...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


ثم يتحدث سيبويه عن "حتى" فيقول: "هذا باب حتى:
اعلم أن "حتى" تنصب على وجهين:
أحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك؛ وذلك في قولك: سرت حتى أدخلها، كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل هنا هو الجار في الاسم إذا كان غاية، فالفعل إذا كان غاية نصب، والاسم إذا كان غاية جر، وهذا قول الخليل.
الوجه الآخر: فأن يكون السير قد كان، والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل "كي" التي فيها إضمار "أنْ" وفي معناها، وذلك قولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء".
أقول: ظاهر قول سيبويه: ""حتى" تنصب على وجهين" أن حتى تنصب الفعل بنفسها، وليس ذلك بمذهبٍ لسيبويه، ويدل على ذلك أمران:
أولهما: ما ورد في باب الحروف التي تضمر فيها أنْ؛ حيث ذكر منها حتى، وذكر أن ما بعدها منصوب بأن مضمرة؛ لأن حتى تعمل في الاسم بعدها الجر، وإضمار أنْ بعدها وضع لها في موضعها؛ لأنها لا تعمل إلا في الاسم، وأن والفعل بعدها في تأويل الاسم.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


الثاني: أنه فسر هنا قول القائل: "سرت حتى أدخلها" بتفسير تظهر فيه "أنْ" المضمرة, حيث قال: كأنك قلت: "سرت إلى أنْ أدخلها"؛ ولهذا قال الأعلم في هذا الموضع: "مذهب سيبويه: أن حتى من الحروف الخافضة، وأنها إذا نصبت الفعل نصبته بإضمار أن كاللام؛ لأن ما بعدها في الأسماء مخفوض إذا كان غاية، فلما وقع الفعل بعدها، وكانت حروف الجر لا تعمل في الأفعال أُضمرت أنْ بعدها فنصبت الفعل، وكانت مع الفعل بمنزلة اسم تعمل فيه حتى".
قال السيرافي: "مما يقرب تصحيحه قول سيبويه في "حتى" إذا نصبت الفعل, أنها تنصبه بإضمار أنْ، وذلك أن "حتى" على مذهبه من حروف الجر؛ لأن ما بعدها في الاسم المخفوض إذا كانت غاية، وذلك قولك: خرج القوم حتى زيد".
ثم قال السيرافي: فلما كانت خافضة في الاسم إذا كانت غاية، ثم رأيناها تدخل على الفعل في معنى الغاية، جعلنا السبيل فيهما واحدًا، وبقيناها على خفضها، وأحوجنا ما وجب لها من عمل الخفض أن نجعل ما عملت فيه اسمًا، ولا يكون الفعل اسمًا إلا بأن يقرن به أنْ؛ لأنها والفعل بمنزلة المصدر، وإذا قدرناه لم يبعد تقديره؛ لأنا لو قلنا لرجل: أقم حتى يقدم زيد، وقف حتى تطلع الشمس, فحتى هي للغاية، وإذا جئنا بإلى التي هي للغاية كحتى، وإن كانت تخالفها في معنى آخر, قلنا: أقم إلى أن يقدم زيد، وقف إلى أن تطلع الشمس, فموقع إلى موقع حتى، ولا يجتمعان؛ لأن إحداهما تغني عن الأخرى.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


ويدلك على أن حتى في موضع إلى في هذا الموضع؛ أنك تقول: أقم إلى قدوم زيد، وأقم حتى قدوم زيد، كما قال عز وجل: ((حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)) [القدر: ٥], وهذا أحد وجهي نصب الفعل بحتى، وهو الغاية. وعلى هذا يكون إسناد النصب إلى حتى فيه تجوز.
قد ذكر سيبويه في أول هذا الباب أن "حتى" تنصب على وجهين، وهذا كلام فيه تجوز؛ لأن مذهبه أن الناصب هو أنْ مضمرة بعد حتى، وفي بيان سيبويه للوجهين لم يذكر أصلًا أو قاعدةً، وإنما ذكر مثالًا لكل وجه، وبين شرط النصب ووجهه في كل مثال:
الوجه الأول: فهو يقول فيه "فأحدهما أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها، كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل هنا هو الجار في الاسم إذا كان غاية، فالفعل إذا كان غاية نصب، والاسم إذا كان غاية جر، وهذا قول الخليل".
والنحويون بعد سيبويه ضبطوا هذا الوجه بأن يكون ما بعد حتى غاية لما قبلها، وذكروا أن حتى تكون فيه للغاية مرادفة لإلى وبمعناها، وذكروا أن علامة حتى في هذا الوجه أن يصلح في موضعها إلى، ومن شواهد ذلك قول الله -عز وجل: ((قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)) [طه: ٩١] أي: إلى أن يرجع إلينا موسى، ففي هذا الوجه توسطت حتى بين فعلين، والفعل الذي يليها غاية للفعل الذي قبلها؛ بمعنى أن الفعل الذي قبلها ينتهي بمجرد حدوث ما بعدها.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


فالسير في مثال سيبويه ينتهي بمجرد حدوث الدخول في القرية أو المدينة، وكذلك في الآية، ينتهي عكوف المتكلمين على عبادة العجل بمجرد حدوث رجعة سيدنا موسى إليهم.
وقول سيبويه في هذا الوجه: "فالناصب للفعل هنا هو الجار للاسم إذا كان غاية" يقصد به حتى التي تجر الاسم، ويكون هذا الاسم المجرور غايةً لما قبلها، كما في قوله تعالى: ((سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)).
وقوله: "الناصب للفعل هنا" لا يخفى ما فيه من التجوز -كما عرفنا.
وقول سيبويه: "فالفعل إذا كان غاية نصب، والاسم إذا كان غاية جر" فيه تأصيل لأصلين من أصول النحو، وقد تقدمت له أصول أخرى في هذا الباب, كقوله: حروف الأفعال التي تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال, وكقوله: حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال, وقوله: الجر لا يكون إلا في الأسماء, وقوله: الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء, وقوله: ليس للاسم في الجزم نصيب وليس للفعل في الجر نصيب, وقوله: ما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حد عمله في الأسماء، كما أن ما يعمل في الأفعال فينصبها أو يجزمها لا يعمل في الأسماء.
وقوله هنا: "الفعل إذا كان غاية نصب" فيه استعمال المصدر بمعنى اسم المفعول، فالمراد بقوله: "نصب" منصوب، وكذلك لفظ جر بمعنى مجرور في قوله: "والاسم إذا كان غاية جر", ويجوز أن يكون اللفظان على تقدير مضاف؛ أي ذو نصبٍ وذو جر.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


الوجه الثاني: ويقول سيبويه في الوجه الثاني لنصب المضارع بعد حتى:
"وأما الوجه الآخر: فأن يكون السير قد كان، والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أنْ، وفي معناها، وذلك قولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء".
والنحويون بعد سيبويه ضبطوا هذا الوجه بأن يكون ما بعد حتى مسببًا عما قبلها، وذكروا أن حتى تكون فيه للتعليل، ومرادفة لكي وبمعناها، وذكروا أن علامة حتى في هذا الوجه أن يصلح في موضعها كي التعليلية الجارة، ومن شواهده قوله تعالى: ((هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا))[المنافقون: ٧] أي: كي ينفضوا، وفي هذا الوجه توسطت حتى بين فعلين، والفعل الذي يليها مسبب عما قبلها.
ففي مثال سيبويه: "كلمته حتى يأمر لي بشيء" أمر متحدث عنه مسبب عن تكليم المتكلم، وفي الآية الكريمة الانفضاض متوقع تسببه عن عدم الإنفاق.
وقول سيبويه: "إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن"" أراد به بيان كون حتى في هذا الوجه بمعنى كي التعليلية الجارة التي تضمر بعدها أنْ، وفيه احتراز من كي المصدرية التي تنصب المضارع بنفسها وتؤول معه بمصدر، نحو: جئت لكي أتعلم، وفي ذلك إشارة إلى أن النصب بعد حتى بإضمار أن وليس بحتى نفسها.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


ثم يقول سيبويه مكملًا حديث حتى:
"واعلم أن حتى يرفع الفعل بعدها على وجهين:
تقول: سرت حتى أدخلها؛ تعني أنه كان دخول متصل بالسير كاتصاله به بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها, فأدخلها ههنا على قولك: هو يدخل، وهو يضرب، إذا كنت تخبر أنه في عمله، وأن عمله لم ينقطع، فإذا قال: حتى أدخلها، فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخولٍ, فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء، فحتى صارت ههنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الابتداء؛ لأنها لم تجئ على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النصب، كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنك.
وأما الوجه الآخر: فإنه يكون السير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع؛ أي: حتى إني الآن أدخلها كيفما شئت، ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه, والرفع ههنا في الوجهين كالرفع في الاسم، قال الفرزدق:
فيا عجبًا حتى كليبٌ تسبني
كأن أباها نهشل أو مجاشع!

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


فحتى ههنا بمنزلة إذا، وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء، ومثل ذلك: شربت حتى يجيء البعير يجر بطنه, أي: حتى إن البعير ليجيء يجر بطنه.
ويدلك على حتى أنها حرف من حروف الابتداء, أنك تقول: حتى إنه ليفعل ذاك، كما تقول: فإذا إنه يفعل ذاك, ومثل ذلك قول حسان بن ثابت:
يغشون حتى لا تهرُّ كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
ومثل ذلك: مرض حتى يمر به الطائر فيرحمه, وسرت حتى يعلم الله أني كال, والفعل ههنا منقطع من الأول، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه متصل كاتصاله به بالفاء، كأنه قال: سير فدخول, كما قال علقمة بن عبدة:
ترادى على دمن الحياض, فإن تعف
فإن المندى رحلة فركوب
لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضى، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضى، ولكن الآخر متصل بالأول، ولم يقع واحد دون الآخر، وإذا قلت: لقد ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم, فليس كقولك: سرت فأدخلها, إذا لم ترد أن تجعل الدخول الساعة؛ لأن السير والدخول جميعًا وقع فيما مضى.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


وكذلك: مرض حتى لا يرجونه, أي: حتى إنه الآن لا يرجونه، فهذا ليس متصلًا بالأول واقعًا معه فيما مضى، وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرق في أنه بمنزلة حرف الابتداء، وأن المعنى واحد, إلا أن أحد الموضعين الدخول فيه متصل بالسير، وقد مضى السير والدخول، والآخر منفصل، وهو الآن في حال الدخول، وإنما اتصاله في أنه كان فيما مضى، وإلا فإنه ليس يفارق موضعه الآخر في شيء إذا رفعته".
وأقول: يذكر سيبويه هنا وجهين لرفع المضارع بعد حتى، ويستعين في بيانهما بالأمثلة، ولا يذكر لذلك قاعدة، وفيما يلي تقعيد للوجهين:
الوجه الأول من وجهي رفع المضارع بعد حتى: أن تتوسط حتى بين فعلين, كلاهما مضى، والأول منهما يؤدي إلى الثاني، والثاني متصل به بلا مهلة كاتصال ما بعد فاء التعقيب بما قبلها، وقد مثّل له سيبويه بقول القائل: سرت حتى أدخلُها, ومراد القائل: أن الدخول اتصل بالسير بلا مهلة بينهما، كما لو قال: سرت فأدخلها، ومعنى الفعلين: سرت فدخلتها لقول سيبويه: "وقد مضى السير والدخول", فالتعبير بالفعل المضارع فيهما لاستحضار صورة الدخول التي مضت؛ فلذلك استبدل قول القائل: سرت حتى دخلتها, بقوله: سرت حتى أدخلها.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


الوجه الثاني منهما: أن تتوسط حتى بين فعلين يؤدي أولهما إلى الثاني، والأول منهما قد مضى، والثاني غير متصل به لكنه موطَّأ له بالأول، ومسهل به وقوعه في الحال، فالثاني وقوعه في الحال، لكن بينه وبين الأول مهلة، فلذلك كان منفصلًا عنه.
ولست مع السيرافي حيث عبر عن وقوع الثاني بالمستقبل؛ لأن كلام سيبويه صريح بأن الثاني واقع في الحال, حيث يقول: "ويكون الدخول وما أشبهه الآن"، ويقول: "حتى إني الآن أدخلها كيفما شئت" فانظر إلى تعبيره بلفظ الآن في المثالين.
يقول السيرافي في بيان هذين الوجهين: "وأما وجها رفع الفعل بعد حتى، فأصلهما وجه واحد في المعنى؛ وذلك أن يكون ما قبلها موجبًا لما بعدها، ولكن ما يوجبه ما قبلها، فقد يجوز أن يكون عقيبًا له ومتصلًا به، وقد يجوز ألا يكون متصلًا به، ولكن يكون موطئًا مسهلًا بالفعل الأول متى اختاره صاحبه أوقعه، وقد وطئ له ومكن منه، ومن هذا قوله: لقد سرت حتى أدخلُها ما أمنع؛ لأن السير مكن له أن يدخلها كيف شاء في المستقبل، وكذلك: رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه هذا العالم بشيء؛ لأن الذي رأى منه العام الأول هو الذي أصاره في عامه إلى الضعف عن كلامه".
ولعل قول السيرافي: "في المستقبل" تعبير عن الحال الذي هو بالنسبة للماضي مستقبل.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


وقد صرح أبو علي الفارسي في (التعليقة) بأن الفعل الثاني للحال, حيث قال: "الفعل في وجهه الرفع في حتى للحال، وله ارتفع؛ إلا أن السبب في الوجه الأول متصل بالمسبب، وبينهما في الثاني مهلة".
وصرح ابن السراج في الأصول بأنه يكون حاضرًا، وفي ذلك يقول: "وأما الوجه الثاني من الرفع: فأن يكون الفعل الذي بعد حتى حاضرًا ولا يراد به اتصاله بما قبله، ويجوز أن يكون ما قبله منقطعًا، ومن ذلك قولك: لقد سرت حتى أدخلُها ما أمنع، حتى إني أدخلها الآن، أدخلها كيف شئت. ومثل قول الرجل: لقد رأى مني عامًا أول شيئًا حتى لا أستطيعُ أن أكلمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه؛ إنما يراد أنه الآن لا يرجونه، وأن هذه حاله وقت كلامه.
قول سيبويه في الوجه الأول: "تعني أنه كان دخول متصل بالسير، كاتصاله بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها" فيه تنظير إرادة اتصال الدخول بالسير في "سرت حتى أدخلُها" بما يفهم من الفاء من التعقيب, حيث يأتي ما بعدها في عقب ما قبلها بلا مهلة أو فاصل.
وقوله: "فأدخلها ههنا على قولك: هو يدخل، وهو يضرب؛ إذا كنت تخبر أنه في عمله وأن عمله لم ينقطع" فيه إشارة إلى أن المضارع في هذا الوجه يراد به الماضي؛ لأن الحديث عن إنسان بقولك عن عمله: هو يفعل كذا ويفعل كذا، إنما هو وصف لعمله في الماضي.

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


وقوله: "فإذا قال: حتى أدخلها، فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخولٍ" إشارة إلى استحضار صورة هذا الماضي, من إنسانٍ يحكي عن نفسه.
وقوله: "فحتى صارت ههنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الابتداء" تشبيه لحتى بحروف الابتداء في كونها لا تؤثر في الفعل الواقع بعدها، فيكون مرفوعًا، كما أن حروف الابتداء لا تؤثر في الاسم الذي يقع بعدها، ويكون مرفوعًا.
ويقول السيرافي: "وحتى في رفع الفعل بمنزلة: الواو، والفاء، وإذا، وإنما, وسائر حروف الابتداء التي يرتفع الفعل بعدها، وسبيلها في بطلان عملها عن الفعل كسبيلها في بطلان عملها عن الاسم".
وقول سيبويه: "لأنها لم تجئ على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النصب، كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنك" فيه تعليل لعدم نصب حتى للمضارع في ذلك الوجه، وهو أن الفعل لم يقصد به المستقبل، فتكون حتى معه بمعنى إلى أن أو بمعنى كي، وفيه تنظير حتى بإذن التي يكون الفعل بعدها للحال، فلا تعمل فيه بالنصب، ويكون مرفوعًا.
وقول سيبويه: "والرفع ههنا في الوجهين كالرفع في الاسم" واستشهاده في الرفع للاسم ببيت الفرزدق، معناه: أن رفع المضارع بعد حتى على الاستئناف والابتداء، كما أن رفع كليب في بيت الفرزدق على أنه مبتدأ في جملة مبتدأة أو مستأنفة، والنحويون يسمون حتى هذه حتى الابتدائية، وهي حرف ابتداء تبتدأ بعده الجمل, أي: تستأنف، وعلامتها عندهم أنه يصح وضع الفاء في موضعها، والجملة التي تكون بعدها لها ثلاثة أوجه:

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


الوجه الأول: أن تكون جملة اسمية، كما في بيت الفرزدق.
الوجه الثاني: أن تكون جملة فعلية وفعلها مضارع مرفوع، كما في قول العرب: مرض حتى لا يرجونه, ويشترطون في هذا أن يكون حالًا أو مؤولًا بالحال، وأن يكون فضلة ومسببًا عما قبلها.
الوجه الثالث: الجملة الفعلية التي فعلها ماضٍ، كما في قوله تعالى: ((ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا)) [الأعراف: ٩٥].
قد عقب أبو علي في (التعليقة) على قول سيبويه هذا, فقال: "ارتفع الفعل بعد حتى من حيث ارتفع الاسم؛ لأن حتى لو كانت الجارة، ولم تكن التي هي بمنزلة حرفٍ من حروف الابتداء؛ لانتصب الفعل بعدها كما ينجر الاسم بعدها، ولم يرتفع، ويدلك على حتى أنها من حروف الابتداء أنك تقول: حتى إنه يفعل ذلك، ولو كانت الجارة للاسم لوجب أن يفتح أن بعدها؛ لأن تلك لا تدخل إلا على اسم، وأن مع صلته اسم".
وقول سيبويه: "فخرجت من حروف النصب، كما خرجت منها إذن في: إذن أظنك" فيه تنظير حتى التي يرفع الفعل بعدها؛ لكونه مقصودًا به الحال, بإذن التي يرفع الفعل بعدها لكونه كذلك، وذكر سيبويه من شواهد رفع الفعل بعد حتى قول حسان بن ثابت:

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


يغشون حتى لا تهرُّ كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
وهو شاهد على مجيء حتى حرف ابتداء، وارتفاع الفعل بعدها على معنى: حتى إنهم لا تهر كلابهم؛ أي: حتى هذه حالهم.
وذكر أيضًا قول علقمة بن عبدة:
ترادى على دمن الحياض, فإن تعف
فإن المندى رحلة فركوب
وهو شاهد على أن اتصال الفعل بعد حتى بما قبلها في الوجه الأول, كاتصال ما بعد الفاء بما قبلها. فقوله: "رحلة فركوب" معناه: ارتحال بوضع الرحل على الناقة يعقبه ركوب بلا مهلة، وترادى بمعنى تراود على القلب, والدمن: جمع دمنة، وهو البعر والتراب والقذى يسقط، وإذا سقط في الماء سمي الماء دمنًا, ومعنى: فإن تعف، فإن امتنعت من شربه, والمندى: أن ترعى الإبل قليلًا حول الماء ثم ترد ثانيةً للشرب.
قال الأعلم: "وقوله: فإن المندى رحلة, أي: الذي يقوم لها مقام المندى رحلة، كقولهم: عتابك السيف".
وقول سيبويه: "وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرق" مراده بالاتصال: الوجه الأول من وجهي الرفع، ومراده...

...١.٣ دراسة للباب الأول من الأبواب الثلاثة, التي عقدها سيبويه للحديث عن


...بالانفصال: الوجه الثاني؛ ولهذا قال أبو علي: يريد في وجهي الرفع.
وقول سيبويه: "وإنما اتصاله في أنه كان فيما مضى، وإلا فإنه ليس يفارق موضعه الآخر في شيء إذا رفعت" علق عليه أبو عليٍ بقوله: "يجب أن يفهم من قوله: وإنما اتصاله إلى آخر الباب؛ أن الفعل المرتفع بعد حتى في وجهي الرفع جميعًا للحال لا يختلفان في ذلك، وإنما الخلاف بين الوجهين أن أحد الفعلين في أحد الوجهين متصل بالثاني، وفي الآخر غير متصل".
وبهذا ينتهي الباب الأول من الأبواب الثلاثة التي عقدها سيبويه للحديث عن "حتى".