...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
قال الزمخشري: "ويُجزم بـ (إن) مضمرة إذا وقع جوابًا لأمر أو نهي أو استفهام أو تمنٍّ أو عرضٍ، نحو قولك: (أكرمني أكرمْكَ، ولا تفعل يكن خيرًا لك، وألا تأتيني أحدّثك، وأين بيتك أزرْك، وألا ماء أشربه، وليته عندنا يحدّثنا، وألا تنزل تصب خيرًا) وجواز إضمارها لدلالة هذه الأشياء عليها، فقال الخليل: إن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن)؛ فلذلك انجزم الجواب" انتهى.
|
 |
قد بدأ ابن الحاجب شرحه لهذا الموضع، بتعليل جزم المضارع بعد هذه الأشياء الخمسة فقال: "إنما جاز ذلك؛ لأن هذه الأشياء الخمسة متضمّنة معنى الطلب، والطلب لا يكون إلا لغرض، فقد تضمّنت في المعنى أنها سبب لمسبَّب، فإذا ذكر المسبَّب علم أنها هي السبب، وهذا معنى الشرط والجزاء.
ولذلك قال الخليل: إن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إنْ)؛ نظرًا إلى المعنى المذكور هذا، بخلاف الخبر؛ فإن الخبر لا يلزم أن يكون لغرض آخر خارجٍ عنه، بخلاف الطلب، فإنه لا يكون إلا لغرض خارج عنه، وإلا كان عبثًا، ومن ثم لم يُقل: (أكرمني زيدا فأكرمه) ولذلك امتنع الجزم بعد النفي، فلم يُقل: (ما تأتينا تجهل أمرنا)، لا للتعليل الذي يذكره في الفصل الذي يأتي" انتهى كلامه. وقد اكتفى بهذا التعليل في شرحه لكلام الزمخشري.
|
 |
أما ابن يعيش, فقد شرحه شرحًا وافيًا حيث قال: "قال الشارح: اعلم أن الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض يكون جوابها مجزومًا. عند النحويين: أن جزمه بتقدير المجازاة, وأن جواب الأمر والأشياء التي ذكرناها معه هو جواب الشرط المحذوف في الحقيقة؛...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
...لأن هذه الأشياء غير مفتقرة إلى الجواب والكلام بها تامّ، ألا ترى أنك اذا أمرت فإنما تطلب من المأمور فعلًا وكذلك النهي، وهذا لا يقتضي جوابًا؛ لأنك لا تريد وقوف وجود غيره على وجوده؟ ولكن متى أتيت بجوابٍ كان على هذا الطريق:
|
|
 |
فإذا قلت في الأمر: (ايتني أكرمك، وأحسن إلي أشكرك)، فتقديره بعد قولك (ايتني): إن تأتني أكرمك، كأنك ضمِنت الإكرام عند وجود الإتيان، ووعدت بإيجاد الإكرام عند وجود الإتيان، وليس ذلك ضمانًا مطلقًا ولا وعدًا واجبًا، إنما معناه: إن لم يوجد لم يجب، وهذه طريقة الشرط والجزاء.
|
|
 |
والنهي قولك: (لا تزر زيدًا يُهِنك) على تقدير: (إن لا تزره يهنك)؛ ولذلك قال النحويون: إنه لا يجوز أن تقول: (لا تدنُ من الأسد يأكلك)؛ لأن تقدير (لا تدنُ من الأسد): (إن لا تدنو من الأسد يأكلك), وهذا محال؛ لأن تباعده لا يكون سببًا لأكله؛ لأنه يعاد لفظ الأمر والنهي ويُجعل شرطًا وجوابه ما ذكر بعد الأمر والنهي، وإذا قلنا: (أكرم زيدًا يكرمك) فالذي تضمره من الشرط (إن تكرم زيدا)، ولو قلت: (لا تدنُ من الأسد يأكلك) بالرفع جاز؛ لأن معناه: يأكلك إن دنوت منه، وكذلك لو قلت: (لا تدنُ من الأسد فيأكلك) بالفاء والنصب؛ لأنه يكون تقديره: (لا يكن دنو فأكل).
|
|
 |
والاستفهام: (أين بيتك أزرك) كأنه قال: (أين بيتك، إن أعلم مكان بيتك أزرك)، وتقول: (أتيتنا الأمس نعطك اليوم) معناه: أتيتنا أمس، إن كنت أتيتنا أمس أعطيناك اليوم. وإن كان قولك: (أتيتنا أمس) تقريرًا ولم يكن استفهامًا -لم يجز الجزم؛ لأنه اذا...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
 |
وأما التمني فقولك: (ليت زيدًا عندنا يحدثنا) فـ "يحدثنا" جُزم لأنه جواب، والتقدير: إن يكن عندنا، ومنه قولهم: (ألا ماء أشربه؟) فهذا أيضًا معناه التمني، هي (لا) النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وقد عملت في النكرة فأحدث دخولها معنى التمني، فـ (لا) مع ما بعدها في موضع نصب بما دل عليه (ألا) من معنى التمني، وقال أبو العباس المبرد: هو على ما كان، ويُحكم على موضعه بالرفع على الابتداء.
وثمرة الخلاف تظهر في الصفة، فتقول على مذهب سيبويه: (ألا ماء باردًا) بنصب الصفة؛ لأن موضعها نصب، وأبو العباس يرفع النعت ويقول (ألا ماء باردٌ)، وإذا كان قد حدث بدخول همزة الاستفهام معنى التمني، جاز أن يُجاب بالجزم، فيقال: (أشربه)، كما لو صرحت بالتمني وقلت: (ليت لي ماءً أشربه).
|
|
 |
وأما العرض فقولك: (ألا تنزل عندنا تصب خيرًا)، فقولك: (ألا تنزل) هو العرض، يقول الرجل للآخر: (ألا تفعل كذا وكذا) يعرضه عليه، (وتصب خيرًا) جوابه، وهو داخلٌ في جواب الاستفهام، إلا أنه لمّا كان القصد فيه إلى العرض، وإن كان لفظه استفهامًا سمّاه عرضًا، وتقديره: (إن تنزل عندنا تصب خيرًا).
وهذه الأشياء إنما أضمر حرف الشرط بعدها؛ لأنها تغني عن ذكره وتكتفي بذكرها عن ذكره؛ إذ كانت غير واجبة، وصار الثاني مضمون الوجود إذا وجد الأول؛ فلذلك قال الخليل: هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن)؛ ولذلك انجزم الجواب" انتهى.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
أقول: يتناول العلماء الثلاثة في هذه الجزئية: جزم الفعل المضارع في جواب الطلب، الذي يكون أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو تمنيًا أو عرضًا، كما مثل لذلك الزمخشري وابن يعيش، وقد مشى العلماء الثلاثة على أن الفعل المضارع مع هذه الأشياء مجزومٌ بشرط مقدّر هو (إنْ) مضمرة، وعلل الزمخشري جواز إضمارها معها بأنها تدل عليها، واستشهد بقول الخليل: إن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إنْ).
|
 |
عندما تناول ابن الحاجب كلام الزمخشري أراد أن يوضّح تعليله، فذكر أن هذه الأشياء الخمسة تضمّنت كونها سببًا لمسبَّب؛ لأن الطلب لا يكون إلا لغرض، فإذا ذكر المسبب بعدها عُلم أنها هي السبب, وذلك هو معنى الشرط والجزاء، فهو ترتب شيء على شيء، وتسبب شيء عن شيء، ففي نحو: (أكرمني أكرمك) يطلب المتكلم من المخاطب أمرا يتسبب عنه ويترتب عليه المضارع المجزوم، وكذلك في سائر الأشياء الخمسة، حيث يتسبب المضارع المجزوم عن ترك الفعل المسبوق بـ "لا" الناهية، وعن فعل الشيء المسبوق بأداة العرض، وعن الإعلام بالشيء المسبوق بالاستفهام، وعن تحقق الشيء المسبوق بالتمني، وبهذا التعليل فسّر قول الخليل: إن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن)، أي: فيها معنى التسبب في شيء يترتب عليها ويتسبب عنها.
ثم قرر أن الخبر لو كان في مكان هذه الأشياء، لم يُجزم المضارع بعده؛ لأن الخبر لا يلزم أن يكون لغرض آخر خارج عنه؛ ولهذا لم يرد (أكرمني زيد أكرمه)، وامتنع الجزم بعد النفي فلم يرد (ما تأتينا تجهل أمرنا)؛ لأنه من قبيل الخبر.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
ابن يعيش سار في شرحه لهذا الموضع على ما سار عليه الزمخشري، من كون المضارع في جواب هذه الأشياء مجزومًا جوابًا لشرط مقدر، على ما وضحه في كلامه، وفسر بذلك قول الخليل كما فعل الزمخشري وابن الحاجب.
وقد فُسِّر قول الخليل المذكور بتفسير مغاير, ذكره سيبويه في (الكتاب) حيث قال: "إذا قال: (ايتني آتك) فإن معنى كلامه: إن يكن منك إتيان آتك. وإذا قال: (أين بيتك أزرك) فكأنه قال: إن أعلم مكان بيتك أزرك؛ لأن قوله: (أين بيتك) يريد به: أعلمني، وإذا قال: (ليته عندنا يحدثنا) فإن معنى هذا الكلام: إن يكن عندنا يحدثنا. وهو يريدها هنا إذا تمنى ما أراد في الأمر، وإذا قال: (لو نزلت) فكأنه قال: (انزل)" انتهى.
وفسر النحويون كلامه هذا، بأن الطلب تضمن معنى حرف الشرط، كما أن اسم الشرط تضمن معنى (إنْ)؛ فلذلك جزم جوابه.
|
 |
الذي مشى عليه الزمخشري وابن يعيش، من إضمار حرف الشرط وكون المضارع جوابًا له بعد الأشياء الخمسة المذكورة؛ هو مذهب السيرافي، وتبعه عليه كثير من المتأخرين، فهو يرى أن المضارع المجزوم في ذلك، مجزوم بشرط مقدر هو وفعله بعد الطلب؛ لدلالة الطلب عليهما، يقول السيرافي: "جزم جواب الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، بإضمار شرط في ذلك كله، والدليل على ذلك: أن الأفعال التي تظهر بعد هذه الأشياء، إنما هي ضمانات يضمنها ويعد بها الآمر والناهي، وليست بضمانات مطلقة ولا عدات واجبة على كل حال، وإنما هي معلقة، بمعنى إن كان ووجد؛ وجب الضمان والعدة، وإن لم يوجد لم يجب، ألا ترى أنه إذا قال: (آتني...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
...آتك)لم يلزم الآمر أن يأتي المأمور إلا بعد أن يأتيه المأمور، ولفظ الأمر والاستفهام لا يدل على هذا المعنى والذي يكشفه الشرط, فوجب تقديره بعد هذه الأشياء" انتهى.
|
|
 |
هذا القول اعترضه ابن مالك بقوله تعالى: ((قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاة)) [إبراهيم: ٣١]؛ لأن تقدير أداة الشرط وفعل الشرط: (إن تقل لهم يقيموا الصلاة) فيلزمه ألا يتخلف أحد من المقول لهم عن الامتثال، مع أن التخلف حاصلٌ وواقع.
|
|
 |
أجيب عن هذا الاعتراض بأنه مبنيّ على أن بين الشرط والجزاء ملازمة عقلية، وذلك ممنوع؛ إذ يكفي للشرط في كونه شرطًا توقف الجزاء عليه، وإن كان متوقفًا على أشياء أخرى، كما في نحو قولهم: (إن توضأت صحت صلاتك) فإن صحة الصلاة لا تتوقف على الوضوء وحده.
|
|
 |
ذكر ابن الناظم أن الآية تحتمل أن يكون الحكم مسندًا إلى الذين آمنوا على سبيل الإجمال، ليس إلى كل فرد، فيكون الأصل: (يقم أكثرهم) ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فارتفع الفعل واتصل بالفعل، كما تحتمل ألا يكون المراد بالعباد في قوله: ((قُلْ لِعِبَادِيَ)) مطلق المؤمنين، بل المراد: المخلصون منهم، وكل مخلص يقول له الرسول -صلى الله عليه وسلم- أقم الصلاة؛ يقيمها.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
القول بأن الفعل المضارع جُزم في جواب الطلب لتضمنه معنى حرف الشرط، وجّه إليه المتأخرون أربعة اعتراضات:
|
|
 |
الأول: أنه يستلزم كون العامل جملة، ولا يوجد عامل جملة.
|
|
 |
الثاني: أن تضمن الفعل معنى الحرف، إما أنه غير واقع أو غير كثير، بخلاف تضمن الاسم معنى الحرف.
|
|
 |
الثالث: أن حرف الشرط لا بد له من فعل الشرط، ولا يجوز أن يكون فعل الشرط هو فعل الطلب بنفسه؛ لأنه لا يصلح لمباشرة أداة الشرط، ولا يجوز أن يكون فعل الطلب متضمنًا لفعل الشرط؛ لأن في ذلك زيادة مخالفة الأصل؛ لأن تضمنه لحرف الشرط مخالف للأصل، فكيف يتضمن فعل الشرط معه، ولا يجوز أن يقدر فعل الشرط بعد فعل الطلب؛ لعدم ظهور حرف الشرط، وإنما يجوز تقديره إذا جاز إظهاره مع حرف الشرط، وحرف الشرط هنا لا يصح إظهاره لتضمن الطلب معناه.
|
|
 |
الرابع: أنه يترتب عليه كون الشيء الواحد متضمنًا لمعنيين متناقضين, طلبٍ وغير طلب؛ وذلك لأن في تضمين (زرني) معنى (إن تزرني) تضمين معنيين، معنى (إن) ومعنى (تزرني)، ولا يوجد في لسان العرب تضمين معنيين، كما أن معنى (إن تزرني) معنى غير طلبي، وإذا تضمنه فعل الطلب، كان الشيء الواحد طلبًا وغير طلب.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
في توجيه جزم هذا المضارع قولان آخران ضعيفان، وقول لسيبويه لم يتنبه إليه النحويون:
|
|
 |
القول الأول: وهو قول أبي علي الفارسي: أنه جزم بعد الطلب؛ لنيابته مناب شرط محذوف.
فقال في الإيضاح: وقد يحذف الشرط في مواضع، فلا يؤتى به لدلالة ما ذكر عليه، وتلك المواضع: الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض، تقول: (أكرمني أكرمك)، والتأويل: أكرمني؛ فإنك إن تكرمني أكرمك. وهذا القول قال به ابن عصفور، وجعل الجزم هنا نظير النصب في نحو: (ضربًا زيدًا) من جهة أن زيدًا منصوب بـ "ضربًا"؛ لنيابته عن اضرب، لا لتضمنه معناه، فعامل الجزم هنا مذكور وهو فعل الطلب النائب عن الشرط المحذوف.
وقد اعترض على هذا القول بثلاثة اعتراضات:
|
|
|
 |
الأول: أن نائب الشيء يؤدي معناه، والطلب لا يؤدي معنى الشرط؛ إذ لا تعليق في الطلب بخلاف الشرط.
|
|
|
 |
الثاني: أنه يستلزم كون العامل جملة، وذلك لا نظير له.
|
|
|
 |
الثالث: أن الأرجح في نحو: (ضربًا زيدًا) أن زيدا منصوب بالفعل المحذوف وليس بالمصدر؛ لعدم حلوله محل فعل مقرون بحرف مصدري.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
 |
القول الثاني: أنه مجزوم بلام أمر مقدرة، ففي نحو: (ألا تنزل عندنا تصب خيرًا) يكون التقدير: لتصب خيرًا، وذكر الأشموني أن هذا القول ضعيف؛ لأنه لا يستقيم من جهة المعنى في كل موضع، إلا بتجوز وتكلف في بعض المواضع، ففي نحو: (زرني أكرمك) وهو المضارع المجزوم في جواب الطلب والمسند إلى المتكلم، إذا قدر: (لأكرمك) ففيه تجوز؛ لأن أمر المتكلم نفسه مبني على التجوز بتنزيل نفسه منزلة الأجنبي، وفيه تكلف؛ لأن دخول لام الطلب على فعل المتكلم قليل.
|
|
 |
قول سيبويه: فهو أنه جُزم المضارع في جواب الطلب؛ لشبهه بجواب الشرط، من جهة تعلقه بالأول وهو الطلب، وكونه غير مستغنٍ عنه، كما أن جواب الشرط يتعلق بالشرط ولا يستغني عنه، فهو يقول في (الكتاب): "وإنما انجزم هذا الجواب، كما انجزم جواب (إن تأتني) بـ (إن تأتني)؛ لأنهم جعلوه معلقًا بالأول غير مستغنٍ عنه إذا أرادوا الجزاء، كما أن (إن تأتني) غير مستغنية عن (آتك)، فالجزم في (أكرمك) من نحو: (زرني أكرمك)؛ لكونه أشبه جواب الشرط شبهًا معنويًّا، وفي اللغة العربية أحكام كثيرة ثبتت بالمشابهة".
|
 |
قد فسر القول فيها ابن هشام، في القاعدة الأولى من الباب الثامن من كتاب (المغني)، وربما كان تعليل ابن الحاجب للجزم قريبًا مما قاله سيبويه؛ لأنه علل الجزم بكونه مسببًا عن الطلب.
وقول ابن يعيش في نحو: (ايتني أكرمك) كأنك ضمنت الإكرام عند وجود الإتيان، ووعدت بإيجاد الإكرام عند وجود الإتيان، وليس...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
...ذلك ضمانًا مطلقًا ولا وعدًا واجبًا، وإنما معناه: إن لم يوجد لم يجب، وهذه طريقة الشرط والجزاء، وفيه تأثر كبير بكلام السيرافي في هذا المجال.
وقوله في (لا تزر زيدا يهنك) إنه على تقدير: إن لا تزره يهنك، فيه إشارة إلى شرط يشترطه النحويون لجزم المضارع بعد النهي خاصة، وهو صحة وضع (إنْ) الشرطية قبل (لا) الناهية التي تتحول إلى نافية مع بقاء المعنى صحيحًا، وهذا الشرط اشترطه البصريون ووافقهم عليه الجمهور ومنهم ابن يعيش, وبه يدخل في أمثلة الجزم نحو: (لا تعصِ الله يدخلك الجنة)، و(لا تدنُ من الأسد تسلم)، و(لا تقترب من النار تنجُ), و(لا تهمل دروسك تنجح)؛ وذلك لصحة المعنى وعدم فساده إذا وضعت (إن) الشرطية قبل (لا)؛ حيث يقال: (إن لا تعص الله يدخلك الجنة)، و(إن لا تدنُ من الأسد تسلم), و(إن لا تقترب من النار تنجُ), و(إن لا تهمل دروسك تنجح).
وإذا اختل هذا الشرط لم يصح الجزم، فلا يجوز (لا تدنُ من الأسد يأكلك)؛ لأنه إذا وضعت (إن) الشرطية قبل (لا) فسد المعنى، فإذا قيل: (إن لا تدنُ من الأسد يأكلك) كان المعنى فاسدًا، وهكذا الشأن في نحو: (لا تقترب من النار تحترق)، و(لا تهمل دروسك ترسب) ويجب الرفع في ذلك كله.
|
 |
لم يشترط هذا الشرط الكسائي مخالفًا للجمهور، وفي (شرح الجمل) لابن عصفور أن الكوفيين قاطبة لا يشترطون هذا الشرط، وأنهم يجيزون نحو: (لا تعصِ الله تندم) ومثل ذلك نحو: (لا تدنُ من الأسد يأكلك)؛ لأن الأول على تقدير (إن تعص الله) والثاني على تقدير (إن تدنُ)؛ لأن المقام يقتضي هذا التقدير بحذف (لا).
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
 |
احتج هؤلاء على مذهبهم بالسماع والقياس:
|
|
|
 |
أما السماع فقول الصحابي للنبي -صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لا تشرف يصبك سهمٌ. وقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن مسجدنا؛ يؤذنا بريح الثوم)), وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا ترجعوا بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض)) فالأفعال "يصبك وتؤذنا ويضرب" مجزومة في جواب النهي، مع عدم صحة المعنى إن وضعت (إن) قبل (لا)، ولا يصح المعنى إلا بوضع (إن) دون (لا).
|
|
|
 |
وأما القياس فقياس الجزم على النصب؛ بأن الجزم في هذا الموضع فرعٌ عنه, وقد أجاز الجميع (لا تدنُ من الأسد فيأكلك) بنصب ما بعد الفاء، وإذا سقطت الفاء مع قصد الجزاء جُزم الفعل، ومثل ذلك قول الله عز وجل: ((لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ)) [طه: ٦١].
|
|
 |
قد رد البصريون استدلال الكوفيين بالسماع، بأن الجزم في (يشرف، ويؤذنا), بأن كلا منهما بدل اشتمال من فعل النهي، وليس جوابًا للنهي، والرواية المشهورة في الحديث ((يؤذينا)) بالياء، وبأن سكون الباء في ((يضرب بعضكم رقاب بعض)) للإدغام وليس للجزم، ويصح أن يكون للإبدال من فعل النهي، وردوا استدلالهم بالقياس؛ بأنه لو صح القياس على النصب لصح الجزم بعد النفي قياسًا له على النصب، ولا أحدَ يقول بذلك.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
|
 |
قول ابن يعيش: لو قلت: (لا تدن من الأسد يأكلك) بالرفع جاز؛ لأن معناه: (يأكلك إن دنوت منه), معناه: أن رفع يأكلك على أنه كلام مستأنس غير مرتبط بما قبله لفظًا، وإن كان مناسبًا له معنًى.
|
|
|
 |
وقوله: كذلك لو قلت: (لا تدنُ من الأسد فيأكلك) بالفاء والنصب لأنه يكون تقديره (لا يكن دنو فأكل), معناه: أن المضارع ينصب بأن مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية المسبوقة بالنهي، والمصدر المؤول من أنْ والمضارع يكون معطوفًا بالفاء على مصدر متأوّل من الكلام السابق على الفاء.
|
|
|
 |
وابن يعيش يفرق بين قصد الاستفهام وقصد التقرير في قول القائل: (أأتيتنا أمس نعطك اليوم؟), فالجزم في (نعطك) لا يكون إلا مع قصد الاستفهام؛ لأن المضارع يكون حينئذ مجزومًا في جواب الطلب، فإن قصد بالاستفهام التقرير لم يجز الجزم فيه.
|
|
|
 |
وقول ابن يعيش: لأنه إذا كان تقريرًا فقد وقع الإتيان، وإنما الجزاء في غير الواجب، فيه إشارة إلى ما عبّر عنه النحويون، بأنه يشترط للجزم في جواب الطلب أن يكون الطلب محضًا، أي: لا يحتمل وجوبًا أو تحققًا؛ ولهذا لم يقع جزم المضارع بعد النفي، كما صرّح به ابن الحاجب فيما تقدم، وإنما كان هذا الجزم واقعًا بعد الطلب دون النفي؛ لأن الطلب يشبه الشرط في أن كلًّا منهما غير متحقق، وفي كونه سببًا فيما بعده، وأما النفي فلا يجزم الفعل بعده؛ لأن مقتضاه تحقق...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
|
|
...عدم الوقوع، وعكسه وهو الإيجاب مقتضاه تحقق الوقوع، والتحقق في كليهما يبعدهما عن شبه الشرط، فلا يجزم الفعل بعدهما ولا يعامل معاملة جواب الشرط.
|
|
|
 |
هذا، وشرط الجزم بعد بقية أنواع الطلب غير النهي كالأمر والاستفهام صحة وضع "إن تفعل" قبل المضارع مع صحة المعنى، وعلى هذا يصح الجزم في نحو: (أسلم تدخل الجنة)، و(زرني أكرمك)، و(أين بيتك أزرك)؛ وذلك لصحة تقدير: إن تسلم تدخل الجنة، وإن تزرني أكرمك، وإن تعرفني مكان بيتك أزُرْك. ولا يصح الجزم في نحو: (أحسن إليّ لا أحسن إليك)؛ إذ لا يصح المعنى بتقدير: إن تحسن إلي لا أحسن إليك، وكذا في نحو: (أسلم يدخلك الله النار) لعدم صحة تقدير: إن تسلم يدخلك الله النار.
|
|
|
 |
وظاهر كلام ابن مالك في (التسهيل) أن الكسائي لا يشترط ذلك الشرط أيضًا، وأنه يجيز الجزم في هذين المثالين بتقدير (إن) داخلة على نفي؛ لأن المقام يقتضي ذلك، والتقدير: إن لا تحسن إليّ لا أحسن إليك، وإن لا تسلم يدخلك الله النار.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
الذي سار عليه ابن يعيش في توجيه جزم ((يَغْفِرْ لَكُمْ)) بأنه واقع في جواب الاستفهام بـ ((هَلْ)), في قوله تعالى: ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ)) [الصف ١٠-١٢] هو ما سار عليه سيبويه، حيث أورد الآية في الباب الذي عنوانه: هذا باب من الجزاء ينجزم فيه الفعل, إذا كان جوابًا لأمر أو نهيٍ أو استفهامٍ أو تمنٍّ أو عرضٍ، حيث قال فيه: "ومما جاء من هذا الباب في القرآن وغيره قوله عز وجل" وذكر الآية، وعلى ذلك سار السيرافي أيضا ونسب القول به إلى الفراء، فقال في شرحه للكتاب: "واختلفوا في جزم ((يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)) [الصف: ١٢] فقال الفراء: إنها جزمت بـ ((هَلْ)) في قراءتنا وفي قراءة عبد الله بن مسعود للأمر الظاهر، وتأويل ((هَلْ أَدُلُّكُمْ)) في معنى أمر أيضًا كقولك: (هل أنت ساكت) معناه: اسكت -والله أعلم. هذا كلام الفراء".
|
|
 |
بعد أن نقل كلام الزجاج في توجيه الجزم قال: "والأقوى عندي أنه جواب لـ ((هَلْ)) فالاعتماد في الجواب على ((هَلْ)) وهل في معنى الأمر؛ لأنه لم يكن القصد عن استفهامهم عن الدلالة على التجارة المنجية، هل يدلون عليها أو لا يدلون، وإنما المراد الأمر لهم والحث على ما ينجيهم" انتهى.
|
|
 |
ما سار عليه الزجاج في هذه الآية، اختاره جماعةٌ من المحققين منهم ابن مالك، يقول الأشموني في شرح قول ابن مالك:
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
|
والأمر إن كان بغير افعل فلا
تنصب جوابه وجزمه اقبلا
والأمر إن كان بغير افعل, بأن كان بلفظ الخبر أو باسم فعل أو باسم غيره، فلا تنصب جوابه مع الفاء كما تقدم، وجزمه اقبلا عند حذفها, قال في شرح (الكافية) بإجماع، وذلك نحو قوله تعالى: ((تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ)) ثم قال: فإن المعنى (آمنوا).
|
|
|
 |
قال المرادي في شرح البيت المذكور: إذا دُل على الأمر بخبرٍ بفعل ماضٍ أو مضارع أو باسم فعل أو باسم غيره؛ جاز جزم الجواب اتفاقًا، ثم استشهد بالآية المذكورة.
|
|
|
 |
قال الصبان: الجزم في جواب ((تُؤْمِنُونَ)) وَ((تُجَاهِدُونَ)) لأنهما بمعنى الأمر لا في جواب الاستفهام؛ لأن غفران الذنوب لا يتسبب عن الدلالة, بل عن الإيمان والجهاد، وقيل: الجزم في جوابه تنزيلًا للسبب منزلة المسبب, وهو الامتثال.
|
|
|
 |
كلام ابن يعيش في هذه الآية فيه تأثير كبير بكلام السيرافي، وهو رأيٌ وجيه، والمعنى عليه: تاجروا مع الله بالإيمان به وبرسوله وبالجهاد في سبيله، و((يَغْفِرْ لَكُمْ)) جواب للاستفهام الذي قُصد به الأمر، كما تبين من كلام الفراء والسيرافي، وكما تبين من تنظير ابن يعيش للآية بقوله تعالى: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)) [المائدة: ٩١].
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
|
|
وأما ما ذكره ابن يعيش في قول العرب: (ألا ماء أشربه) من أن (لا) فيه نافية، فمراده بذلك (لا) النافية للجنس، التي يُبنى المفرد بعدها على الفتح، ويكون في محل نصب؛ لأنها عاملة عمل (إنّ) ويكثر حذف خبرها إذا كان معلومًا؛ لأن تقدير الخبر هنا (موجود أو عندكم) ونحو ذلك, وإذا دخلت همزة الاستفهام عليها أحدثت فيها معنى التمني؛ ولهذا يجزم المضارع في جواب التمني كما في المثال.
والنحويون على أن (لا) النافية للجنس مع اسمها في موضع رفع، فإذا دخلت عليها همزة الاستفهام وصارت تدل على التمني؛ لم يتغير حكمها عمّا كان عليه قبل دخول الهمزة عند المبرد، فهما -أعني (لا) واسمها- في موضع رفع عنده، وعند سيبويه موضعهما نصب بفعل التمني الذي دل عليه (ألا).
|
|
 |
تظهر ثمرة الخلاف فيما لو وصف الاسم المفرد، فعلى مذهب المورج يكون الوصف مرفوعًا نحو: (ألا ماء باردٌ أشربه)، وعلى مذهب سيبويه يكون الوصف منصوبًا نحو: (ألا ماء باردًا أشربه) والفعل المضارع مجزومٌ في الحالتين؛ لكونه واقعًا في جواب التمني.
|
|
 |
قال صاحب (المفصل): "وما فيه معنى الأمر والنهي بمنزلتهما في ذلك، تقول: (اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا يثب عليه)، ومعناه: (ليتق الله وليفعل خيرًا)، و(حسبك ينم الناس)".
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
|
وعلق على قوله ابن الحاجب, قائلا: "لأن الجزم إنما كان لتضمنها معنى الطلب، فلا فرق بين أن يكون بصيغة الأمر أو بغيرها؛ لحصول المعنى المتضمن".
|
|
 |
قال ابن يعيش: "قال الشارح: قد تقدم من كلامنا أن الأمر والنهي قد يجابان بالجزم على تقدير إضمار حرف الشرط بعدهما؛ لما بينهما من المشاكلة، فكذلك ما كان في معنى الأمر والنهي إذا أجيب يكون مجزومًا؛ لأن العلة في جزم جواب الأمر، إنما كانت من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وإذا كان من جهة المعنى لزم في كل ما كان معناه معنى الأمر, فمن ذلك قولهم: (اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا، يثب عليه)؛ لأن المعنى: (ليتق الله وليفعل خيرًا)، وليس المراد الإخبار بأن إنسانًا قد اتقى الله، وإنما يقوله مثلًا الواعظ، حاثًّا على التقى والعمل الصالح، ويقدر بعده حرف الشرط كما كان يقدر بعد الأمر الصريح.
|
 |
الخبر قد يُستعمل بمعنى الأمر، نحو قوله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)) [البقرة: ٢٣٣] أي: ليرضعن، ومن ذلك قولهم في الدعاء: (رحمه الله) لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. ومن ذلك قولهم: (حسبك ينم الناس), معنى (حسبك) هنا الأمر، أي: (اكتفِ واقطع), ومثله (كفيك وشرعك) كلها بمعنى واحد، وكذلك (قدك) و(قطك) كلها بمعنى: (حسب)، وقولهم: (حسبك ينم الناس) كأن إنسانًا قد كان يكثر الكلام ليلًا ويصيح، بحيث يقلق من يسمعه، فقيل له ذلك، أي: اكتف واقطع من هذا الحديث، فإن تفعل ينم الناس ولا يسهروا، و(حسبك) هنا مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف لعلم المخاطب به؛ وذلك أنه لا يقال شيء من ذلك إلا لمن كان...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
...في أمر قد بلغ منه مبلغًا فيه كفاية، فيقال له هذا؛ ليكف ويكتفي بما قد علمه المخاطب، وتقدير الخبر: حسبك هذا، أو حسبك ما قد علمته، ونحو ذلك فاعرفه" انتهى كلام ابن يعيش.
|
 |
أقول: قد اكتفى ابن الحاجب هنا بالتعليل لتنزيل العرب ما فيه معنى الأمر والنهي، منزلة الأمر والنهي، من جهة استحقاق المضارع بعده للجزم، فذكر أن معنى الطلب هو الذي سوّغ جزم المضارع، فإذا حصل بغير لفظ الطلب جاز جزم الفعل؛ إذ لا فرق بين أن يكون بلفظ الفعل أو بغيره.
ومثل ذلك ما ذكره ابن يعيش من أن العلة في جزم جواب الأمر، إنما كانت من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، فمتى تحصّل معنى الطلب جاز الجزم، كما في قول العرب: (اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا، يثب عليه)، فإنه ليس من قبيل الإخبار، بل هو أمر بلفظ الخبر كما بينه. وقد استطرد في بيان مجيء الأمر بلفظ الخبر، فجاء بقوله تعالى: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)), فإن فيه أمرًا بإرضاع الأولاد بمعنى: ليرضعن، وجاء بقول العرب في الدعاء: (رحمه الله) فإنه بلفظ الخبر، لكن معناه الطلب من الأدنى للأعلى.
وما ذكره ابن يعيش في قولهم: (حسبك ينم الناس) من أن معناه الأمر، ومثله: (كفيك وشرعك)، ذكره سيبويه حيث قال: "هذا باب الحروف التي تنزّل بمنزلة الأمر والنهي؛ لأن فيها معنى الأمر والنهي، فمن تلك الحروف: (حسبك وكفيك وشرعك وأشباهها)، تقول: (حسبك ينم الناس) ومثل ذلك: (اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا، يثب عليه)؛ لأن فيه معنى (ليتق الله امرؤ وليفعل خيرًا) وكذلك ما أشبه هذا" انتهى.
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
 |
قال السيرافي في شرح هذا الموضع: أما قوله: (حسبك وكفيك وشرعك) فهي أسماء مبتدأة، وأخبارها محذوفة لعلم المخاطب بها، وذلك أنه لا يقال شيء من هذا الأمر إلا لمن كان في عمل قد بلغ فيه الكفاية، فيقال له هذا؛ ليكف ويكتفي بما قد عمله منه، وتقديره: حسبك هذا، وحسبك ما قد عملته، ونحوه، ومعناه كله معنى (اكتفِ)، قد حكى أبو عمرو (شرعك) منصوبًا إذا نهاه، وفيه معنى المرفوع؛ لأن المرفوع يراد به الكف عن الفعل وقطعه، و(ينم الناس) جواب؛ لأن معناه معنى الأمر وإن كان مبتدأ، وقوله: (اتقى الله امرؤ) وان كان لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر؛ لأن هذا يقوله الواعظ لمن يسمع كلامه, وليس قصده أن يخبر عن إنسان بأنه قد (اتقى الله)، ومثله: (غفر الله لزيد ورحمه) لفظه الخبر ومعناه الدعاء، وواضح جدا تأثر ابن يعيش، بما كتبه السيرافي في هذا الموضع.
|
 |
هذا، وقد قدر المرادي الخبر هنا بالسكوت، وذكر في إعراب (حسبك) قولين آخرين، فقال في (توضيح المسالك): "(حسبك) في قولك: (حسبك ينم الناس) مبتدأ وخبره محذوف أي: حسبك السكوت، وهو لا يظهر، والجملة متضمنة معنى (اكفف)، وزعم جماعة منهم ابن طاهر أنه مبتدأ بلا خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه، وقال بعضهم: لو قيل: إنه اسم فعل مبني، والكاف للخطاب، وضم لأنه كان معربًا، فحمل في البناء على قبل وبعد -لم يبعد" انتهى.
|
|
 |
(حسب) في هذا الاستعمال اسم جامد بمعنى: (كافٍ)، يرفع على الابتداء كما في المثال، وينصب اسما لـ (إن)، كما في قوله تعالى: ((فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ)) [الأنفال: ٦٢] ويجر بالحرف نحو: (بحسبك درهم)، وهذا الاستعمال دليل على أنها ليست اسم...
|
...٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع
٢.٧ شرح ابن الحاجب وابن يعيش, لما قال الزمخشري حول جزم المضارع في جواب الطلب
|
|
...فعل كما زعم بعضهم، فإن العوامل اللفظية نحو: (إن) و(الباء) لا تدخل على أسماء الأفعال باتفاق، ولا تدخل عليها العوامل المعنوية كالابتداء على الأصح.
|
|
 |
ما ورد في كلام ابن يعيش من قول العرب: (قدك) و(قطك) فهما كما قال بمعنى: حسبك، كما أن (قدني) و(قطني) بمعنى: حسبي، والعرب يستعملونهما بمعنى الأمر، قال ابن الشجري: تقول: (قدك من كذا وقطك) أي: اكتفِ، فتأمر بها كما تأمر بالفعل، و(قد) و(قط) اسمان جامدان مثل (حسب). وفي (اللسان): قال الجوهري: وأما قولهم: (قدك) بمعنى: حسبك، فهو اسم، وفيه أيضًا نقلًا عن الليث (قط) خفيفة بمعنى: حسب، تقول: (قطك الشيء) أي: حسبك، ومثله (قد).
|