...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


أولًا: دراسة للباب الثاني من الأبواب الثلاثة التي عقدها سيبويه للحديث عن "حتى"
باب "الرفع فيما اتصل بالأول كاتصاله بالفاء ومن انتصب؛ لأنه غاية" هذا هو الباب الثاني من الأبواب الثلاثة التي عقدها سيبويه للحديث عن حتى, حيث قال:
"تقول: "سرت حتى أدخلها" و"قد سرت حتى أدخلها" سواءً، وكذلك "إني سرت حتى أدخلها" فيما زعم الخليل، فإن جعلت الدخول في كل ذا غايةً نصبت".
يقول السيرافي في بداية شرحه في هذا الباب: "هذا الباب معتمده ذكر ما كان بعد حتى متصلًا بما قبله، وذلك من المرفوع ما كان متصلًا بما قبله، وقد أوجبه ما قبله، ومن المنصوب ما كان غايةً، وهما يتقاربان في اشتراكهما في اتصال ما قبلهما بما بعدهما".
ثم يقول: "وليست حتى المنصوب ما بعدها من الفعل هي المرفوع ما بعدها؛ لأن المرفوع ما بعدها ليست بعاملة، والمنصوب ما بعدها حرف خفضٍ".
ويفهم من هذا أن هذا الباب معقود لعبارات تصلح فيها الأفعال بعد حتى للرفع والنصب، ويختلف نوع حتى باختلاف إعراب الفعل بعدها، فهي في حال الرفع تكون حرف ابتداء لا ينصب المضارع بعده، ويكون المضارع بعدها مستأنفًا...

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


...مبتدئًا جملة أخرى، وفي حال النصب تكون حرف جرٍّ ينصب المضارع بعدها بأن مضمرة، ويكون الكلام جملة واحدة، وتكون حتى والمصدر المؤول المجرور بها في موضع نصب.
في ذلك يقول أبو علي الفارسي في (التعليقة): الفصل بين الرفع والنصب بعد حتى؛ أن الفعل إذا رُفع بعدها فالكلام جملتان، وإذا نُصب؛ فالكلام جملة واحدة، وكان موضع حتى وما تعمل فيه نصبًا، كما أن موضع "بزيد" بعد "مررت" موضع نصب؛ لأن قولك: سرت, جملة تامة، كما أن مررت, جملة تامة، بعدها منصوب، وإذا رفعت الفعل بعد حتى لم يكن لحتى موضع، كما أنك إذا قلت: ذهب زيد وقعد عمرو, لم يكن لذهب زيد ولا الجملة التي بعدها موضع، إنما هي جملة منقطعة من جملة.
على هذا, فالأمثلة التي ذكرها سيبويه، وهي: "سرت حتى أدخلها"، و"قد سرت حتى أدخلها"، و"إني سرت حتى أدخلها" يرفع المضارع فيها, باعتبار أنه مسبب عما قبل حتى، ومتصل به لكونه جاء عقبه بلا مهلة، كما يكون ما بعد الفاء التي للتعقيب متصلًا بما قبلها, بلا مهلة أو تراخٍ, وعلى هذا, تكون حتى في الأمثلة ابتدائية وما بعدها جملة مبتدأة، والكلام جملتان.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


ويجوز نصب المضارع في هذه الأمثلة إذا قدر المتكلم بها أن ما بعد حتى غاية لما قبلها، والتقدير: سرت إلى أن أدخلها، وتكون حتى فيها حرف جر، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبًا، والكلام جملة واحدة، وحتى والمصدر المؤول المجرور بها متعلقان بالفعل المتقدم عليها.
ثم يقول سيبويه: "وتقول: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى زيدًا سار حتى يدخلها، ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن المتكلم غير متيقن، فإنه يدخل عليه: سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري، ويدخل عليه: عبد الله سار حتى يدخلها أرى، فإن قال: فإني لم أعمل أرى، فهو يزعم أنه ينصب بأرى الفعل، وإن جعلت الدخول غاية؛ نصبت في ذا كله".
وأقول: ما ذكره سيبويه هنا من الأمثلة لا يختلف في حكمه عما تقدم من الأمثلة الثلاثة التي ذكرها في أول الباب, إلا أنه هنا يحكي توقف بعض النحويين في رفع الفعل بعد حتى, إذا قلت: أرى زيدًا سار حتى يدخلها، ويوجب النصب؛ وذلك لأن في العبارة ما يدل على الظن، وهو أرى.
ومن شروط رفع المضارع بعد حتى أن يكون مسببًا عما قبلها، وذلك يقتضي تحقق ما قبلها، وقد أبان سيبويه أن تقدم أو تأخر ما يدل على الظن في العبارة لا تأثير له ما دام الفعل المؤدي إلى ما بعد حتى لم يتقدم عليه ما يدل على انتفائه وعدم ثبوته، فزوال التيقن بفعلٍ يتقدم أو يتأخر لا يوجب النصب؛ لأن العرب رفعوا حيث لم يتيقنوا، كما تبين من الأمثلة التي ذكرها.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


ثم يقول سيبويه: "وتقول: كنت سرت حتى أدخلها، إذا لم تجعل الدخول غاية، وليس بين كنت سرت, وبين سرت مرةً في الزمان الأول حتى أدخلها شيء، وإنما ذا قول كان النحويون يقولونه ويأخذونه بوجهٍ ضعيف، يقولون: إذا لم يجز القلب فيه نصبنا، فيدخل عليهم: قد سرت حتى أدخلها، أن ينصبوا، وليس في الدنيا عربي يرفع: سرت حتى أدخلها, إلا وهو يرفع إذا قال: قد سرت". انتهى كلام سيبويه.
أقول: هذه عبارة توقف فيها بعض النحويين، ومنعوا فيها رفع ما بعد حتى، وهي قول بعضهم: كنت سرت حتى أدخلها، وحجتهم في ذلك: أنه لا يجوز فيها أو لا يحسن تأخير كنت إلى ما بعد الفعل المضارع، وقد رد عليهم سيبويه، وبين أنها كغيرها من الأمثلة السابقة, يجوز فيها الرفع والنصب باعتبار ما تقدم ذكره.
قد وضح السيرافي هذه المسألة, فقال في شرحه للكتاب: "وأما ما حكاه سيبويه عن بعض النحويين من اعتبار القلب، فهو ضعيف يخالف كلام العرب، ولا لاعتبار ذلك أصل يرجع إليه، هؤلاء القوم أجازوا: سرت حتى أدخلها، ولم يجيزوا: كنت سرت حتى أدخلها؛ لأنه لا يحسن: سرت حتى أدخلها كنت، كما يحسن: حتى أدخلها سرت.
احتج عليهم سيبويه بقول العرب: قد سرت حتى أدخلها، وهم لا يجيزون: سرت حتى أدخلها قد. ويقولون: ربما سرت حتى أدخلها، ولا يقولون: سرت حتى أدخلها ربما، واحتج عليهم أيضًا بأنه لا فرق بين قولنا: كنت سرت حتى أدخلها،...

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


...وبين: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، وهم يجيزون: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها؛ لأنه لا يحسن فيه القلب، لا تقول: سرت حتى أدخلها مرة في الزمان الأول".
قال أبو علي معلقًا على هذه المسألة: "من زعم أن الرفع لا يجوز في: كنت سرت حتى أدخلها؛ لأن القلب لا يجوز فيه، دخل عليه: قد سرت حتى أدخلها، ولزمه ألا يجيز في الفعل بعد حتى في قولك: قد سرت حتى أدخلها, إلا النصب؛ لأن القلب لا يجوز في هذه المسألة بإجماعٍ من العرب البتة, لا يجوز: سرت حتى أدخلها قد، فقد بان أن القلب في هذا ليس يكون النصب من أجله".
ثم يقول سيبويه: "وتقول: إنما سرت حتى أدخلها، وحتى أدخلها إن جعلت الدخول غاية، وكذلك: ما سرت إلا قليلًا حتى أدخلها, إن شئت رفعت وإن شئت نصبت؛ لأن معنى هذا معنى: سرت قليلًا حتى أدخلها، فإن جعلت الدخول غاية نصبت".
وأقول: قول العرب: "إنما سرت حتى أدخلها" فيه إثبات للسير فيما يغلب في استعمالهم؛ فلهذا يجوز معه رفع ما بعد حتى باعتبار أنه مسبب عنه متصل به، ويجوز معه نصب ما بعدها إن جعل غاية له، وسيأتي حكم آخر لسيبويه في المثال.
وقول العرب: "ما سرت إلا قليلًا حتى أدخلها" فيه إثبات لسيرٍ قليل؛ فلهذا يجوز فيه رفع ما بعد حتى باعتبار أنه مسبب عنه ومتصل به، ويجوز فيه نصب ما بعدها إن جعل غاية له.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


ثم يقول سيبويه: "ومما يكون فيه الرفع شيء ينصبه بعض الناس لقبح القلب، وذلك: ربما سرت حتى أدخلها، وطالما سرت حتى أدخلها، وكثر ما سرت حتى أدخلها، ونحو هذا. فإن احتجوا بأنه غير سير واحد، فكيف يقولون إذا قلت: سرت غير مرة حتى أدخلها؟ وسألنا من يرفع في قوله: سرت حتى أدخلها، فرفع في ربما، ولكنهم اعتزموا النصب في ذا، كما اعتزموا عليه في قد".
وأقول: قد تبين مما قدمته عن السيرافي والفارسي أن جواز التقديم والتأخير المعبر عنه بالقلب لا اعتبار له في إجازة الرفع, فهذه الأمثلة يجوز فيها رفع ما بعد حتى عند سيبويه ومن تبعه من النحويين, مع أنه لا يحسن فيها أن يقال: سرت حتى أدخلها ربما أو طالما أو كثر ما؛ فالمعول عليه في رفع المضارع بعد حتى في نحو هذا أن يكون ما قبلها ثابتًا بوجهٍ ما، وأن يكون مؤديًا إلى ما بعدها.
وقد بين سيبويه أن العرب الذين يرفعون في نحو: سرت حتى أدخلُها, يرفعون مع تقدم ربما، وهو يشير إلى أن بعض النحويين يمنعون الرفع في هذه الأمثلة بحجة أنه لا يحسن فيها القلب، ومذهبهم مردود بالسماع عن العرب.
ويذكر سيبويه لهؤلاء المانعين حجةً في منعهم الرفع مع طالما وكثر ما؛ لدلالته على أكثر من سير، ويرد عليه حجتهم بورود الرفع في قولهم: سرت غير مرةٍ حتى أدخلُها.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


ثم يقول سيبويه: "وتقول: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها، وقلما سرت حتى أدخلها، إذا أردت أن تخبر أنك سرت قليلًا وعنيت سيرًا واحدًا، وإن شئت نصبت على الغاية، وتقول: قلما سرت حتى أدخلها إذا عنيت سيرًا واحدًا, أو عنيت غير سير؛ لأنك قد تنفي الكثير من السير الواحد، كما تنفيه من غير سير، وتقول: قلما سرت حتى أدخلها إذا عنيت غير سيرٍ.
وكذلك: أقل ما سرت حتى أدخلها, من قبل أن قلما نفي لقوله: كثر ما، كما أن ما سرت نفي لقوله: سرت، ألا ترى أنه قبيح أن تقول: قلما سرت فأدخلها، كما يقبح فيما سرت, إذا أردت معنى: فإذا أنا أدخل, وتقول: قلما سرت فأدخلها فتنصب، فتنصب بالفاء ههنا، كما تنصب في ما؟ ولا يكون: كثر ما سرت فأدخلها؛ لأنه واجب، ويحسن أن تقول: كثر ما سرت فإذا أنا أدخل، وتقول: إنما سرت حتى أدخلها, إذا كنت محتقرًا لسيرك الذي أدى إلى الدخول، ويقبح: إنما سرت حتى أدخلها؛ لأنه ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير، كما يكون في النصب؛ يعني: إذا احتقر السير؛ لأنك لا تجعله سيرًا يؤدي إلى الدخول، وأنت تستصغره -وهذا قول الخليل- وإن لم تجعله غايةً، ولم تحتقر رفعت".
أقول: يبين سيبويه في كلامه هذا حكم الفعل بعد حتى في مثالين، أحدهما يبدأ بقلما سرت، والثاني يبدأ بأقل ما سرت, ثم يتناول قول العرب: "إنما سرت حتى أدخلها" تناولًا يختلف عما قدمه قريبًا.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


قد وضح أبو علي في (التعليقة) ما ذكره سيبويه عن المثالين الأولين فقال:
قوله: "قلما سرت حتى أدخلها" على ضربين؛ إن أردت بقلما سرت حتى أدخلها: سرت قليلًا، جاز الرفع في الفعل بعد حتى، وإن أردت بقلما نفي السير أصلًا حتى كأنك قلت: ما سرت؛ لم يجز الرفع أصلًا، كما أنك إذا قلت: ما سرت حتى أدخلها؛ لم يجز الرفع في الفعل بعد حتى، و"أقل ما سرت" بمنزلة "قلما سرت" في النفي.
فكما أنه لا يجوز الرفع في الفعل بعد حتى في قولك: "قلما سرت حتى أدخلها"، كما لم يجز في: "ما سرت حتى أدخلها"، كذلك لا يجوز الرفع في الفعل بعد حتى في قولك: "قلما سرت حتى أدخلها".
وإنما لم يجز الرفع في الفعل بعد حتى إذا نفيت الفعل الذي قبل حتى؛ لأن الفعل الذي بعد حتى إذا رفع كان سببه الموجب له الفعل الذي قبله، فإذا نفي الفعل الذي هو السبب لم يكن المتولد عنه.
فإذا رفع الفعل بعد حتى، فهو للحال، ومن أجل ذلك ارتفع، فإذا نفي السبب الكائن عنه لم يكن ولم يتولد، فاستحال أن يرتفع، وهو معدوم على الحال، فإذا لم يجز رفعه؛ لأنه ليس في الحال لنفي السبب, صار حتى بمعنى إلى في أنه غاية، وانتصب الفعل بعده على إضمار أن، وصار الفعل المنتصب مع أن المضمرة الناصبة للفعل في موضع اسم مجرور، وصار حتى مع الاسم المجرور بعدها في موضع اسم منصوب.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


والدليل على أن قلما نفي بمنزلة "ما" النافية؛ نصبك الفعل بعدها بعد الفاء في قولك: قلما سرت فأدخلَها، فإن قيل: أليس علتك في بطلان الرفع بعد حتى إذا نفيت السير زوال السبب المؤدي إلى الحال, فهلا أبطلت النصب أيضًا فيه، ولم يجز لزوال السبب المؤدي للغاية إذا نفيت؟ قلت: النفي يدخل على الإيجاب، والإيجاب قبله، وإنما أثبت الغاية في النفي من حيث أثبتها في الإيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: سرت إلى البصرة، فقد أثبتّ غايةً، فإن نفيت السير أدخلت النفي على الإيجاب المثبت فيه الغاية، فقلت: ما سرت إلى البصرة، فالغاية نفيت السير أو أوجبته ثابتًا، والحال إذا نفيت السبب الموجب لها لم تكن.
في تعليق أبي عليٍ على قول سيبويه: "وتقول: إنما سرت حتى أدخلها, إذا كنت محتقرًا لسيرك الذي أدى إلى الدخول" ينقل عن أبي العباس قوله: ليس شيء أقرب إلى النفي من القلة؛ فلذلك أجري الاحتقار مجرى النفي، فنصب الفعل بعده، كما ينصب بعد النفي.
يفسر السيرافي ما صنعه سيبويه في قولهم: إنما سرت حتى أدخلها, من إجازته رفع ما بعد حتى فيه تارة، ووصفه بالقبح تارة أخرى, فيقول:

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


"وذكر سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها, فأجاز الرفع في موضعٍ، ولم يجزه في موضع، وذلك أن إنما تكون على وجهين؛ أحدهما: تحقير الشيء, والآخر: الاقتصار عليه.
فأما الاقتصار عليه فقولك في رجل ادعي له الشجاعة والكرم واليسار، فاعترفت بواحدٍ منها دون الباقي وأثبتُّه له، فقلت: إنما هو موسر, أو إنما هو شجاع، على هذا الوجه يرفع الفعل بعد حتى إذا قلت: إنما سرت حتى أدخلُها؛ لأنك أثبتّ له المسير، وقد أداه إلى الدخول.
وأما تحقير الشيء فقولك لمن تحقر صنيعًا له: إنما تكلمت وسكت، وإنما سرت فقعدت؛ لم تعتد بكلامه ولا بسيره، فعلى هذا الوجه نصب سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها؛ لأنه لم يعتد بسيره سيرًا, فصار بمنزلة المنفي، ويقبح الرفع؛ لأنك لم تجعل السير مؤديًا إلى الدخول، فيكون منقطعًا بالدخول وإلا نصبت يدخل، فيكون غاية السير، وهذا معنى قوله: "ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير؛ يعني إذا رفعت مع التحقير"". انتهى.
قول سيبويه في كلامه المتقدم: "ولا يكون: كثر ما سرت فأدخلها؛ لأنه واجب، ويحسن أن تقول: كثر ما سرت فإذا أنا أدخل" يشير إلى أمرين:

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


أن من شروط رفع المضارع بعد حتى أن يكون ما قبلها موجبًا غير منفي؛ لأن الثاني لا يتسبب عنه إلا إذا كان متحققًا ثابتًا.
يقول النحويون في تعليل ذلك: إنما اشترط في رفع المضارع بعد حتى أن يكون مسببًا عما قبلها؛ لأن حتى إذا رفع المضارع بعدها تكون حرف ابتداء وما بعدها مستأنف، فاشترط كونه مسببًا عما قبلها ليحصل في الكلام ربط معنوي يجبر ما فات من الاتصال اللفظي؛ لأنه لما لم يتعلق ما بعد حتى بما قبلها لفظًا، فزال الاتصال اللفظي، استعيض عنه بالسببية الموجبة للاتصال المعنوي.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


ثم يقول سيبويه في هذا الباب:
"وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها ليس إلا؛ لأنك لو قلت: كان سيري أمس فإذا أنا أدخلها؛ لم يجز لأنك لم تجعل لكان خبرًا. وتقول: كان سيري أمس سيرًا متعبًا حتى أدخلها؛ لأنك تقول ههنا: فأدخلها، فإذا أنا أدخلها لأنك جئت لكان بخبر، وهو قولك: سيرًا متعبًا".
أقول: يشير سيبويه بعبارته هذه إلى شرطٍ ثالث لرفع المضارع بعد حتى، وهو أن يكون فضلةً, بحيث يكون الكلام قد تم قبل حتى، كما في قول العرب: مرض زيد حتى لا يرجونه، فإن الفعل يرجونه فضلة؛ لأن الكلام تم قبل حتى بالجملة الفعلية: مرض زيد؛ ولذلك أوجب سيبويه النصب في قول القائل: كان سيري أمس حتى أدخلها، وعلل ذلك بقوله: لأنك لم تجعل لكان خبرًا, وهذا معناه: إذا كان الكلام قبل حتى لم يتم؛ وجب نصب المضارع بعدها.
ثم إن سيبويه مثّل بمثالٍ آخر أظهر فيه خبر كان قبل حتى، وأجاز فيه الرفع؛ ولهذا الشرط يجب نصب ما بعد حتى في نحو: سيري حتى أدخلها، ويمتنع رفعه؛ لأنه ليس فضلة، بل هو من جملة خبر المبتدأ المتقدم، وهو سيري. وهنا يظهر سر اشتراط أن يكون المرفوع بعدها فضلة؛ فإن رفع المضارع في المثال يترتب عليه ألا يكون في الكلام خبر للمبتدأ؛ لأن حتى التي يرفع المضارع بعدها حرف ابتداء، وما بعدها يكون مستأنفًا لا صلة له بما قبلها.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


والمثال الذي ذكره سيبويه، وهو: "كان سيري أمس حتى أدخلها" لا يحتمل وجهًا واحدًا، وهو ما ذكره سيبويه، بل يحتمل وجهًا آخر تكون فيه الجملة قبل حتى تامة، وذلك إما بتقدير كان تامةً، وسيري فاعلها، وإما بتقديرها ناقصة وأمس في موقع خبرها؛ ولهذا يجوز فيما بعد حتى في المثال الرفع.
قد عبر أبو علي الفارسي عن أمس الواقع خبرًا بالمستقر، فقال في (التعليقة): لو جعلت أمس مستقرًّا؛ جاز في قولك: كان سيري أمس حتى أدخلها, الرفع، ولو جعلت كان التي بمعنى وقع وأمس غير مستقر؛ لجاز الرفع في قولك: حتى أدخلها؛ لأن كان سيري على هذا جملة تامة، كما أن سرت كذلك، فكما جاز الرفع بعد سرت، فكذلك يجوز بعد كان التي بمعنى وقع.
ونقصان الجملة قبل حتى يكون بجعل الظرف أمس في موضع نصبٍ بسيري، وليس خبرًا لكان الناقصة، كما لو قلت: كان قطع المفازة حتى أدخلها، فالمفازة منصوبة بقطع، وليس خبرًا لكان، وفي تلك الحالة يجب نصب ما بعد حتى لا غير، ويكون المصدر المؤول من "أنْ" المضمرة الناصبة والفعل مجرورًا بحتى، وحتى ومجرورها في موقع الخبر لكان الناقصة.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


وفي هذا يقول أبو علي في (التعليقة): "إذا نصبت الفعل بعد حتى في قولك: كان سيري أمس حتى أدخلها, كان جيدًا؛ لأن "حتى أدخلها" خبر كان، وهو في موضع نصب، والمعنى: كان سيري إلى دخولها، وجعلت أمس ظرفًا غير مستقر، فإن رفعت الفعل بعد حتى على هذا لم يجز؛ لأنه لا يكون في الكلام لكان خبر، ألا ترى أن قولك: فأدخلها لا يكون خبرًا لكان؟".
وخلاصة ما يشترط لرفع المضارع بعد حتى: أن يكون حالًا أو مؤولًا بالحال، وأن يكون مسببًا عما قبلها، وأن يكون فضلة.
"واعلم أن ما بعد حتى لا يُشرك الفعل الذي قبل حتى في موضعه, كشركة الفعل الآخر الأول، إذا قلت: لم أجئ فأقل، ولو كان ذلك لاستحال: كان سيري أمسِ شديدًا حتى أدخله، ولكنها تجيء كما تجيء ما بعد إذا وبعد حروف الابتداء، وكذلك هي أيضًا بعد الفاء إذا ما قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها؛ لأنها منفصلة، فإنما عنينا بقولنا: الآخر متصل بالأول؛ أنهما وقعا فيما مضى، كما أنه إذا قال:
فإن المندى رحلة فركوب
فإنما يعني: أنهما وقعا في الماضي من الأزمنة، وأن الآخر كان مع فراغه من الأول، فإن قلت: كان سيري أمس حتى أدخلها -تجعل أمس مستقرًّا- جاز الرفع لأنه استغنى، فصار كـ "سرت"، لو قلت: فأدخلها حسن، ولا يحسن: كان سيري فأدخل، إلا أن تجيء لخبر لكان".

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


أقول: حديث سيبويه هنا يدور حول ثلاثة أمور:
أن الفعل المضارع الذي يلي حتى إذا رفع؛ كان مستأنفًا لا صلة له بما قبلها من جهة الإعراب.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


وقوله: "ولو كان ذلك" أي: لو أشركت، كما تشرك حروف العطف فيما قبلها؛ لاستحال رفع أدخل في قولك: "كان سيري أمس شديدًا حتى أدخل". وإنما كان يستحيل هذا؛ لأنها لو أشركت كما تشرك الواو لما جاز أن يعطف بها الفعل على الاسم، لكنك كنت تضمر أن بعدها ليصير الفعل معها في تأويل الاسم، ويصير أن والفعل في موضع رفع للعطف على سيري". انتهى.
وقول سيبويه: "ولكنها تجيء كما تجيء ما بعد إذا وبعد حروف الابتداء" الضمير في "لكنها" من كلامه يراد به الجملة الواقعة بعد حتى المبدوءة بالمضارع المرفوع، و"ما" في كلامه هذا بمعنى التي، ومعنى كلامه أنها بعد حتى مستأنفة، كالجملة التي تجيء بعد إذا وبعد حروف الابتداء.
وقوله: "وكذلك هي أيضًا بعد الفاء، إذا ما قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها؛ لأنها منفصلة" الحديث فيه كذلك عن الجملة الواقعة بعد الفاء في المثال الذي ذكره؛ فإنها جملة مستأنفة، وقوله: "لأنها منفصلة" يعني به الفاء، والضمير فيه للفاء؛ فإنها في هذه العبارة استئنافية، وما بعدها منفصل عما قبلها في الإعراب.
والأمر الثاني, وهو أن المضارع المرفوع بعد حتى متصل بما قبلها كاتصال ما بعد الفاء بما قبلها؛ لا يعنى به اتصال الإعراب وأن يكون معطوفًا عليه، ولو كان الأمر كذلك ما شبهت حتى بالفاء الاستئنافية التي تفصل ما بعدها عما...

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


...قبلها، وإنما يعنى به الاتصال في الوقوع, وأنهما جميعًا وقعا فيما مضى، وأن الثاني وقع بعد انتهاء الأول.
والأمر الثالث, وهو أن ما قبل حتى -التي يرفع المضارع بعدها- لا بد أن يكون جملة تامة, وضحه سيبويه بالمثال: "كان سيري أمس حتى أدخلها", وبين فيه أن رفع ما بعد حتى يترتب على جعل أمس ظرفًا مستقرًّا؛ أي: خبرًا لكان؛ لأن ذلك يجعل ما قبل حتى جملة تامة وما بعدها فضلة؛ ولهذا لا يجوز الرفع إذا قلت: "كان سيري فأدخل"؛ لأن الكلام قبل حتى لم يتم.
ثم يقول سيبويه:
"وقد تقع نفعل في موضع فعلنا في بعض المواضع، ومثل ذلك قول لرجل من بني سلولة مولد:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني
فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني
واعلم، أن أسير بمنزلة سرت، إذا أردت بـ "أسير" معنى سرت".
أقول: يتحدث سيبويه بهذا عن وقوع الفعل المضارع في موقع الماضي؛ فإن الفعل أمرّ في البيت موضوع موضع مررتُ، ومثله: لو وضع أسير في موضع سرت، لو قيل: أسيرُ حتى أدخلها، وهذا الحكم ينسحب على ما بعد حتى من...

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


...المضارع المرفوع، فإنه واقع موقع الماضي، فمعنى سرت حتى أدخلها: سرت حتى دخلتها، وإنما عبر الشاعر بالفعل المضارع؛ لأنه لم يرد ماضيًا منقطعًا، وإنما أراد أن هذا شأنه ودأبه فجعله كالفعل الدائم.
قال السيرافي: إنما يستعمل ذلك, إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقًا وطبعًا، ولا ينكر منه في المضي والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرة من الدهر.
ثم يقول سيبويه: "واعلم أن الفعل إذا كان غير واجبٍ؛ لم يكن إلا النصب من قِبل أنه إذا لم يكن واجبًا رجعت حتى إلى أن وكي، ولم تصل من حروف الابتداء كما لم تصل إذن في الجواب من حروف الابتداء, إذا قلت: إذن أظنك، وأظن غير واقع في حديثك، وتقول: أيهم سار حتى يدخلها؟ لأنك قد زعمت أنه كان سير ودخول، وإنما سألت عن الفاعل, ألا ترى أنك لو قلت: "أين الذي سار حتى يدخلها" وقد دخلها؛ لكان حسنًا، ولجاز هذا الذي يكون بما قد وقع؛ لأن الفعل ثم واقع وليس بمنزلة: قلما سرت، إذا كان نافيًا لكثر ما؟
ألا ترى أنه لو كان قال: قلما سرت فأدخلها، أو حتى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبةً خارجة من معنى قلما؛ لم يستقم إلا أن تقول: قلما سرت فدخلت، وحتى دخلت، كما تقول: ما سرت حتى دخلت؟ فإن ما ترفع بـ "حتى" في الواجب، ويكون ما...

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


...بعدها مبتدأ منفصلًا من الأول، كان مع الأول فيما مضى أو الآن، وتقول: أسرت حتى تدخلها؟ نصب؛ لأنك لم تثبت سيرًا تزعم أنه قد كان معه دخول". انتهى كلام سيبويه.
أقول: كلام سيبويه هذا يدور في فلك الشرط الثاني لرفع المضارع بعد حتى، وهو أن يكون مسببًا عما قبلها، وهو ما يقتضي ثبوته وهو المعبر عنه بالوجوب، فإذا كان ما قبل حتى غير واجب -أي غير ثابت- وجب نصب ما بعدها؛ لأنه لا يتسبب عن معدوم، وقد رُفع الفعل في: أيهم سار حتى يدخلها؟ وأين الذي سار حتى يدخلها؟ لأن السير في العبارتين ثابتٌ، وإنما الاستفهام فيهما عن الفاعل.
وقول سيبويه: "ولجاز هذا الذي يكون لما قد وقع؛ لأن الفعل ثم واقع" معناه: لجاز رفع المضارع بعد حتى، وهو الذي يكون لشيء وقع في الماضي؛ لأن الفعل قبل حتى واقع وثابت.
وقوله: "وليس بمنزلة: قلما سرت، إذا كان نافيًا لكثر ما" أراد به: أن قلما سرت, إذا كان نفيًا لكثر ما سرت؛ كان الفعل فيه منفيًّا غير ثابت، فلا يرفع المضارع بعد حتى معه، والمثال الذي تحدث عنه سيبويه بعد ذلك، وهو "قلما سرت حتى أدخلها" سبق الحديث عنه قبل ذلك، وعرفنا هناك أنه إذا أريد بـ "قلما سرت" نفي السير؛ لم يجز رفع المضارع بعد حتى، وإن أريد به إثبات سير قليل، جاز الرفع.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


قد مزج أبو عليٍّ كلامه بكلام سيبويه شارحًا له في ذلك, فقال في (التعليقة): ألا ترى أنه لو كان قال: قلما سرت فأدخلها، أو حتى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبة -أي يجعل قوله: فأدخلها أو حتى أدخلها, واجبة خارجة من معنى قلما؛ أي إذا كانت نافية بالجملة- لم يستقم إلا أن تقول: قلما سرت فدخلت، وحتى دخلت؛ أي: ما سرت ولكن دخلت، وكذلك حتى دخلت على هذا المعنى، كما تقول: ما سرت حتى دخلت؛ أي: لم أسر ولكني دخلت؟ فإن ما ترفع بعد حتى في الواجب؛ أي: وليس قلما إذا كان نفي كثر ما بواجبٍ فترفع بعده، ويكون ما بعدها مبتدأ منفصلًا من الأول كان مع الأول؛ أي: كان المنفصل المرفوع بعد حتى فيما مضى أو الآن.
وقول سيبويه: "وتقول: "أسرت حتى تدخلها؟" نصبٌ" تقديره: هو نصبٌ؛ أي: ما بعد حتى فيه منصوب، ثم علله بقوله: لأنك لم تثبت سيرًا تزعم أنه قد كان معه دخول؛ أي: فعِلّة امتناع الرفع هو أن الفعل قبل حتى لم يثبت، بدليل أنك تستفهم عن وقوعه، وشرط رفع ما بعد حتى ثبوت ما قبلها.
بهذا ينتهي الباب الثاني من من أبواب "حتى" عند سيبويه.
ثانيًا: دراسة للباب الثالث من أبواب "حتى" عند سيبويه

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


ثم يقول سيبويه شارعًا في الباب الثالث من أبواب حتى: "هذا باب ما يكون العمل فيه من اثنين؛ وذلك قولك: سرت حتى يدخلها زيدٌ, إذا كان دخول زيد لم يؤدِّه سيره، ولم يكن سببه؛ فيصير هذا كقولك: سرت حتى تطلع الشمس؛ لأن سيرك لا يكون سببًا لطلوع الشمس ولا يؤديه، ولكنك لو قلت: سرت حتى يدخلها ثَقلي، وسرت حتى يدخلها بدني, لرفعت؛ لأنك جعلت دخول ثقلك يؤديه سيرك، وبدنك لم يكن دخوله إلا بسيرك، وبلغنا أن مجاهدًا قرأ هذه الآية: ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ)) [البقرة: ٢١٤] وهي قراءة أهل الحجاز.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها، وسرت حتى أدخلها ويدخلها زيدٌ؛ إذا جعلت دخول زيد من سبب سيرك، وهو الذي أداه، ولا تجد بُدًّا من أن تجعله هنا في تلك الحال؛ لأن رفع الأول لا يكون إلا وسبب دخوله سيره، وإذا كانت هذه حال الأول لم يكن بُدٌّ للآخر من أن يتبعه؛ لأنك تعطفه على دخولك في حتى، وذلك أنه يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيدٌ، إذا كان سيرك يؤدي دخوله، كما تقول: سرت حتى يدخلها ثقلي، وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى يدخلها زيد؛ لأنك لو قلت: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس, كان جيدًا، وصارت إعادتك حتى كإعادتك له في: تبًّا له وويل له، ومن عمرًا ومن أخو زيد؟ وقد يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيد؛ إذا كان أداه سيره، ومثل ذلك قراءة أهل الحجاز: ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ))". انتهى كلام سيبويه.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


أقول: يتناول سيبويه في هذا الباب الثالث والأخير من أبواب حتى, أمثلة يختلف فيها فاعل الفعل المضارع الواقع بعدها عن فاعل الفعل المتقدم عليها؛ ولهذا جعل عنوانه: "باب ما يكون فيه العمل من اثنين"، فإن المثال "سرت حتى يدخلها زيد", فاعل السير فيه هو المتكلم وفاعل الدخول هو زيد، وكذلك الشأن في المثال "سرت حتى تطلع الشمس"، إلا أن ههنا فرقًا بين المثالين يجيز الرفع فيما بعد حتى في المثال الأول، ويمنعه في المثال الثاني، وهذا الفرق هو أن الدخول في المثال الأول قد يكون متسببًا عن السير، والسير هو الذي أدى إليه، وأما طلوع الشمس في المثال الثاني فلا يتسبب عن السير ولا يؤدي السير إليه، وهذا أمرٌ مضطرب، وهو أن رفع الثاني منوطٌ بأن يكون متسببًا عن الأول، والأول يؤدي إليه؛ ولهذا جاز الرفع في "سرت حتى يدخلها ثَقلي"؛ أي: متاعي، لكون متاع المسافر ملازمًا له، وكذا في "سرت حتى يدخلها بدني", ولا أثر لاختلاف الفاعل في هذا الأمر؛ فلذلك رُفع الفعل بعد حتى في قراءة نافع: ((وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ))؛ لأن قول الرسول متسببٌ عن الزلزلة، والزلزلة هي التي أدت إليه، وهذا الحكم ينطبق على المثال "سرت حتى أدخلها ويدخلها زيدٌ", فالفعل الأول "أدخلها" رُفع؛ لأن السير هو الذي أدى إليه وهو مُسبَّبٌ عنه، والثاني رفع؛ لأن الشأن فيه كذلك مع كونه تابعًا لما قبله في الإعراب ومعطوفًا عليه.

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


يقول السيرافي: "رفع الفعل بعد حتى بإيجاب ما قبله له وتأديته إليه، فإذا قلت: سرت حتى أدخلها؛ جاز أيضًا أن يدخلها من يتبعك ومن يسير بسيرك من أجير وعبدٍ وصاحبٍ ورفقةٍ, كنت أنت بسيرك سببًا لسيرهم المؤدي إلى الدخول, وكذلك ما معك من ظهرٍ وثَقل، دخوله بسيرك لأنه تابِعك.
وأما المثال "سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيد", فقد أُعيدت فيه حتى ناصبة، فالفعل بعد حتى الأولى متسبب عن السير؛ فلهذا رفع، والفعل بعد حتى الثانية جُعل غاية للسير؛ ولهذا نصب بأن مضمرة، وصارت حتى فيه بمنزلة إلى، ونظيره قول القائل: "سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس"".
وقول سيبويه: "وصارت إعادتك حتى كإعادتك له في: تبًّا له وويل له، ومن عمرًا ومن أخو زيدٍ؟" فسّره أبو علي فقال: "يقول: لما أعدت له بعد ويل ابتدأته وقطعته مرفوعًا، وكذلك لما أعدت من ثانية بعد عمرٍو محكيًّا قطعته منه ورفعته".
ثم يقول سيبويه في هذا الباب: "واعلم أنه لا يجوز "سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس" هذا محال؛ لأن طلوع الشمس لا يكون أن يؤديه سيرك، فترفع تطلع الشمس وقد حُلت بينه وبين حتى، ويحسن أن تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها, كما تقول: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها، وقال امرؤ القيس:

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


سريت بهم حتى تكل مطيهم
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
فهذه الآخرة هي التي ترفع.
وتقول: سرت وسار حتى ندخلها؛ كأنك قلت: سرنا حتى ندخلها، وتقول: سرت حتى أسمع الأذان، هذا وجهه وحده النصب؛ لأن سيرك ليس يؤدي سمعك الأذان، إنما يؤديه الصبح، ولكنك تقول: سرت حتى أَكِلّ؛ لأن الكلال يؤديه سيرك، وتقول: سرت حتى أصبح؛ لأن الإصباح لا يؤديه سيرك، إنما هي غاية طلوع الشمس".
أقول: يدور هذا الحديث حول رفع المضارع بعد حتى, إذا كان ما قبلها يؤدي إليه، وامتناع الرفع فيه إذا كان ما قبل حتى لا يؤدي إليه؛ ففي المثال الذي ذكره سيبويه وهو "سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس" لا يجوز رفع تطلع ولا نصبه؛ ولهذا وصفه بقوله: محال، فعدم جواز رفعه لأن السير لا يؤدي إلى طلوع الشمس، وعدم جواز نصبه؛ لأن نصبه يكون بـ "حتى"، وحتى لا تنصب إلا ما يليها، وأنت حُلت بينه وبينها بقولك: أدخلها.
أما إذا قلت: "سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها", فإن كلامك يكون صوابًا؛ لأنك نصبت تطلع، وحتى معه للغاية، ورفعت أدخلها مع كون السير يؤدي إلى الدخول، وقول سيبويه تعقيبًا على بيت امرئ القيس: "فهذه الآخرة هي التي...

...٢.٣ دراسة للبابين الثاني والثالث من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه


... ترفع" معناه: أن حتى الابتدائية هي التي يُرفع الفعل المضارع بعدها.
بهذا ينتهي حديث الباب الثالث من أبواب حتى.