تقدير العطف، فكأنه قال: (لا يكن منك دنو، فأكل) وكذلك الرفع، أراد به التفرقة بين جزم المضارع إذا ترتب عليه فساد المعنى مع النهي، وبين رفعه أو نصبه بعد (الفاء)، من جهة أن الكلام مع الجزم إذا قيل: (لا تدنُ من الأسد يأكلْك) فاسد رديء، وأنه مع الرفع إذا قيل: (لا تدنُ من الأسد يأكلُك) جيد مقبول، من جهة أنه يكون على القطع والاستئناف، وأنه مع (الفاء) والنصب إذا قيل: (لا تدنُ من الأسد فيأكلك) جيد مقبول أيضًا، من جهة أنه من قبيل عطف المصدر المؤول من (أن والفعل) بعد (الفاء) على مصدر متصيد مما قبلها، والتقدير: لا يكن منك دنو من الأسد، فيترتب عليه ويعقبه أكل منه لك، وليس في هذا ولا في الرفع فساد في المعنى.