١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


لم يرد فيما نقلته عن ابن الحاجب -فيما تقدم- شواهد من القرآن, أو الشعر العربي الفصيح، حيث اقتصر في شرحه على بعض الأمثلة، أما ابن يعيش فقد استشهد فيه بكثير من آيات القرآن الكريم ومن شواهد الشعر.
أبدأ فيما يلي بشواهد القرآن الكريم فأقول:
استشهد ابن يعيش بقوله تعالى: ((وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ)) [التوبة: ١٦] على أن ((لَمَّا)) بمنزلة لم، في جزمها للمضارع، والفعل ((يَعْلَمِ)) مجزوم بها، إلا أنه كسر آخره للتخلص من التقاء الميم الساكنة مع اللام الساكنة في لفظ الجلالة.
واستشهد بقوله تعالى: ((ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ)) [الحج: ٢٩] على أن لام الأمر تجزم فعل الغائب، فالفعل (يقضوا) مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف النون.
واستشهد بقوله تعالى: ((فَبِذَلِكَ فَلْتفْرَحُوا)) [يونس: ٥٨] في قراءة أبي، على أن لام الأمر ربما جاءت مع فعل المخاطب، فالفعل (تفرحوا) مجزومٌ بها، وعلامة جزمه حذف النون.
واستشهد بقوله تعالى: ((إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)) [محمد: ٧] على أن ((إِنْ)) الشرطية هي أم حروف الشرط، وأنها تجزم ظاهرة ومقدرة، وقد جزمت الفعلين في الآية.

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


واستشهد بقوله تعالى: ((وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا)) [الشورى: ٢٣] على أن َ((مَنْ)) من الأسماء التي تجزم فعلين، وأنها لمن يعقل من الثقلين والملائكة.
واستشهد بقوله تعالى: ((مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)) [فاطر: ٢] على أن ((مَا)) من الأسماء التي تجزم فعلين، وأنها لما لا يعقل، والفعل ((يَفْتَحِ)) في الآية فعل الشرط، وقد كسر آخره تخلصًا من التقاء الساكنين، وقوله تعالى ((فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)) هو جواب الشرط في محل جزم.
واستشهد بقوله تعالى: ((وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)) [البقرة: ١٩٧] على أن "مهما" مكونة من ((مَا)) كالتي في هذه الآية، وهي (ما) الشرطية الجازمة للفعلين، وقد زيدت عليها (ما) أخرى، فتركبت منهما -كما سبق بيانه.
واستشهد بقوله تعالى: ((فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا)) [مريم: ٢٦] على أن النون الساكنة من (إن)، تدغم في الميم من (ما)، فلفظ ((إِمَّا)) في الآية، مكون من (إن) الشرطية زيدت عليها (ما).
واستشهد بقوله تعالى: ((أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الإسراء: ١١٠] على أن الفعل في باب الجزاء، يجوز أن يتقدم معموله، فـ ((أَيًّا)) منصوب بـ ((تَدْعُوا)).

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


واستشهد بقوله تعالى: ((أَنَّى لَكِ هَذَا)) [آل عمران: ٣٧] على أن ((أَنَّى)) تأتي بمعنى من أين.
وبقوله تعالى: ((أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ)) [آل عمران: ٤٠], وقوله: ((أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ)) [آل عمران: ٤٧], وقوله: ((أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [المائدة: ٧٥] على أنها تأتي بمعنى كيف.
واستشهد بقوله تعالى: ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ)) [النساء: ٧٨] على أن الأكثر في (أين) التي تجزم الفعلين، أن ينضم إليها (ما).
واستشهد بقوله تعالى: ((وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [الأنبياء: ٣٨] على أن ((مَتَى)) اسم من أسماء الزمان، يُستفهم به عن جميع الأزمنة.
واستشهد بقوله تعالى: ((وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) [البقرة: ١٥٠] على أن ((حَيْثُمَا)) بمنزلة (أين) في الجزاء، فالفعل ((كُنْتُمْ)) هو فعل الشرط في موضع جزم، وقوله: ((فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ)) جواب الشرط في محل جزم.
وقد استشهد فيما تقدم بحديث واحد، وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوةٍ مخاطبًا الصحابة -رضوان الله عليهم: ((لتأخذوا مصافكم))، واستشهد به على أن لام الأمر ربما جاءت مع فعل المخاطب.

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


وفيما يلي عرضٌ لشواهد الشعر، التي استشهد بها مع بيان الشاهد:
استشهد بقول امرئ القيس:
........
وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ
على ضعف قول من يذهب إلى أن (مهما) مركبة من اسم الفعل (مَهْ) بمعنى اكفف، وضم إليه (ما)؛ لأن هذا القول يلزم عليه أن تكون (مهما) في كل موضع مفيدةً الأمر بالكف، ولا يظن بقائل البيت أنه أراد: وأنك اكففي ما تأمري القلب يفعل.
واستشهد بقول المتنخل الهذلي:
إذا سدته سدت مطواعة
ومهما وكلت إليه كفاه
على أن (مهما) فيها معنى اسم الشرط (ما)؛ فلذلك عاد إليها الضمير في (كفاه)، والضمير لا يعود إلا على الأسماء.

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


واستشهد بقول عمرو بن ملقط:
مهما لي الليلة, مهما ليه
أودى بنعليَّ وسرباليه
على أن الشاعر استفهم فيه بـ(مهما) كما يستفهم بـ(ما)، ومراده:
ما لي الليلة      .....
.................
وأن ذلك يؤيد ما ذهب إليه الخليل من أن (مهما) مركبة من (ما) التي هي اسم شرط, ضمت إليها (ما) الزائدة، وفي البيت (ما) التي هي اسم استفهام، ضمت إليها (ما) الزائدة.
واستشهد بقول لبيب:
فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها
كلا مركبيها تحت رجليك شاجر
على أن (أنى) يجازى بها وتجزم فعلين، وهما في البيت (تأتها) و(تلتبس), وأن معناها كيف.

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


واستشهد بقول ابن همام السلولي:
أين تصرف بنا العداة تجدنا
نصرف العيس نحوها للتلاقي
على أنه ليس بلازم للجزم بـ(أين) أن تنضم إليها (ما)، فقد جزمت (أين) في البيت فعلين هما (تصرف) وهو فعل الشرط، و(تجدنا) وهو جواب الشرط.
واستشهد بقول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقد
على أن (متى) في الزمان بمنزلة (أين) في المكان، ويستفهم بها، وتنقل من الاستفهام إلى المجازاة، فتجزم فعلين، فالفعل (تأته) مجزوم بها وهو فعل الشرط، والفعل (تجد) مجزوم بها وهو جواب الشرط.

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


واستشهد بقول طرفة:
متى تأتنا أصبحت كأسًا رويّة
وإن كنت عنها غانيًا, فاغنَ وازددِ
على أن (متى) يجازى بها كما تقدم في البيت السابق، وفعل الشرط هنا (تأتنا) وجواب الشرط (أصبحت).
واستشهد بقول العباس بن مرداس:
إذ ما أتيت على الرسول فقل له:
حقا عليك إذا اطمأن المجلس
على أن العرب جعلوا (إذ ما) بمنزلة (متى)، واستعملوها في الشرط والجزاء، فالفعل (أتيتَ) هو فعل الشرط، وجملة (فقل له) في محل جزم جواب الشرط.
واستشهد بقول عبد الله بن همّام السلولي:
إذ ما تريني اليوم أسجي مطيتي
أصعِّد سيرًا في البلاد فأفرع

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


على الجزم بـ(إذ ما)، وقد جُزم بها فعل الشرط (تريني)، وجواب الشرط مقترنٌ بالفاء في قوله بعد البيت:
فإني من قوم سواكم, وإنما
رجالي فَهمٌ بالحجاز وأشجع
و(أفرع) مضارع, وأفرع بمعنى صعد وارتفع، وفي البيت الأول من البيتين علة نقص غير لازمة، وهي علة الخرم، وهي حذف أول الوتد المجموع في صدر البيت، فقوله: (إذ ما) وزنه عُولٌ، والبيتان من بحر الطويل.
واستشهد بقول ذي الرمة:
تصغي إذا شدها للرحل جانحةً
حتى إذا ما استوى في غرزها تثبُ
على أن (إذا ما) يُجازى بها فتجزم، وهذا استشهادٌ في غير محله، فالبيت يُستشهد به على أن الأصل في (إذا) ألا يجزم بها، ولو اقترنت بها (ما)؛ ولهذا رفع الفعل المضارع (تثبُ) وإن كان جوابًا للشرط، وقد استشهد به ابن يعيش في معرض حديثه عن الجزم بـ(اذا ما)، والبيت لا جزم فيه، وقد استشهد به سيبويه على أن (إذا) تكون بمعنى الحين، ولا يجزم الفعل بعدها حينئذ؛ لأنها تدل على وقتٍ بعينه، وحرف الشرط مبنيٌّ على الإبهام في الأوقات وغيرها.

١.٧ عرض لشواهد ابن يعيش التي أوردها في باب المضارع المجزوم


واستشهد ابن يعيش بقول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها
خُطانا إلى أعدائنا فنضارب
على أنه ربما جُوزي بـ(إذا) من غير (ما)، وهو قليل لا يكون إلا في الشعر، والشاهد في البيت جزم (فنضارب) عطفًا على موضع (كان)؛ لأنها في محل جزم جواب (إذا)، التي أعملها عمل (إن) الشرطية لضرورة الشعر، والأصل في (نضارب) إسكان الباء، لكنها كُسِرت لمجاراة القوافي.
واستشهد بقول الفرزدق:
ترفع لي خندف والله يرفع لي
نارًا إذا خمدت نيرانهم تقدِ
على أن المجازاة بـ(إذا) من غير (ما) قليلةٌ مختصة بالشعر، والشاهد في البيت قوله: (تقد)، فإنه مجزوم على أنه جواب (إذا) في ضرورة الشعر، والأصل فيه إسكان الدال، كما تقول: لا تعُد، ولا تفد، إلا أن الدال هنا كسرت مجاراةً للقوافي ذات الرويّ المكسور.